التبون يفسد نشوة احتفال الشعب الجزائري بعيده الوطني، وترويعه وزعزعة أمنه، بترويج أحداث إجرامية مفتعلة بهدف شن حرب على المغرب

0 251

صوت الحقيقة : عبد الوافي حراق 

احتفلت الجزائر يوم فاتح نوفمبر باليوم الوطني لثورة التحرير، وهي مناسبة وطنية للترحم على أرواح المقاومين والفدائيين الذين قضوا حياتهم في سبيل تحرير الجزائر الشقيقة، وفي نفس الوقت هي ذكرى لتجديد الروح الوطنية للتعاطي مع الانتظارات والتحديات المجتمعية للبلاد.

فخلال هذه المناسبة وجه الرئيس التبون خطابا للشعب الجزائري، وما أثارني في مضمون هذا الخطاب هو خلاءه من كل رؤية سياسية أواقتصادية أواجتماعية. باعتبار ان التحرير الأكبر والثورة الشعبية لنونبر 1954 هي امتداد للحاضر والمستقبل، ومرجعية وطنية لضمان الاستقرار الاجتماعي والديمقراطي، وترسيخ دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية، والحياة الفضلى للشعب الجزائري. وليست فقط للتغني بالأمجاد وانشاد الشعارات وحدها. فالشعب الجزائري يفتقر لإحياء ذكرى ثورة التحرير إلى خطاب رئاسي رسمي لتجسيد وتكريس أولويات انتظاراته، واستشراف معالم مستقبله الغامض والمشحون، سيما والحراك الاجتماعي لا تزال شريانه تنبض في الشارع العام، ويتطلع لمثل هكذا مناسبات وطنية تتجاوب مع مشاكله وانشغالاته وتحدياته.

فإذا ما استثنينا ما جاء في آخر خطاب التبون، بشكل مقتضب وخجول حول الانتخابات الجزائرية المقبلة، التي تعتبر من اهم الأسس الديمقراطية كآلية تعقد عليها الشعوب آمالها وتطلعاتها، فإن باقي فقرات الخطاب الرئاسي انصبت في مجملها على التمجيد والإطناب في التهليل، ودعوة الفانين إلى إنتاج الغناء والانشاد بهذه المناسبات الوطنية، علما أن الشعب الجزائري ليس في حاجة لمن يلهمه ببرولوجات ثوراته ومونولوجات بطولاته ومناقبه، بقدر ما يحتاج إلى خطاب رئاسي يمنحه الثقة والطمأنينة في نظامه الحكام، ويصادقه في سياسة دولته ومؤسساته الوطنية، ويصارحه بمآل مطالبه الاجتماعية، ويتقاسم معه همومه ومعاناته اليومية.

وإذا ما انسقنا وراء التصريحات الإعلامية للرئيس التبون، التي يلقيها في غير مناسبة، بكون الجزائر مهددة في أمنها، واتهامه للمغرب بزعزعة استقراره. هذا فضلا عن إساءة ماكرون لبلاده، وما تعيشه البلاد من حراك انفصالي للماك والرشاد، فإن أعظم مناسبة لمكاشفة الشعب الجزائري واطلاعه بكل ما يتهدد أمنه وترابه ووحدته، هو مثل هذه المناسبات الوطنية وفي مقدمتها ذكرى ثورة التحرير، التي صنعت أمجاد تاريخ المقاومة الجزائرية وطردت المستعمر الفرنسي.

