الجزائر دولة الرجل المريض

0 52

دولة الرجل المريض، بهذه العبارة وصف العالم الغربي الأوروبي الدولة العثمانية وهي في آواخر أيام إمبراطورياتها، تترنح بجسدها ترنح صاحب البطن الرخو، وتتنفس تنفس المصاب بالربو، وهذا التوصيف للدولة العليلة، جاء للتعبير على أن الإمبراطورية العثمانية لم تعد تقوى على الوقوف في مجابهة والتصدي لحماية البلاد الإسلامية التي استعمرتها وهيمنة عليها لقرون، ولم تعد تملك من القوة والعتاد سوى عكازها ولسانها الطويل لتحدي الغرب. ونتيجة لمرضها تقلصت عضلات أنظمة إمبراطوريتها الحاكمة للعرب والمسلمين، وباءت خطط استراتيجيتها الاستعمارية باسم القومية الإسلامية بالقصور والتذمر وقراراتها السيادية على الوطن العربي بالفشل والتقهقر، فألفت مصيرها بعد سنين من القوة والسلطة، بين الانهيار والتصدع والعجز والخنوع. وسلمت طوعا أو كرها، كل الدول السلامية والعربية التي كانت تحت إمبراطوريتها، للإمبريالية الغربية والقوى العظمى الاستعمارية.

وهذا التوصيف للدولة العثمانية بالرجل المريض هو ما يمكن إسقاطه على دولة الجزائر، التي يبدو أنها تعيش اليوم حالة مرضية وانفصام في الشخصية، لاسيما خلال هذه الأيام الأخيرة في ظل رئاسة عبد المجيد التبون. حيث اهتزت صورة الجزائر على الصعيد العالمي، وسقطت في مواقف محرجة بلغت حد السخرية. ويتبدى ذلك بشكل جلي وواضح في التصريحات وردود الأفعال الصادرة عن بعض نخب المجتمع الجزائري السياسية والعسكرية والمثقفة، تنم عن حالة نفسية غير طبيعية وعصبية تعكس الجنون والحمق بعينيهما. وتكمن أصعب حالات مرض الجنون في إيمان الأحمق بأفعاله، واعتقاده الراسخ بحسن تصرفاته، دون الالتفات لما يسببه من أدى وتداعيات وردود أفعال من وراء ما يصدر عنه.

والحال أن أغلب الدول، خاصة منها العربية لم تكن تدرك حقيقة مرض دولة الجزائر، بالرغم من أن ذلك كان جليا في مواقفها الديبلوماسية المتناقضة والغير المفهومة، وسياساتها الخارجية المتضاربة والغير الواضحة تجاه القضايا الوطنية والعربية، ربما ذلك راجع إلى اعتناقها المفرط وإيمانها المدمن على نظام المعسكر الاشتراكي من جهة، ومن جهة أخرى تأثرها بشخصية وزعامة جمال عبد الناصر ومحاولة محاكاة سياسته. لكن المرحوم الملك الحسن الثاني، كان يدرك حقيقة مرض هذا النظام الجزائري، حين قال قولته الشهيرة “نريد أن يعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار”.

هذا التناقض الذي يصل حد الانفصام في الشخصية يمكن اختزال أحد أمثلته في إصرار الجزائر على دعم كيان مصطنع “البوليزاريو”، بوازع الدفاع عن تحرر الشعوب وتقرير مصيرها، في الوقت الذي تطالب فيه شعوب وقبائل حقيقية غير مصطنعة من داخل الجزائر ذاتها بحقها في تقرير المصير. منها القبايل والرشاد والطوارق، ولم تستجب لمطالبها، بل تمت مواجهتها بكل الأسلحة الأمنية والسياسية والإعلامية. فكيف لدولة تنهى عن فعل وتقبل هي عليه؟ تحاول فرض حماية حقوق زمرة من الانفصاليين من بلد آخر، وتنفي ذات الحقوق عن انفصاليين من وسط شعبها. وكان هذا النموذج من التناقض قد أشار إليه ممثل المغرب السيد عمر هلال في الأمم المتحدة في إحدى المحافل الدولية، حينما رد على وزير خارجية الجزائر عن مطالبة هذا الأخير بحق البوليزاريو في تقرير مصيرها في قضية الصحراء المغربية.

