“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية” ـ الحلقة 12

0 288

صوت الحقيقة: محمد كروم

الحـــلـــقــــة 12

دوار أكوليز: الأرض التي أنجبت شيخ العرب

لا يذكر دوار أكوليز إلا ويذكر معه شيخ العرب، إحدى الشخصيات الهامة في تاريخ المغرب الحديث، شخصية قيل حولها كلام كثير، ومع ذلك ظلت ملفوفة بالغموض. يقع دوار أكوليز بين طاطا وإميتك. بين الأخيرتين خمسة وثلاثون كيلومترا. وهي المسافة نفسها التي تفصل إميتك عن أقا.

فالذاهب من إسافن حين يصل إميتك، يصل زاوية مثلث، إذا انحرف يمينا قاده الطريق إلى الزاوية الثانية، أقا، وإذا انحرف يسارا قاده إلى الزاوية الثالثة، طاطا.

تقع قرية إميتك وسط سهل تناثرت عليه أشجار الطلح، والرمت، والرتم، وبعض النباتات الشوكية التي تجتذب الرعاة.

عبرنا طريق أقا مرة واحدة، وهو طريق ضيق، فيه منعرجات كثيرة، وصخور مصقولة تثير الدهشة. يمر وسط أو بمحاذاة كثير من الوديان القادمة من إغرم وإسافن قاطعة مئات الكيلومترات باتجاه أقا، مغذية فرشتها المائية التي تهبها الحياة. من هذا المسلك رأينا البناء القديم لإميتك، معلقا على جبل، ومطلا على الوادي، وعليه سرنا على  آثار خطى كثير من القوافل التجارية التي كانت تعبره في التاريخ القديم، أو تتبعنا آثار جنود الاستعمار، ومقاومي جيش التحرير الذين استقروا هناك أو عبروه في منتصف القرن العشرين أو قبله قليلا.

وعبرنا طريق إميتك طاطا مرات عديدة، وسط دور سكنية بنيت بالحجارة فبدت  مصفوفة بانتظام كأسنان جميلة. وسطها دكان يجلس أمامه بعض الرجال إذا كانت الحرارة معتدلة. والنساء لا يظهر بعضهن إلا قليلا، وإذا ظهرن، يمشين ببطء متلحفات السواد كأنما يحملن هموم الكون.

كثيرا ما تساءلت بيني وبين نفسي عما يشد هؤلاء الناس إلى هذه البقعة التي لا يمكن أبدا أن تضمن قوت يومهم. ولكن الحنين إلى أول منزل، غلاب.

كانت المنطقة تمكن الساكنة من تحقيق بعض أحلامهم من خلال الرعي، والزراعة على ضفاف درعة، وتربية النحل، لكن لم يبق من ذلك إلا الذكريات، وصار مصدر قوتهم هو المدينة، والتجارة التي يمارسها الأبناء المهاجرون.

موقع إميتك الاستراتيجي جعلها محط أطماع المستعمر، الذي احتلها سنة 1932 م فوقع اشتباك بينه وبين رجال أيت أوسي بساحة “انو نادم” عند سفح جبل توريرت إيكرامن، ومات كثير من رجال أيت أوسي، كما يروي بعض الأهالي.

أهمية هذا الموقع لم تغب عن جيش التحرير أيضا، فعملت قيادته على تحريره واسترجاعه. وقد قصده جيش التحرير في طريق رحلته من الخميسات إلى مراكش ثم أقا. وكان دور أهل إميتك هو توفير الإقامة والمأكل لأفراد جيش التحرير بقيادة بن حمو.

بين إميتك وطاطا يوجد دوار أكوليز. بعيدا عن الطريق الرئيسية. يقود إليه طريق فرعي صغير، حديث عهد بالتعبيد. فكرنا في زيارته مرات عديدة بناء على لوحة إشهارية  في قلب طاطا، تشير إلى طبيعته السياحية.