حيث كان على الرئيس التبون أن يستغل هذه المناسبة الوطنية ليشرح للشعب الجزائري، تجليات عداء المملكة المغربية والتهديد الذي تشكله لأمن دولة الجزائر، وتسليط الضوء بالحجج والبراهين امام الرأي العام الوطني الجزائري والدولي. على ما يدعيه في أوكار إعلامه الإلكتروني وصناديق قنواته التلفزية، وتقديم للشعب الجزائري، وهو من حقه ذلك، الأدلة الملموسة والحجج المادية الدامغة على اتهاماته التي يكيلها نظام العسكر للمغرب. وليس توزيع اتهامات فضفاضة ومضللة، عن طريق رفع شعارات من قبيل العداء الخارجي والمؤامرة ضد الوطن، والتهديد الأمني للبلاد، وهي اتهامات وللأسف طالت حتى الجزائريين الأحرار في الداخل والمهجر، الذين يطالبون بإسقاط حكم العسكر، والطامحين للانعتاق والحرية والمساواة والديمقراطية، ودولة مدنية تضمن لهم الحق والقانون والعدالة الاجتماعية والرفاهية والعيش الكريم.

أليست مناسبة ثورة التحرير هي أعظم مناسبة لمخاطبة الشعب الجزائري ومصارحته بكل ما يهدد أمنه السلمي والاجتماعي؟ أليس من حق الشعب الجزائري الاطلاع على حقيقة ما يجري حوله بالدليل الملموس؟ وإذا كان المغرب وراء كل ما يهدد الجزائر بالحجم الذي تروج له حكومة العسكر وجناحها الإعلامي، فلماذا لم يتم كشف هذه التهديدات؟، أو على الأقل تبريرها بالبراهين المادية – وليس بالشفوي والحكاوي – وتفسير للشعب الجزائري جدوى القرارات التي اتخذها نظامه ضد المغرب؟

من اللابديهي والسذاجة والجبن، إقبال حكومة العسكر الجزائرية على قطع العلاقات مع المغرب، ومنع الطيران المغربي من التحليق فوق ترابها، وقطع امدادات الغاز عبر المغرب دون الاكتراث إلى مصالح الدول المستفيدة منه. وافتعال هجمات وحروب وهمية وانتسابها للمغرب، والإصرار على معادات الوحدة الترابية للمملكة المغربية لأكثر من 50 سنة، وتمويل البوليزاريو على حساب أموال الشعب الجزائري من أجل تجزئة وحدة المغرب، وطرد 35 ألف مغربي من الجزائر، ومحاولة زعزعة استقرار المغرب عن طريق إيواء وتمويل جماعات رادكالية لاغتيال الملك الراحل الحسن الثاني، وشن حرب مباغثة في الصحراء فيما يعرف بحرب الرمال. كل هذه الجرائم والأفعال العدائية وغيرها، التي قام ويقوم بها نظام العسكر الجزائري، لحد اليوم لم يستطع الشعبان الجزائري والمغربي، ولا المجتمع العربي والدولي، على استيعابها وإيجاد تفسيرات والتبريرات لها، بل حتى النظام العسكري ذاته، صانع هذه القرارات العدائية والمزاعم والترهات المستفزة، عجز عن تقديم أدني أنصاف الحجج المادية والملموسة، لتبرير افعاله العدائية ضد المملكة المغربية.

في مقابل هذا العداء قام المغرب باحتواء جيش التحرير الجزائري وأمده بالسلاح والقوة والدعم، وهذا بشهادة المقاومين والفدائيين الجزائريين الأحرار، وهي حقيقة موثقة في مخطوطات المراسلات الفرنسية والاسبانية والبريطانية والإيطالية، وحقائق مدونة في سجلات كتب التاريخ الجزائري والعربي والغربي، بل لا زال لحد اليوم شرفاء أحرار من أبناء الشعب الجزائري يقرون بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة.

كما أنه، في الوقت الذي ظل العسكر الجزائري منعكفا على معاداة المملكة المغربية، والاستمرار في افتعال النزعات والهجمات المفبركة بالأقاليم الجنوبية، ودعم مليشيات البوليزاريو الإرهابية، ظل المغرب ملكا وشعبا مساندا للشعب الجزائري في السراء والضراء، من خلال تقديم الدعم المادي والمعنوي واللوجيستيكي لا سيما اثناء الكوارث الطبيعية وأزمات الاجتماعية وفي مقدمتها أزمة سنة 1988، وكذلك التآزر والتعبير عن مسراته في المحافل الجزائرية، كما كان الحال مع المنتخب الوطني الجزائري اثناء مشاركته في كأس العالم. حيث خرجت الجماهير المغربية عن بكرة أبيها إلى الشوارع والساحات والفضاءات العمومية، تشجيعا لأشقائهم الجزائريين.

