” الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية ” ـ الحلقة 10

0 105

صوت الحقيقة: محمد كروم

الحـــلـــقــــة 10

أكينان واحة الحدائق المعلقة:

أول مرة طرق سمعي اسم ” أكينان ” كان يوم 28 نونبر 2018 حين أهداني الأستاذ أحمد أيت داود بثانوية الزيتون الإعدادية ( تكموت )، نسخة من كتابه ” أكينان بين المطرقة والسندان “. على ظهر الغلاف صورة موسومة ب ” واحة أكنان إقليم طاطا”.  كانت فعلا عتبة مثيرة، تفتح شهية المتلقي للزيارة والقراءة معا. ( أحمد أيت داود أستاذ مادة اللغة العربية بإعدادية الزيتون جماعة تكموت، كتب مؤلفه هذا  سنة 2015 بحرقة ومرارة، واصفا فيه أهل أكينان، وصنيعهم حين دفعوه لخوض غمار الانتخابات الجماعية سنة 2015  من منطلق تجربته الجمعوية والتعاونية [16 سنة ] ثم خذلوه في هذا الاستحقاق، وكالوا له تهما كثيرة، وباعوا أصواتهم لمرشحين آخرين، فسخر قلمه لنقدهم والسخرية منهم، بل والسخرية من نفسه أيضا، معتمدا أشكالا نثرية متعددة.) قرأت الكتاب حينها بحياد تام ثم وضعته على رف مكتبتي. اليوم وقد تحققت زيارة الواحة  ( 09 يونيو 2019 ) عدت إلى الكتاب، لأقارن بين ما قرأت وما رأيت.

من طاطا إلى أكينان مسير ساعتين من الزمان، لا يقصدها في غالب الأحيان إلا من يمتلك وسيلة نقل خاصة. طريقها هو نفسه طريق تيسنت وأقا إيغان. قطعناه ـ كاتب هذه السطور، والمفتش حسن بوغلي ـ  في القر والحر، فكان في كل مرة يعرض على مرآنا مناظر مختلفة، وإن ظل الصخر والطلح ثابتها الأبدي.

كان خريفا ممطرا حين عبرناه أول مرة. كنا مسرعين نسابق الريح وسقوط المطر، وبين الفينة والأخرى تبدو لنا عن بعد موجة من المطر تتساقط كأعمدة الدخان. كنا نجري نحو بعضنا حتى إذا التقينا ضاقت الرؤية، وضاقت العبارة، وانهمر الماء خيوطا من السماء. وإذا ابتعدنا عن بعضنا سالت الشعاب ومجاري المياه متدفقة فاتنة، وبدت الجبال نقية براقة بصخورها العظيمة الرائعة.

كنت عبر الطريق مفتونا بمرأى اللوحات الطبيعية الهاربة وراء زجاج السيارة المسرعة، واضحة حينا وشاحبة حينا آخر. وما هي إلا أيام قليلة حتى بدأ مسيل الماء يخضر مثل الوشم على أديم البطحاء، المليء بالحجارة السوداء. حجارة كثيرة تفوق التصور، كأنها أسقطت بغيظ من كوكب آخر، أو فجرتها الأرض في لحظة جنون خارقة. وتفننت أشجار الطلح في ارتداء كسائها الأخضر بعد طول شحوب.

بعد أسابيع ظهرت قطعان الأغنام والماعز، وظهرت خيم الرعاة الرحل متناثرة في كل مكان، وصارت حمرهم تجوب المراعي طولا وعرضا دون قيد أو قائد، وصارت بين الفينة والأخرى تسقط صريعة تحت هياكل الشاحنات. كما هامت الثعابين على وجهها بعد أن استفاقت مبكرا من بياتها الذي لا يعمر إلا قليلا.

كانت القطعان البيضاء والسوداء تؤثث المكان وتطرد وحشته بعيدا، فاسحة المجال لثغاء الحملان والجديان الجميلة تتقافز نشوانة فرحى، وهي ترعى الندى.

ثم توالت الأسابيع والشهور، فتجردت أشجار الطلح من خضرتها وعادت تضاهي الجبال القرعاء شحوبا، وعادت الزوابع تلتف حول بعضها، قاذفة في وجه المدى الهشيم والرمال، ومعها أسراب السراب  خداعة، تتراقص أمام أعين العابرين.