والظاهر أن هذا المرض الذي تعاني منه دولة الجزائر هو نابع أساسا من عقدة الكينونة والهوية، إن على مستوى تاريخها كحضارة أو على مستوى شخصيتها كدولة، ما جعلها تولي الاهتمام الأقصى للقضايا الإقليمية والدولية والقومية من أجل إثبات الذات على الركح الديبلوماسي والجيوستراتيجي، لمطاردة شبح الهجرة في التاريخ وشح التراث ونقص الهوية.

بينما في الواقع أن تاريخ كل أمة من الأمم ينبعث من غرس تربة كيانها وليس البحث عنه في تربة أخرى. وثمة دول حديثة النشأة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، مثل كرواتيا واستونيا وسلوفينيا وجمهورية تشيك، استطاعت بناء نفسها من الداخل من خلال الاهتمام بقضاياها الوطنية، وكذلك بلدان أخرى تشكلت نشأتها بعد الحرب الكبرى واستقلت بعد الحرب العالمية الثانية، سيما بالشرق الأوسط وإفريقيا، انكبت على بناء كيان دولتها والاهتمام بقضايا أمتها الوطنية. على اعتبار أن وجود الدولة يتمثل في استمرار كينونتها وهويتها، والحفاظ على تماسك وحدتها الوطنية وقضاياها الاجتماعية وشؤونها الداخلية. بخلاف الجزائر، التي تعتبر من بين الدول الحديثة النشأة، التجأت إلى محاولة بناء سيادتها من خارج الدولة ،واستتباب سياستها الاجتماعية والأمنية على حساب التوترات الإقليمية ومحيطها خارج الحدود، كما هو حالها مع تشاد ومالي والنيجر. وهو ما تحاول اللعب به وافتعاله مع المغرب من خلال احداث ودعم جمهورية وهمية “البوليزاريو” فوق أراضيها تعادي الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

فمنذ تأسيسها كدولة مستقلة ضمن دول المغرب العربي بعد خروج المستعمر الفرنسي، والحصول على استقلالها لأول مرة في تاريخها بفضل المغرب والجامعة العربية، انتهجت دولة الجزائر سياسة المفارقات والسخرية المثيرة للتهكم، وارتهنت شؤون شعبها الداخلية، بالقضايا الخارجية التي لا تلزم الشعب الجزائري. كقضية الركوب على موجة حركات التحرر بإفريقيا، والزعم على أنها رائدة وزعيمة اشتراكية. علما أن الشعوب التي حاولت الجزائر تبني أطروحتها التحررية هي شعوب كانت متحررة ومستقلة أصلا وذات سيادة وتاريخ قبل الجزائر، وأن فترة استعمار هذه الشعوب من طرف الدول الامبريالية لم تتجاوز سنوات معدودة عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. بخلاف الجزائر التي ظلت ترزح تحت نير الاحتلال لأكثر من 500 سنة، وثمة من ينفي وجودها أصلا كدولة لها تاريخ. ومن المؤكد أن التصريح الأخير لرئيس دولة فرنسا مانويل ماكرون ينم عن حقائق تاريخية، ومعطيات ومستندات ومخطوطات موثقة ضمن سجلات الجمهورية الفرنسية، التي تجمع على أن الجزائر لم تكن موجودة إلا بعد احتلال فرنسا لتلك المناطق الخاضعة للإمبراطورية العثمانية. وأيضا تصريحات أخرى لبعض المؤرخين المستشرقين والعرب نفوا هوية وتاريخ الدولة الجزائرية، بل حتى بعض الشخصيات السياسية والمثقفة بالجزائر أقرت بذلك. وفي مقدمتهم السيد الوزير السابق نور الدين كردوح، الذي أكد على أن الشعب الجزائري هو شعب مهاجر في الجغرافية، ولم تكن له دولة.

لذلك، أن تتصارع دولة مثل الجزائر مع التاريخ، بهدف سرق حضارات الأمم والالتفاف على تاريخ الشعوب، ومحاولة التضليل والتشويش على الحقائق التاريخية للدول، لاسيما تاريخ الدولة المغربية التي تعتبر أقدم مملكة شامخة في القدم ممتدة بتاريخها العريق إلى غاية اليوم، فإن ذلك يؤكد بحق على أن الجزائر دولة مريضة تقاوم الصعود والوجود، والهوية والكينونة. وتحاول إخفاء مرضها عبر ترويج تعرضها للمؤامرة، واصطناع عدو أجنبي، وافتعال تهديدات أمنية تهدد أمن الدولة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.