الربيع العربي بعد مرور 10 سنوات: إخفاق الشعب الثوري وصعود الإسلامي والعسكري. (جزء1)

0 137

صوت الحقيقة : عبد الوافي الحراق

تحتفل الشعوب العربية خلال هذه الأيام بذكرى مرور 10 سنوات على حراك الربيع العربي، سواء تلك التي تلظت بشرارة لهيبه واكتوت بنيران جحيمه، أو التي مرت منه بسلاسة وسلام دون صدام أو إراقة دماء. زلزال ثوري عربي ضرب في مستهل عام 2011 كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وتداعت له انظمة بلدان المغرب والبحرين والعراق والأردن والكويت والسعودية وعمان، ثم عاود رضوضه المفحمة بكل من الجزائر والسودان ولبنان. فهل حققت هذه الانتفاضات العربية أهدافها وبلغت المرامي التي خرجت من أجلها للشارع؟ وإذا ما كانت قد استطاعت الإطاحة ببعض الأنظمة الحاكمة فهل تستحق كل هذه التضحيات بالأرواح التي سقطت بحلب وميدان رابعة وترهونة وتعز؟ ثم ما الفائدة من إسقاط نظام في شخص رئيس الدولة، وتبرأة باقي الأجهزة من عسكر وشرطة واستخبارات، ومؤسسات تشريعية وحكومية وشركات الريع والفساد؟

إن تتبع مسار ومآل هذه الثورات العربية طيلة هذا العقد من الزمن يوحي بأن هناك تناقضات في تأويل وفهم منطلقات هذه الانتفاضات الثورية، واختلالات منهجية حالت دون تحقيق الشعوب العربية لأهدافها المنشودة، فحتى الخلاصات كانت مبهمة وغير مكتملة. مما جعل غالبية الكتابات حول هذا الحراك في الوطن العربي، تعرف تباينا على مستوى القراءة والتحليل والتقييم. وحتى نكون موضوعيين في إعادة قراءاتنا لمشاهد وحيثيات ثورات هذا الربيع العربي سنحاول الوقوف على الحقائق كما تتبعناها وشاهدناها بالعين المجردة، دون تنطع فيما وراء السطور أو تأويلات في الرؤى السياسية والإيديولوجية.

ثورة تونس اجتماعية بنسخة أصلية

الثورات العربية لم تكن شعبية خالصة إلا في بلد واحد وهو تونس، الذي انطلقت منه شرارة الثورة من رحم معاناة الشعب، حينما احرق محمد البوزيدي نفسه فانتفضت لأجله كافة المدن والقرى التونسية من كل حدب وصوب. فنجحت في الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، الذي فر هاربا خارج الوطن. مخلفا وراءه تركة من الفساد الإداري والسياسي، وركاما من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وأحوال مَعيشية صعبة، بلغت حد توصيفها بثورة الجياع.

فكانت ثورة حقيقية وواقعية ذات دوافع عفوية، غير منتظرة أو مخططة لها. مما جعلها تعتبر نسخة أصلية، وتتفوق لحد الآن وتتميز عن غيرها من ثورات الشعوب العربية. بالرغم من المحاولات المتكررة لإجهاضها من طرف تيارات خارجية مضادة للثورات.