قبل مركز تيسنت يلتف طريق أقا إيغان يسارا. على يمينه تمتد غابة نخل عظيمة في حالة احتضار، أكثر سعفها أصفر، باهت اللون، لم يعد مثمرا ولا جذابا. تكالبت عليه الأمراض والإهمال، فانزوى يواجه قدره في صمت، انزوى “غريبا كصالح في ثمود”، يشق منظره “القلوب قبل الجلود”. كما يشقها منظر الآهالي الذين يخرجون إلى قارعة الطريق في انتظار طويل، وشاق لأي عربة يمكن أن تقلهم لقضاء أغراضهم.

على مدخل أقا إيغان واحة جميلة، شديدة الخضرة، نخيلها مثمر، زرع فيها أصحابها الشعير والفصة، وبعض الخضروات. وصاروا يعتنون بها اعتناءهم بصغارهم، فتراهم يسقون الأحواض، أو يحتطبون السعف، ثم تراهم يحصدون ويجمعون محاصيلهم في بيادر مفتوحة على الشمس، وانتظار آلة الدراس التي ستعفيهم من متاعب كثيرة.

في ثانوية المسيرة انطلقت أشغال البناء على قدم وساق للفصل بين السلكين الإعدادي والتأهيلي. وفي دار الشباب تنظم بعض الجمعيات معرضا سنويا للمنتوجات المحلية، والتقليدية. تباع فيه العطور  والنبق وبعض الملابس والأطعمة التي تنتجها السواعد المحلية.

بين أقا إيغان وأكينان مسير ساعة. كان الطريق محفوفا بصفرة الأعشاب، وكانت قطعان الرحل قد وصلته للتو. طريقها ضيق وكثير المنعرجات، يخترق دواوير عديدة قبل أكينان، أولها دوار تمسولت. يمتد بين التلال والشعاب، مساكنه تشبه الأرض، لا تكاد تميز منها إلا بعض البنايات الحديثة التي أصر أصحابها على طلائها بألوان فاقعة.على مدخله مدرسة تمسولت الابتدائية، وبجوارها تتداخل بنايات حديثة وأخرى قديمة  تضحك أطلالها على مصيرها المأساوي.

على قدم الجبل جحور اصطناعية / مناحل صنعها الأهالي من الصخور في وقت ما لتربية النحل، عندما كان النحل نحلا، والعسل عسلا. وهي مناحل كثيرة ما تزال صامدة، وشاهدة على براعة الإنسان في استغلال ثروات مجاله، وشاهدة على أن خيرات كثيرة كانت هناك ولم يبق منها إلا الآثار. ووسط الوادي واحة نخل تمتد كشريط يلتوي ويمتد تبعا لتعرجات الوادي.

وراء الوادي دوار أدخس، يتوسطه أقدم حصن في إقليم طاطا، يحكى أنه يعود إلى العصر المرابطي، وأنه أقدم من مدينة مراكش نفسها. ومازال صامدا يتحدى الدهر وعواديه.

بعد تمسولت تنبسط الأرض قليلا ويصبح بإمكان السيارات أن تسير على ضفة الوادي بين أشواك السدر الكثيرة. قبل أن يصعد الطريق قليلا، آكلا من حافة التلال التي كشفت عن ألوان زاهية من التراب البنفسجي،  ثم ينحدر من جديد فيمتد في سكون الوادي الذي يضيق شيئا فشيئا، بين الجبال عنيفة الشموخ، تحيط به إحاطة الجحافل بالفارس الأعزل، فيبعث ذلك في النفس إحساسا رهيبا بالوحدة والضياع.

وفي دوار تمزوغين تقل أشجار النخيل وتقل الخضرة، وتظهر بجلاء أطلال البساتين فارغة كئيبة، لم تبق منها إلا مدرجات متآكلة الحواشي، تثير الشجن. ويستمر الطريق منبسطا في مجرى الوادي أسفل الدور المنتشرة على أقدام المرتفعات.

ثم يطل دوار كريوت، بنخلاته الشامخة، العجفاء، تطاول البنايات الفخمة، والجميلة التي نبتت به ساخرة من الدور القديمة وهي تدخل سن اليأس مستسلمة لخطى الزمان. وفي كثير من الزوايا أكوام من خشب النخيل يتكئ بعضها على بعض، في استسلام مهين.

على مسافة من أكينان التهم الوادي ـ منذ شهور ـ جزءا من الطريق المعبد، فصم عنه المسؤولون الآذان، وأغمضوا العيون. نزلنا مكرهين إلى قلب الوادي، واخترقناه متعثرين بالحجارة والصخور. مئات الأمتار قطعناها مقلقلين، ساخرين من هذا الوضع البئيس، مشفقين على سكان الجماعة.

على مدخل أكينان بنايات فخمة تنسي الزائر حاله وتوهمه أنه في مدينة جميلة. بنايات من ثلاثة طوابق، بشرفات فسيحة، ولون أحمر فاتح، ونوافذ للضوء والهواء، ثم يبدأ النخيل والجبال في هجوم مباغت.