صباح 26 مارس 2019 وبعد أن قطعنا أكثر من عشرين كيلومترا وصلنا أكوليز، في وقت  كانت تتجمع فيه سحب رعدية منذرة بعاصفة وشيكة. على مدخل البلدة كان بعض الأهالي يحصدون الزرع، وينقلونه على ظهور النساء والحمير. كانت المرأة تحمل ما تنوء بثقله وهي مصوبة عينيها نحو قدميها، وكان الرجل منهم يحمل ما قسم له أن يحمله على ظهر حماره، فيتبعه ملتفتا ذات اليمين وذات الشمال.

وعلى مقربة من البيوت كان بعض الرجال يحاولون تفادي الخسائر المحتملة إذا هبت الريح أو تساقطت الأمطار التي تنذر بها السماء. كانت البيادر تعج بحركتهم وهم يحاولون وضع أخشاب ثقيلة فوق أغمار السنابل، وشدها بحبال رقيقة إلى الأفرشة البلاستيكية التي وضعوا المحصول فوقها، أو يغطون كل المحاصيل بقطع من البلاستيك السميك الذي يستعمل عادة في البيوت البلاستيكية الفلاحية.

تقع  البلدة وسط جبال شاهقة تحيط بها من كل الجهات، فلا تزورها الشمس النهار كله. ركنا السيارة بجانب المسجد، ثم اختلفنا حول مكان التربع. ما إن توقفنا حتى اقترح علينا متطفل خدماته. عرض علينا المشي إلى الشلال، فوافق اقتراحه هوى في نفس المفتش نوفل. ورغم أن هدفنا كلنا كان هو رؤية الشلال والاستمتاع بمنظره، إلا أن حالة السماء، المتقلبة، ووجهها المكفهر، جعلاني أرفض فكرة الذهاب إلى الشلال، مشيا على الأقدام مسافة أكثر من عشرين دقيقة. لقد فضلت النزول بضعة أمتار والجلوس تحت الأشجار القريبة من المسجد، حتى إذا قصف الرعد، ونزل المطر نكون قريبين من أية بناية نحتمي بها. فعشرون دقيقة تحت عاصفة رعدية في هذه المنطقة القريبة من السماء، والمحاصرة بالجبال كالفنجان، يمكن أن تقتل. كنت ـ أنا البدوي العارف بتقلبات السماء ـ مقتنعا بفكرتي، وزاد من اقتناعي بها كون الدليل الواقف على رؤوسنا كان مجرد سمسار يريد استغلالنا. شرحت  له معنى العاصفة، ومعنى أن يكون المرء أعزل في منطقة خلاء، فتمكنت من إفحامه. ومع ذلك لم يستسلم، بل عرض علينا  أن يستضيفنا في بيته لشرب الشاي، شكرناه، واعتذرنا ثم نزلنا إلى حيث نريد. ( في المساء حملت أخبار الإذاعة موت شخص بإقليم الحوز بسبب عاصفة رعدية)

نزلنا وأنا غير مطمئن على سيارتي، فالمسجد الذي ركنتها بجانبه هو نفسه يقع في مجرى مسيل الماء، لهذا أحاطه الأهالي بسياج من الإسمنت حتى لا تغمره المياه أو تتسرب إلى أساسه.

كانت السماء تحتجب تارة وتسفر أخرى، ونحن تحت أشجار اللوز والرمان، وبين أشجار النخيل الباسقة، نراقب وجهها ونحضر غذاءنا. حين انتهينا من ذلك، قام المفتش نوفل مستغلا صحو السماء الطارئ ومشى وحده إلى الشلال، بينما تمددت  رفقة المفتش بوغلي على الحصير، واقتنصنا قيلولة حسنة.

حين عاد صاحبنا من الشلال، عاد يحمل صورا ويتحدث عن جمال المكان، وعن كونه شلالا صغيرا  وليس كما كنا نتخيله، وإن كانت الآثار توحي أنه كان يوما ما غزير الصبيب.