وبالرغم من كل هذه الممارسات العدائية للنظام الجزائري، ظل المغرب وفيا للجوار ومبادرا للحوار وداعيا لفتح المعابر، وباسطا يده لامتصاص الحقد والكراهية والجحود من جوف حكام الجزائر، وكان آخرها خطاب جلالة الملك محمد السادس، الذي دعا فيه النظام الجزائري إلى التصافح والتحاور وفتح الحدود في وجه شعبين شقيقين، تجمعهما أكثر من جغرافيا وتاريخ مشتركين، روابط الدم والأواصر والنسب، والوسائج الشبه العائلية والقبلية والثقافية، كقبائل مزاب وزنانة والبويرة وغيرها، بل يتعدى ذلك إلى اللهجة المحلية والعقلية العامية والتراث الشعبي، حتى أنه لا يمكنك التفريق بين المغربي في الجهة الشرقية من المملكة المغربية، والجزائري في المدن الغربية للجزائر. هذا فضلا على ان مدن فاس ومراكش وتلمسان ووهران كانت مدنا شاهدة عبر التاريخ على هذا الانصهار الثقافي الاجتماعي بين المغربي والجزائري، وكانت جامعة القروان ملتقى العلم وجسر المعرفة والثقافة لصناعة حضارة الشعبين.

لكن وللأسف أن نظام العسكر الجزائري ذي النزعة العدائية والجذور الاستعمارية، لا يقيم وزنا لمثل هذه المكتسبات الحضارية والانسانية التي تجمع البلدين. حيث قام الرئيس التبون بتلويث هذه المناسبة الغالية في نفوس الشعب الجزائري “ثورة التحرير”، بافتعال أحداث إجرامية مصطنعة وهجمات حربية وهمية على الحدود الموريتانية. متهما فيها المغرب بقتل 3 جزائريين عبر قذيفة صاروخية، وهو ما نفاه المغرب ونفت وقوعه موريتانيا على أراضيها، ولم يعره المجتمع الدولي والإقليمي، والأمم المتحدة ومجلس الأمن، والمنظمات الإسلامية والعربية أي اهتمام. ولا حتى الصحافة الدولية والعربية، وفي مقدمتهم قناة الجزيرة القطرية، لم يعتبروه خبرا هاما أو حدثا يستحق المتابعة الاستعجالية، بالرغم من ترويج إدعاءات القتل والهجوم بالقذائف الصاروخية.

وهو ما يمكن اعتباره محاولة من نظام العسكر لترويع الشعب الجزائري وزعزعة حسه الأمني واستقراره، في خضم نشوته واحتفالاته بذكراه الوطنية العزيزة. في اعتقاد منه – أي نظام العسكر – أنه سيصيب عصفرين بحجر واحد. من جهة تبرير نوياه العدائية لشن الحرب على المغرب، ومن جهة أخرى تصدير أزمته الداخلية وتعليقها في عنق عدو خارجي مفترض كلاسيكي، كما يصفه الكابران العسكري “شنقريحة”. وذلك لإلهاء الشعب الجزائري بالنزاعات والصراعات المفتعلة خارج البلاد، بهدف التفرغ للداخل لنهب ما تبقى من خيرات وثروات البلاد، وفي نفس الوقت التغطية على جرائمه الإرهابية ضد حركتي الماك والرشاد والحراك الاجتماعي الشعبي، وهو إرهاب لازال ممتدا منذ العشرية الدموية إلى اليوم، لكن بصيغة إرهابية جديدة ناعمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.