الحكومة والتعليم : إما لا تعي ما تقول أو تقول ما لا تفعل. والضحية أولاد الشعب وصندوق الدولة.

0 146

صوت الحقيقة .. عبد الوافي حراق

مرة أخرى مبالغ مالية ضخمة تصل إلى 3000 مليار سنتيم، تعلنها وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، على لسان وزيرها في البرلمان، للنهوض بقطاع التعليم الأولي. ويبدو أن سياسة إصلاح قطاع التعليم في المغرب، لا تقوم إلا على سياسة استنزاف صندوق المال العام للدولة. فبعد ميزانية 47 مليار درهم التي أهدرت على المخطط الاستعجالي، دون تحقيق النتائج المرجوة منه. ناهيك عن برامج أخرى باءت بالفشل، بالمقارنة مع الحصيلة المسجلة ومعطيات التقييم، يطلع علينا السيد وزير التعليم بوصفة من الوصفات المعهودة، لمعالجة المنظومة البيداغوجية، بمزانية جديدة. مآلها لا محالة كسابقتها، الهدر وضياع الوقت والمال العام.
وإذا ما قارنا بين الميزانيتين، سنجدهما متقاربتين في التكلفة المالية بنسبة تفوق الثلثين. ولكنهما متفاوتتان، على مستوى الأهداف المسطرة. شتان بين الميزانيتين.
فبالنسبة لميزانية المخطط الاستعجالي تم رصد 4700 مليار سنتيم، لتنفيذ عدة مشاريع متعلقة بتأهيل المؤسسات التعليمية، وإحداث المدارس الجماعاتية، وتطوير الآليات البيداغوجية والمنظومة الإعلامية، وإلزامية الولوج إلى التعليم. مع مراعاة مبدأ الانصاف وتكافؤ الفرص، وإدماج ذوي الاحتياجات الخاصة. والارتقاء بالتعليم الأولي وتطوير التربية البدنية، والرياضة المدرسية. ومحاور فرعية أخرى شملها هذا المشروع الاستعجالي.

أما ميزانية 3000 مليار سنتيم، فقد خصصت لتحقيق هدف واحد. وهو تأهيل التعليم الأولى. علما أن هذا الهدف كان مدرجا ضمن أهداف ومحاور ميزانية المخطط الاستعجالي.

وبالنظر إلى المقاربة بين المشروعين وميزانيتهما، سنجد أن الحكومة المغربية، قد نهجت سياسة متناقضة ومتفاوتة في استراتيجية برامجها وتدابيرها. وسقطت في مفارقتين تنم عن العبثية التي اعترت إصلاح المنظومة التعليمية ببلادنا.

المفارقة الأولى، تكمن في كون أن ميزانية 30 مليار درهم لتأهيل التعليم الأولى، تساوي الثلثين من تكلفة المخطط الاسعجالي. مما يعني أن الحكومة خلصت إلى أن حل أزمة التعليم ببلادنا، وإصلاح إختلالاته ومعالجة أولوياته، لا يكمن في تأهيل الموارد البشرية، أوتطوير البنية التحتية، أوتحسين المنظومة البيداغوجية وضمان جودة التعليم، أوالرفع من مستوى التحصيل التعليمي، أوتوسيع الأفق الدراسي الذي يضبط بموجبه مؤشر التنمية، ويفتح آفاق الشغل. وإنما يكمن هذا الإصلاح أساسا كأولوية لدى الحكومة الحالية، في تأهيل التعليم الأولي، وتخصيص ميزانية ضخمة، بحجم المخطط الاستعجالي، لما قبل سن التمدرس. وكأننا انتهينا من حل ومعالجة مشاكل التعليم ما بعد التمدرس، بمختلف أسلاكه الدراسية.

والمفارقة الثانية، تتجلى في الرؤية الاستراتيجية 2015 – 2030 لإصلاح التعليم. التي وضعت نصب أولوياتها، مجموعة من المشاريع والبرامج والأوراش الكبرى، لإصلاح المنظومة البيداغوجية. ولم تتخذ التعليم الأولى ضمن أولوية الأولويات التي سطرتها. واعتبرته من بين محاور اهتماماتها. وركزت في مشروعها على مدى 15 سنة، على ربط التعليم وجودته بالمستقبل وافاق الشغل. من خلال تطوير وتنويع العرض الدراسي، والتأهيل المندمج للمؤسسات التعليمية، وتجديد مهن التربية والتكوين، والارتقاء بتدبير المسارات المهنية، وتطوير استعمالات تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم. وغيرها من الرافعات البيداغوجية، المسطرة ضمن الرؤية الاستراتيجية 2015 – 2030، والتي تشكل خارطة الطريق للنهوض بقطاع التعليم ببلادنا.
إلا أن السيد الوزير، أبى إلا أن يغير منهجية الحكومة، بإعطاء الأولوية للتعليم الأولي، وبتخصيص ميزانية بحجم 3000 مليار سنتيم لتأهيله. وهو ما يمكن تفسيره بالعبثية في التسيير، وغياب الالتقائية في المشاريع، والتفكك في التدبير المندمج. ذلك ان ما يتم تسطيره في البرامج الحكومية، ليس هو ما يتم تدبيره على مستوى الوزارة. وكأن هذه الأخيرة تعيد رسم خارطة طريق خاصتها، تتماشى والتوجه السياسي للوزير، تحكمها انطباعية المكون الثقافي والمعرفي لهذا الأخير. بمنأى عن التوجه العام للسياسات العمومية، والمخطط الاستراتيجي للدولة. مما يجعل مشاريع القطاع تزداد ميتة، بدون حياة على أرضية الواقع. وإذا ما كتب لها الميلاد، فإنها في الغلب، لا تستجيب لانتظارات المواطن، ولاتعكس همومه ومشاغله. وكأن الحكومة إما لا تعي ما تقول، أو تقول ما لا تفعل.

هذا هو حال قطاع التعليم ببلادنا. فمن 4700 مليار سنتيم لتأهيل التعليم ما بعد التمدرس، بمختلف مستوياته الثلاث، إلى 3000 مليار سنتيم لتأهيل التعليم الأولي. أي ما يفوق ثلثي الميزانية الأولى لتأهيل ما قبل التمدرس. وللأسف، ميزانيات ضخمة وأموال طائلة مرصودة، وأهداف وبرامج متباينة ومشاريع غير مندمجة، ونتائج في ذيل سلم ترتيب مؤشر التنمية، وحصيلة مخيبة لآمال التعلمات.
ع. الحراق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.