الإشكاليات البيئية ودور المحامي

0 175

صوت الحقيقة: عبد اللطيف أعمو

تفاعلا مع نداء شباب العالم إلى الحكام في نحو مائة بلد من أجل البيئة وحركة “جمعة المستقبل” التي تتجه نحو تحقيق تجمع جماهيري قياسي للمطالبة بمواجهة التغيرات المناخية، بحكم أن الحديث عن البيئة أصبح من الأمور المسلم بها في الوقت الحاضر، وأضحت المشاكل البيئية أكثر تعقيداً وتشابكاً، الأمر الذي أصبحت فيه الحاجة ملحة للتدخل وإجراء الدراسات المتأنية لخصائص البيئة وتشخيص المشكلات التي تعاني منها، والبحث عن أسباب التلوث والإجراءات الواجب إتباعها لحل مشاكلها والبحث عن مدى التوفيق بين البيئة والتنمية، في أفق الاستدامة.

فأخذت القضايا البيئية وحمايتها حيزاً كبيراً من الاهتمام على مختلف الأصعدة: جهويا ووطنيا ودوليا. وهذا راجع لارتباطها الوثيق بحياة الإنسان والحيوان والنبات، ولكونها إشكاليات لا تعترف بالحدود الجغرافية والطبيعية. مما جعل الحكومات والهيئات المنتخبة والهيئات المدنية المختصة تتوجه نحو عقد المؤتمرات وحلقات العمل المتخصصة لبحث الإشكاليات المتعلقة بالبيئة.

وباعتبار أن الإشكاليات البيئية، في امتداداتها التشريعية والقانونية، معقدة ومتشعبة، بحكم الازدواجية في النصوص وفي العقوبات، وبحكم تعدد الجهات الإدارية المتدخلة ، وطغيان الطابع التقني الغالب في التشريعات البيئية، فالمهن القانونية، وعلى رأسها مهنة المحاماة مدعوة إلى مزيد من التعبئة في هذا المجال.

فمشكلة حماية البيئة ظلت لزمن طويل محل عناية من لدن علماء الطبيعة والبيولوجيا، إلا أن الفقه القانوني ظل متأخرا نسبيا في الانتباه إلى المشاكل القانونية المرتبطة بالمخاطر المهددة للبيئة.

وأصبحت مفاهيم الحماية القانونية للبيئة تشمل اليوم مجالات عديدة، وتكتسح قطاعات واسعة، وتتميز بتغير مستمر ومطرد، فهي مجالات للابتكار والتجديد في امتدادتها القانونية، كما أنها محفزة للإبداع وملهمة للاجتهاد القانوني، بحكم أن مجالات الحماية التي تجسدها هذه القواعد لا يمكن الإلمام بها مسبقا، لأن العالم والبيئة في تغير مستمر.

إن عوامل تلوث البيئة عديدة. وأصبحت الموارد الطبيعية عرضة للاستغلال الغير الرشيد، وبالتالي، أضحت ضرورة الحفاظ على البيئة من القضايا المؤرقة للمجتمعات المتقدمة، لكن الوعي البيئي، والإحساس بأخطار التلوث، لا يزال في إرهاصاته الأولية بدول الجنوب، ومن ضمنها المغرب.

وللتلوث كلفة صحية ومالية ثقيلة على المغرب والمغاربة، والارتباط المباشر بين التلوث المرتفع للهواء مثلا جراء الأنشطة الصناعية والانبعاثات بسبب حركة النقل والإصابات المتزايدة بالأمراض التنفسية والإصابة بالربو والأزمات القلبية، أصبح مؤكدا. وأن التلوث يكلف المغرب حوالي %1 من الناتج الداخلي الخام سنويا، أي 10 ملايير درهم، وأن حظيرة السيارات ترتفع بـ 5 % سنويا، ومجموعها الآن 3 ملايين ونصف مليون سيارة، مع أن العوامل المؤثرة في البيئة متعددة، وتشمل جميع التغيرات السلبية التي تطرأ على البيئة، من الناحية الفيزيائية والكيماوية والبيولوجية، وسواء في الجو أو اليابسة أو في المياه…

إن التشعبات والارتباطات بين البيئة والاقتصاد والقانون والتماسك الاجتماعي، تُبقي البيئة ورشا مفتوحا، وتستدعي تدخل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في القطاعين العام والخاص بجانب الهيئات المنتخبة ومكونات المجتمع المدني، كما تستدعي تجند المحامين، بالنظر إلى طبيعة مهنة المحاماة كدفاع عن الحقوق، وباعتبار أن البعد البيئي هو الأكثر حضورا على نحو بنيوي في جميع المخططات، ويخترق جميع القطاعات.