على اليمين اصطفت بيادر صغيرة تكومت فيها أغمار السنابل في انتظار درسها، يفصلها عن الطريق سور قصير، وعلى اليسار أشجار النخيل الوارفة. كنا نتوغل فتضيق المسالك، وتلتف الأشجار، منتشرة يمينا ويسارا، متسلقة الجبل أو منحدرة إلى الوادي، ساحبة ظلالها على الصهاريج المائية الممتلئة، الراقدة في دعة واستسلام.

وصف الأستاذ أحمد أيت داود هذه الواحة فقال: (واحة أكينان من أجمل الواحات والجنان، تحيط بها جبال عالية البنيان، تنبع منها خمسة منابع دائمة الجريان، يسقى بها نخيل باسق صنوان وغير صنوان، حقولها الألف فدان مدرجات كما في اليابان. سكن الواحة الإنسان منذ سالف الأزمان… ـ ص 9  )

لم يعد الطريق يسمح بمرور أكثر من مركبة، كنا مشغولين بالتفكير في الطريقة التي تمكننا من الاستمرار في السير إذا واجهتنا عربة من الاتجاه الآخر.

بعد مسافة من الظلال والخضرة انتهينا إلى الوادي، يتراوح عرض المساحة التي قذفنا إليها الطريق بين عشرة وخمسة عشر مترا. تقف على جانبها مركبتان محملتان بالخضر، وعلى الجانب الآخر بضع شويهات، وبقرة عجفاء تجتر ما تجتر. ضيق المساكن وقلة المساحات الشاسعة جعلا الأهالي يخرجون دوابهم إلى هذا الشبر من الأرض المفتوح على السماء للاسترخاء قبل أن يعودوا بها عند الظهيرة إلى أروائها.

بين السيارتين والدواب بعض الرجال ينظرون إلينا في فضول أو طمع. بعد صعوبة بالغة استطعنا أن نركن السيارة بحيث تسمح بمرور أي سيارة أخرى قادمة. على علو قامتين كانت هناك فتيات يصبن في مرح وانشراح بعض الأثواب.

سألنا رجلا عن مكان مناسب لجلوسنا، فتردد كثيرا في تحديده، وقبل أن يجيب طلبت منه امرأة أن يستفهم عما إذا كنا نريد شراء بعض لوازم الغذاء. حين رد عليها أننا نحمل معنا كل حاجياتنا، تأففت وولتنا ظهرها. اقترح علينا الرجل أن نتتبع الطريق إلى أعلى حيث منابع الماء صافية و الظل أشهى. سرنا مسافة ننوء بفراشنا وزادنا، ثم سألنا رجلا آخر فلم يختلف رده عن كلام الرجل الأول، سرنا مسافة أخرى وسألنا فتاة، ولم يشذ تصريحها عن كلام الرجلين. كلما توغلنا في المسير، كلما قلت الخضرة وانعدم الخرير. حسمنا أمرنا وعجنا على يميننا واتخذنا مجلسنا تحت ظل أقرب الأشجار وسط الأحواض المسقية.

اكتشفنا أننا خدعنا، وأن الذين سألناهم كانوا لئاما أرادوا إبعادنا ما أمكن عن وسط الدوار. تناولنا وجبة غذائنا ـ غير مسرورين ـ وقررنا الرجوع إلى الوادي حيث تركنا السيارة. في طريق العودة صادفنا رجلا فاقترح أن يدلنا على مكان جميل مقابل بعض المال. رجعنا فلم نجد غير سيارتنا. الرجال انصرفوا، الماشية أدخلت إلى الحظائر، السيارتان المحملتان بالخضروات ذابتا. وضعنا أمتعتنا وصعدنا إلى المكان الذي كانت الفتيات يصبن فيه.

هنا إذن تختبئ أكينان، وهذا قلبها النابض. المياه تتدفق ضاحكة جارية بين السواقي، تارة تنساب منبسطة، وتارة تتكسر هابطة من مدرج إلى آخر. لأول مرة أشاهد كثافة نخيل مثل هذه، كانت أشجاره كالقصب، وسعفه كالأسل، وظلاله لا تسمح إلا بمرور بقع ضوء صغيرة تكاد تقفز كلما رمنا الإمساك بها، وكأن المتنبي كان يصف حالنا حين قال في نونيته الجميلة:

