الأطفال، أبطال دراما الحروب

0 23

images

بقلم الأستاذة جماهري فوزية

مأساة لا يطيقها وجدان بشري ولا يقوى على مشاهدتها ببرودة دم سوى ضمير وحشي ولا يقبل بها في محيطه غير الحيوان الذي يعيش في غابة ويقتات على الجرحى والمصابين والعجزة ومن لا حول ولا قوة لهم. أما الإنسان السوي الذي كرمه الله وفضله على غيره من خلقه لا يمكنه أن يتقبل تلك الصورة للطفل عمران وهو يتحسس وجوده وجسده، يرمق من حوله، باحثا عن واقع يقظته من غياهب نومه، متسائلا عن من رمى به في يم الدماء والعنف والقتل ومن أعتقه. وجوه ظهرت أمامه فجأة تبسط يدها لتنقذه من نيران الموت المحقق. في غياب مفاجئ لوالديه. أين هم؟ أين ذهبوا؟ لماذا تركوه وحده مع هذه الوجوه؟ أسئلة كثيرة تتدفق في قرار نفسه في محاولة لإيجاد تفسير لهذه الضجة المميتة حوله.

ظهرت هذه الايام على واجهة القنوات التلفزية العالمية ووسائل الإعلام الدولية بمختلف منابرها صورة الطفل عمران دنقيش 5 سنوات وكأنه نجم من نجوم السينما أو بطل لإحدى المسلسلات الدرامية. تتهافته الكاميرات وآلات التصوير ومعدو ومنشطو البرامج لأخذ صور معه. وكان البحث عن السبق في الصورة منصبا أكثر من الاهتمام بقضية الطفل المغتصب في جميع حقوقه في الحياة. فكان على هذه الوسائل الإعلامية أن تجعل من هذه الصورة المؤلمة للطفل يوم حداد وآسى لجميع آلات التصوير وشاشات التلفزيون وتوقف بث جميع وسائلها الإعلامية حزنا ومواساة وانحناء بمذلة ومهانة أمام هذا المشهد الرهيب الذي يدين البشرية جمعاء بدون استثناء على ما تتعرض له الطفولة قتل وتشريد في العالم. لكن المجتمع الدولي ارتأى أن يلعب دور المتفرج على وسائل إعلامه الذي أتقن فن إخراج الصورة والتعبير لقصة تراجيدية واقعية وحية بهدف الاتعاظ وأخذ العبرة ولإحداث عنصر التطهير والشفقة في المتفرج حسب مفهوم التراجيديا لدى أرسطو.

وكان نجم آخر قبل الطفل عمران قد ظهر في إحدى حلقات مسلسل دراما الموت والدمار السوري في مشهد كانت نهايته أكثر مأساوية للبطل الطفل إيلان شنو الكردي 3 سنوات الذي قذفته أمواج البحر ميتا على رمال شواطئ تركيا. وكانت الصحافة والاعلام والمجتمع الدولي مرة اخرى على موعد مع فرجة مأساة ولوحة  تراجيدية اشد تأثيرا ورعبا. أبدع فصولها مؤلفها السوري الدكتاتور المستبد بشار الأسد الذي حبك نهاية المشهد الدرامي بموت البطل غرقا بالرغم من صغر سنه.

انها حقيقة احداث مأساة شبيهة بالمسلسلات الدرامية الدامية تبلد فيها حس الانسانية ومات فيها الضمير البشري. وامتزجت الآلام بالفرجة والنور بالدجى والموت بالحياة. حتى أصبح الأمر كأنه حال مسلم به. وحينما يقبل الإنسان بؤس وآلام الآخرين فإنما يتخلى بذلك عن جزء كبير من إنسانيته. فأي مجتمع قائم وأي نظام حاكم في دولة تقتل ناشئة مستقبلها. فأنقذوا هذه الطفولة وأنقذوا هذه الحياة من موت المستقبل.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.