فإذا كانت الوثيقة الدستورية قد وضعت الحق في البيئة السليمة في المقام الأول، ليكون بذلك المغرب قد دشن عهدا جديدا، انتقل فيه بمقاربته للإشكاليات البيئية إلى منهجية تعاقدية ملزمة لكل من الدولة، بمؤسساتها وترسانتها القانونية، وللجماعات الترابية وللمواطن كطرف فاعل ومتفاعل، فإن ذلك يقتضي لزوما العمل على تفعيل المقتضى الدستوري من خلال القوانين والأنظمة والمشاريع النصوص الجاري بها العمل.

وقد اعتمد المغرب ترسانة قانونية هامة، تتضمن بالأساس القانون-الإطار رقم 99 – 12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المسـتدامة وقوانين تهم تنظيم الشرطة البيئية وأخرى تهم التنوع البيولوجي (الساحل، الغابة، المناطق المحمية)، بجانب تشريعات تهم آليات الحماية، وبالخصوص تنظيم وتأطير دراسة التأثير على البيئة.

كما اعتمد المغرب قوانين منظمة للأوساط الطبيعية ( الماء، الهواء، الساحل) إضافة إلى قوانين قطاعية مرتبطة بأنشطة القنص والصيد و المنشآت المضرة والطاقة والمقالع والمعادن. هذا بجانب قوانين منظمة للتلوث والإيذايات (تدبير النفايات والتخلص منها، البلاستــيك، المبيدات)… وغيرها

ويلاحظ العديد من المراقبين، أن استجابة السلطة التنفيذية للإشكاليات البيئية غير كافٍ ومحتشم، وأن التدابير الحكومية ليست بالفعالية المطلوبة. ويجب أن لا نُسقَط الإشكاليات البيئية من حساباتنا ! لأنها مرتبطة بمصيرنا كبشر!

وأنا أعتبر نفسي من الدعاة إلى اتخاذ إجراءات بيئية طموحة وفتح حوار وطني واسع في الموضوع.

فإذا كان هناك تباطؤ في تنفيذ القوانين البيئية المتوفرة وعدم التهيئة للمتطلبات الإجرائية التي يتعين اتخاذها لضمان تفعيلها وتطويرها في اتجاه تحقيق أهدافها، فإن من واجب المحامي، باعتبار مهنته هي الوظيفة التي تحرك السلطة القضائية لفائدة المواطنين والمتقاضين، ضمان الدفاع عن حقوقهم البيئية وحمايتها، وجعلها مؤطرة لحياتهم اليومية ومساهمة في غنى الثقافة والتراث الوطني.

من هنا يظهر الملجأ الأساسي إلى القضاء عن طريق المطالبة بتطبيق الحقوق كما هي واردة في الدستور، وتنفيذ القوانين المتوفرة والاستدلال بها، بجانب الاتفاقيات الدولية الكثيرة التي انضم إليها المغرب.

وحسبنا في هذا المجال، أن نكون واعين بأهمية الورش البيئي كورش حقوقي وقانوني، ينتظر من تفعيله في إطار الدفاع عن الحقوق البيئية أمام القضاء، أن نساهم في مقاومة البطء السائد، ونساهم في وقف التدهور التي يتعرض له المجال البيئي، نتيجة عدم احترام الالتزامات وتطبيق القوانين والتعاقدات المبرمة من طرف كل المعنيين، وعلى رأسهم قطاعات الدولة.

نحن حقيقة في حاجة في هذا الباب إلى إطار قانوني وتأطيري متكامل ومفعل، وفي حاجة إلى دولة مواكبة، وكذلك إلى منتخبين متملكين لتصور تنموي استراتيجي.

ونحن حقيقة في حاجة إلى يقظة قانونية تصاحب بحزم وجدية ومسؤولية اليقظة المدنية وتؤطرها، بحكم أن المحامي يوجد في قلب النضالات الحقوقية، وعلى رأسها الدفاع والترافع في القضايا البيئية .
ونحن حقيقة في حاجة إلى تفعيل الترسانة القانونية التي تتوفر عليها بلادنا واتباع سياسة ملائمة للبيئة، لكي لا يتهمنا أبناؤنا غدا بعدم تقديم العون لكوكب في خطر !

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.