غدونا ننفض الأغصان فيها       على أعرافها مــــــثل الجمان

فسرت وقد حجبن الحر عني       وجئن من الضياء بما كفاني

وألقى الشرق منها في ثيابي        دنانيرا تفر من البنـــــــــــان

لها تمر تشير إليك منه            بأشربة وقفن بــــــــــــلا أوان

وأمواه تصل بها حصاها          صليل الحلي في أيدي الغواني

امتلأت نفوسنا بهجة وانشراحا، ورحنا نتعقب الظلال والماء بحثا عن منبعه، أينما ولينا وجوهنا تبدو لنا حدائق النخل معلقة بعضها فوق بعض، كأنها وضعت طبقات فوق طبقات، تخالطها خضرة الخضروات والدرة، هذه الحدائق الجميلة تبدو أكثر وضوحا وجمالا حين نقف وسط الوادي. تبدو صاعدة متباعدة وهي تسعى نحو قمم الجبال التي تحيط الواحة كما تحيط الأم صغارها. ومن بين الأشجار تطل الدور الجميلة فاتنة أخاذة، كأنما زرعت لتمتد عموديا دون أن تلتهم مزيدا من الأرض.

وفي عمق الوادي أيضا تبدو الحجارة لماعة كأنما غسلت بالفضة. كل شيء في الوادي وتحت النخيل يلمع. وقد أتيح لأكينان لسان الشاعر الأمازيغي سيدي حمو الطالب فتغنى بجمالها الساحر وجعله يتردد على ألسنة أهلها.

تعقبنا الساقية حتى وصلنا النبع الصافي، كان ينساب من تحت جبل ومما يشبه كهفا، وعلى بعد أمتار تراكمت فوق الساقية أكوام من الحجارة الضخمة، تساقطت من فوق القمم، بلا هوادة. ينبع الماء من تحت جرف عال محدودب مثل مطرية عملاقة، علوه أكثر من عشرين مترا. يؤمه الباحثون عن الظلال والراحة، ويسكنه الحمام.

استرحنا قليلا وشربنا من زلال النبع ما أطفأ لظى حلوقنا. كان الحمام يطير ثم يعود مكسرا خلوة الفضاء  برفرفة أجنحته وصداها المتردد:

يطير الحمام

يحط الحمام

أعدي لي الأرض كي أستريح

فإني أحبك حتى التعب

صباحك فاكهة للأغاني

وهذا المساء ذهب …

محمود درويش

بعد أن قضينا من أكينان حاجاتنا، قررنا العودة عصرا. صادفنا بين المسالك رجلا خمسينيا، تبادلنا معه أطراف الحديث فسألناه عن عدد الينابيع، ومجاريها، فقال إنها كثيرة، وكف عن الإيضاح، فلما أعدنا الطلب، اقترح أن يدلنا عليها، وأكد أن سكان الواحة يستفيدون كثيرا من رفقة الأجانب: يتغذون معهم، وينالون مائة درهم عن طوافهم.

لماذا كل الذين تحدثنا إليهم من أهل أكينان يسيطر عليهم هاجس المال؟ يقول الأستاذ أيت داود:

في هذا العصر والأوان تحكم في واحة أكينان بعض الأعيان، عاثوا فيها الفساد والطغيان. يشترى فيها الإنسان بأرخص الأثمان، وتداس فيها حقوق الرجال والنسوان. انتشر فيها الإفك والبهتان، رحل عنها الشبان  بعد أن ضجروا العمل في الحقول بالتطوع والمجان … لن أنتظر من معظم ساكنة أكينان أن يستقبلوا هذه العصارة الأدبية بباقة من الورود… اكتشفوا بأن الحل الوحيد لإزاحته [ الكاتب ] هو قطع الأرحام وشراء أصوات المترددين بالمال الحرام… ص ـ 10 و 38 .

غادرنا أكينان وقد امتلأنا انشراحا بجمال واحتها، وفي النفس بعض التذمر من أهلها. لكن حاولنا أن نلتمس لهم أكثر من عذر. فماذا ننتظر ممن يعيش في منطقة نائية لا يمكن الوصول إليها أو الخروج منها إلا بصعوبة بالغة؟ وماذا ننتظر ممن تكالب عليه المسؤولون، وأقصوه من كل المشاريع التنموية الممكنة؟ في ماذا سينفعه جمال جبال شاهقات تنتصب أمام عينيه كل حين كصخرة القبر؟ ما قيمة الجمال والبطون جائعة؟

من حقهم أن يحلموا ببعض الدراهم؛

من حقهم أن يحلموا بطريق معبد؛

من حقهم أن يحلموا بمستشفى ومدرسة؛

من حقهم أن يحلموا بالكرامة،

وألا يظلوا ” معرضا

لسائح يعشق جمع الصور”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.