الثورات العربية مسيسة ومؤدلجة

إن باقي الثورات الربيع العربي كانت سياسية محضة، انطلقت على خلفية التفاعل مع ما جرى في تونس وتم استغلالها وتسييسها من طرف المعارضة العربية التي لعبت فيها الأحزاب وقطاعاتها الموازية دور الريادة، وحتى الفئات المستقلة والغير المسيسية سيما منها الشباب سقطت في براثن التسييس من خلال استهدافها للنظام السياسي الحاكم والمواجهة مع أمنه الفاسد أكثر من التركيز على المطالب الدستورية والتشريعية والترافعات من أجل العدالة والحرية والديمقراطية، ومطارحات المطالب الاجتماعية والقضايا الشعبية المعيشية التي ترزح تحتها الطبقات الفقيرة والمهمشة. هذا فضلا عن عدم تسطير الأهداف المحددة وتوظيف الوسائل المطلوبة والتركيز على الدواعي المطروحة، حسب خصوصية كل بلد عربي على حدا. حيث كانت العشوائية سيدة الموقف الثوري، والهرولة إلى التموقع في واجهة الثورة والظفر بالقيادة السياسية للحراك المجتمعي، هي الخاصية التي طبعت أغلب منهجيات دول الربيع العربي.

الربيع العربي كان ربيعا عسكريا

كانت ثورة تونس مدنية واجتماعية محضة، ظل فيها العسكر بمنأى عن الحراك الشعبي، ولم يقحم جهازه للتأثير على تحركات الشعب، ولا ادعى لعب دور الحكم أو الحاكم، حيث انبرى بحياد إجابي، واتخذ موقف المتتبع والمراقب والشاهد على الأحداث. في حين أن باقي الثورات العربية الأخرى، تسيدها العسكر بوازع الحفاظ على الأمن وحماية ثورة. فتحكم في دواليبها، والتف على شعلتها الملتهبة. فتحولت بذلك من ربيع الشعوب العربية إلى ربيع الأجهزة العسكرية، إذ انتفضت الشعوب بخلفياتها السياسية والاجتماعية فاقتطف العسكر ثمارها بدواعي أمنية. وخير مثال على ذلك ما جرى في مصر التي استولى فيه العسكر على الحكم، والسودان تقاسم فيه العسكري والمدني مجلس الحكم والسيادة، وسياسة شد الحبل بين الشعب والعسكر بالجزائر حول صلاحية حكم رئيس فاقد للوعي ومقعد لسنوات والذي بالكاد تم تغييره برئيس آخر على مقاس الجهاز العسكري، وما جرى ويجري في سوريا وليبيا من صراع واقتتال بين الشعب السياسي والنظام العسكري. وما آلت إليه اليمن ولبنان من صراع طائفي وقبلي بطعم الحرب والسياسة.

الإسلام السياسي والقفز على الثورة

لا ريب أن صعود الإسلام السياسي إلى كرسي الحكم، على خلفية الربيع العربي تسبب بنقل الصراع الثقافي والطائفي والديني والعلماني الذي كان سائدا في البلدان العربية والاسلامية إلى واجهة صراعات أنظمة الحكم، بعد أن كان حكرا على المجتمعات ومنظماتها المدنية والثقافية والسياسية والحقوقية. فأغلب الدول المتصدعة بالثورات العربية، هيمنت عليها الحركات الإسلامية، وقفزت على كراسي الحكم، سواء عن طريق الآليات الديمقراطية من خلال اكتساح شامل لصناديق الاقتراع والفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية. سيما في مصر وتونس والمغرب أو عن طريق المجالس الوطنية والسيادية المعينة من طرف وجهاء القبائل وأعيان الطوائف وفرقاء السياسة كما الحال في السودان وليبيا. وهم بذلك كتنظيم إسلامي سياسي حولوا مسار حراك الربيع العربي من مشهده الثوري إلى المشهد السياسي.

بينما تشكيلهم للمشهد السياسي لم يكن متناسقا ومتسقا مع التحولات الديمقراطية، التي تفرض تحديات كبرى لا سيما على مستوى الحريات الفردية وعلاقتها بالأخلاق العامة، والمرجعية الدينية وارتباطها بالسياسة وإشكالية فصل الدين عن الدولة. علاوة على التحديات الاقتصادية والانتظارات التنموية ومدى استجاباتها للمطالب الشعبية والإكراهات الاجتماعية، في ظل التحولات العالمية للاقتصاد الليبرالي والتجارة الحرة والعولمة. …/… يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.