بعد أن عدنا اكتشفنا متأخرين، متندمين أن هذا الدوار هو مسقط شيخ العرب: أحمد أكوليز ( أحمد فوزي بوشلاكن)  أحد رجال المقاومة المشهورين، وأحد أفراد جيش التحرير الذي قيل عنه كلام كثير حتى صار أسطورة.

مشى من أكوليز إلى الرباط على قدميه مسافة 490 كيلومترا، وهو طفل في سن الثانية عشرة ليلتحق بتجارة أبيه، ثم  أجبر على قطع المسافة نفسها مرة أخرى مقيد اليدين، مكبل الرجلين في أول اعتقال له من طرف المستعمر، سنة 1951 .

لقد كتب الكثير عن هذه الشخصية، وأهم من كتب عنها:

محمد لومة: كتب عنه كتاب ” أسطورة شيخ العرب” أو ” تنظيم شيخ العرب بين الحقيقة والافتراء”. تنبع أهمية هذا الكتاب من كون كاتبه ينتمي إلى قبيلة شيخ العرب ومنطقته، وعاينه أكثر من مرة في صغره، وكان شاهدا على بعض ممارساته، وكونه على علاقة ببعض أفراد مجموعة شيخ العرب، الذين استقى من بعضهم مادة الكتاب، وتضمنه بعض الردود على كتابات أخرى تناولت شيخ العرب بنوع من التشويه والتحريف.

هكذا تتبع مسار الرجل من ولادته سنة 1927 إلى حين مصرعه يوم 7 غشت 1964 في حي سيدي عثمان بالدار البيضاء، مرورا بدوره في بناء التنظيم، وتمويله، ولجوئه إلى الجزائر، وعلاقته بقادة المقاومة وجيش التحرير…

ومن الأشياء المثيرة التي يذكرها هذا الكاتب أن عائلة شيخ العرب اعتقلت للضغط عليه كي يسلم نفسه، وأنها احتجزت مع مجموعة من الجنود المصريين ( في إطار حرب الرمال ) منهم حسني مبارك، وأن الذي تكفل بمساعدة أبناء شيخ العرب على استكمال دراستهم في مغرب الاستقلال هي البعثة الثقافية الفرنسية.

ويطغى على الكتاب طابع التمجيد والإعجاب بشيخ العرب، وإن ادعى صاحبه الموضوعية. والخلاصة الأهم فيه هي أن ” العنوان العريض لتنظيم شيخ العرب هو الوحدات المسلحة الرافضة لتذويب جيش التحرير في مؤسسات الدولة بعد 1956، وذلك قبل تحرير مجموع الأراضي المغربية المستعمرة سواء من فرنسا أو إسبانيا والرافضة لمسلسل المفاوضات والذي أعطى استقلالا ناقصا بموجب اتفاق إيكس لي بان وسان كلو، والرافضة لمسلسل تزوير الإرادة الشعبية، وتمييع المطلب الشعبي المركزي بانتخاب مجلس تأسيسي لوضع الدستور.

وهذا ما يفسر جيدا شراسة هذه الوحدات في المقاومة إلى آخر رمق، فلم يكونوا مرتزقة، ولا باحثين عن المناصب الرسمية، وامتيازات عهد الاستقلال. ”

ـ المهدي بنونة: في كتابه ” أبطال بلا مجد ” عدة إشارات لشيخ العرب مثل دوره الريادي في إشعال المقاومة بالوسط الحضري، وتأسيس جيش التحرير الوطني، وبعض صفاته كالعناد والصرامة واستحالة إرشائه في إطار صفقات التوظيفات المتواطئة، وامتلاكه لعدة متاجر بهويات مزورة، وقدرته على التخفي والإفلات من تعقب الأمن له، ومجازفته بالمبيت بضع ليال بالقصر عند طباخ الملك الذي كان من أبناء قريته. ودوره في إنشاء خلايا ثورية، ومخازن سلاح، والحكم عليه بالإعدام،  ولجوئه للجزائر، ودور هذه الأخيرة في تقسيم قيادة جيش التحرير ( قسم يقوده شيخ العرب وسعيد بونعيلات وحمدون، وقسم يقوده النمري وبارو وحسين خضار) ودور التجار السوسيين في دعم المقاومة وتمويلها، ودور الوشاة في وصول قوة أوفقير إلى مكان اختبائه.

