الدار البيضـــــــــــاء والهويــة الثقـــــــافيــة

64

a46e38875f82cdf9ec473bf644481f45
منذ خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله الذي خصه جلالته بمدينة الدار البيضاء الكبرى لتأهيلها اقتصاديا واجتماعية وجعلها قطبا ماليا عالميا، والأشغال مفتوحة على قدم وساق لتأهيل البنية التحتية والأوراش التنموية الكبرى ممتدة على مساحة التراب الجماعي للمدينة. تشمل شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية والبيئية. وذلك في سياق المخطط الاستراتيجي الذي يتضمن مجموعة من الاتفاقيات الموقعة أمام صاحب الجلالة نصره الله، بين المؤسسات الوصية والقطاعات المعنية والشركاء. وهو ما يعتبر خارطة الطريق للنهوض بمدينة الدار البيضاء الكبرى نحوى الرغبة الملكية وطموح الساكنة بجعلها مدينة تضاهي المدن العظمى دوليا.

إن المشهد التنموي لمدينة الدار البيضاء أصبح صورة ديناميكية لا تكف عن الحركة، دائمة التغيير والتحول في انسجام وتناسق يجمع بين الجمالية والعمران، والتنمية والسكان وثقافة المدينة وهوية المكان. ويراهن المسئولون بالدار البيضاء على جعلها مدينة المعرفة والإبداع وعاصمة للمدن الذكية.

كما أن التدبير المفوض لقطاع التنشيط الثقافي من خلال إحداث شركة التنمية المحلية للجماعة الحضرية للدار البيضاء، يعد من بين المكتسبات التي ستساهم في تأثيث المشهد الثقافي والسياحي للمدينة. وستكتمل هذه الانتعاشة الثقافية بافتتاح المسرح الدولي للدار البيضاء الذي سيعطي زخما قويا لنهضة المدينة، وفتح آفاق واسعة للشغل أمام المثقفين والفنانين المغاربة والساكنة البيضاوية.

وبالموازاة مع ذلك، تعرف مدينة الدار البيضاء خاصة في الآونة الأخيرة، اهتماما كبيرا بالشؤون الثقافية والرياضية والاجتماعية. وذلك راجع بالأساس إلى الدور الهام والمجهود الجبارة الذي تبذله اللجنة المكلفة بالثقافة للجماعة الحضرية. حيث انتشرت ظاهرة المهرجانات الفصلية والملتقيات الموسمية، والتي يتم تنظيمها وبرمجتها على مدار السنة خاصة في الفترات الصيفية والربيعية. وقد أصبحت هذه المهرجانات عرفا تقليديا تتباهى به المقاطعات الحضرية والعمالات والأقاليم، بغية التعريف بتراث وخصوصية المنطقة الترابية الجماعية، وإحياء الفرجة بالفضاءات العمومية والاحتفال بالموروث الحضاري والرافد الشعبي للمنطقة.

وأمام هذه التظاهرات الفنية ومهرجانات التنشيط الثقافي، يبدو أن ثمة رافد أساسي ومكون رئيسي للهوية الثقافية لمدينة الدار البيضاء لم يأخذ اعتباره وحقه كاملا ومكانته اللائقة به ضمن هذه الملتقيات والبرامج، باستثناء بعض المشاركات التي لا تخرج عن الاستئناس. إذ لا يمكن للمتتبع والمهتم بالشأن الثقافي البيضاوي أن يتخطى عتبة الخصوصية التراثية والرافد الفني للمدينة دون الوقوف عند مجلاج فنها الشعبي العيطة، الذي يشكل حجر الزاوية للهوية الثقافية لمدينة أنفا العتيقة. حيث لا يمكن الخوض في أية تفاصيل تراثية فنية للمنطقة بمعزل عن العيطة المرساوية التي تعد من الفنون الأصيلة عند البيضاويين. تابع …

ويعتبر فن العيط محفلا غنائيا، ثقافيا وتراثيا يؤرخ للذاكرة الشعبية التي كانت تزخر بها مدينة الدار البيضاء، وإحياء فنون الفرجة والطقوس الاحتفالية التي كانت تشكل جزءا من الحياة اليومية لساكنة المدينة. حيث كانت تمتزج الأهاجيج والإيقاعات بالرقص والغناء وبحلقات الحكي والقصائد الشعرية والزجل وبمواكب الأعراس وسباق الفنطازيا. مصحوبة بالعيطة التي كانت تعتبر نداءا وإعلانا للتجمع والسمر وبداية الفرجة. وبذلك ارتبط هذا النداء بهذه الأجواء الاحتفالية مجسدا لفن تراثي غنائي شعبي يدعى فن العيطة.

وبما أن كل ثقافة هي وليدة جغرافية محيطها فقد كان لميناء أنفا العتيقة تأثيرا كبيرا في تشكيل الوعي الجمعي وتأثيث الفكر الشعبي لدى السكان البيضاويين. وكان فن العيطة البيضاوية قد انبثق من رحم مرسى المدينة القديمة وبذلك سميت بالعيطة المرساوية.

بقلم عبد الوافي الحراق

التعليقات مغلقة.