ويستخلص الكاتب بناء على شهادات رفاق شيخ العرب أن تنظيمه كان بدون تنظيم أو تخطيط، وأنه فقد الأمل في حل سياسي. رجل كان لا يتحمل أن يرى ” سياسيين” يطفئون نار الثورة بتنازلاتهم وتراجعهم وتواطئهم.

إبراهيم نوحي: في كتابه ” محمد بن حمو والحسن الثاني وأسباب الاندماج” تحدث الرجل عن شيخ العرب من منطلق علاقة المقاومة التي جمعتهما، جمع جندي بقائده. تحدث هذا المقاوم عن شيخ العرب، وانتمائه لقبيلة ثائرة ومتمردة، وعن قدرته على التحرك، والتخفي رغم الحملة الكبيرة التي شنها البوليس لاعتقاله.  ويعتبره شخصية أسطورية بكل المقاييس، ظهرت بسرعة وانتهت بسرعة. وكان من الملتحقين بجيش التحرير بالجنوب المغربي سنة 1956 ، ولم تكن له مهمة عليا في قيادة الجيش، كما لم تكن له علاقة بالهجومات داخل عمق الصحراء، كان مكلفا بالاتصال ( يربط الاتصال بين القيادة والجيش ) يجول في المدن المجاورة، يتفقد المساجين من الأسرى الإسبان، والفرنسيين، والخونة، من تلقاء نفسه دون تكليف من القيادة، وإن كان كلامه مسموعا من طرفها. وقد دخل مرحلة العمل السري بعد قتله لشيخ إسافن وأحد أفراد القوات المساعدة، وتجنيد الدولة إمكانياتها للقبض عليه. كما تحدث نوحي عن لقاءاته بشيخ العرب، وتنكره المتقن.

يبدو ما كتبه هذا المقاوم عن شيخ العرب قليلا جدا، نظرا لطبيعة العلاقة التي جمعتهما، ونظرا لمكانة شيخ العرب وأهميته داخل دائرة جيش التحرير، كما يبدو أن في هذا الكلام نوعا من التحامل على الرجل ( نفى عنه دوره التأسيسي في جيش التحرير، واعتبره مجرد ملتحق ـ لم تكن له مهمة عليا ـ كان يقوم بأعمال دون تكليف من القيادة العليا…) وهذا يعود ـ في نظرنا ـ إلى أثر تلك العلاقة على حياة إبراهيم نوحي الاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية. فقد كان هذا الأخير صاحب ورشة لإصلاح السيارات وبيعها، وزيارات شيخ العرب له جعلت أحد رجال الأمن ـ المتعاطفين ـ يأمره ناصحا أن يهرب من البيضاء قبل اعتقاله، وهو ما نفذه في الحال تاركا وراءه ورشة ونحو خمسين سيارة، ضاعت إلى الأبد.  فقد قال لنا حين زرناه في معرضه، وسألناه عن علاقته بشيخ العرب:

ـ الله يلعنها سلعة، هو سبب هاذ الفقر لي حنا فيه.

ثم استطرد يحكي التفاصيل المشار إليها أعلاه.

كما استشففنا من كلام بعض الذين تحدثنا إليهم في طاطا عن الرجل، أن صرامته، وغلظته، وقسوته، لم تكن مقبولة من طرف الناس.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.