” الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية ” ـ الحلقة2

0 235

صوت الحقيقة: محمد كروم

“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطاوية ” مشروع كتاب عن مشاهداتي في إقليم طاطا، أقدمه لقراء الجهوية 24 على شكل حلقات أسبوعية. أرجو أن يكون مفيدا أوممتعا. موعدنا كل خميس

الحـــلـــقــــة

2

في الطريق إلى إسافن:

الذهاب من إغرم إلى طاطا يضع المسافر أمام خيارين: طريق طاطا إسافن، وطريق طاطا تمكروت. ولا خيار للحافلات غير طريق إسافن. حين نولي إغرم قفانا يشد أنظارنا، نبات الصبار، وشجيرات اللوز، صامدة بين مفاصل الصخور. في المرات الكثيرة التي عبرنا هذا المسلك، ترفعنا نجاد وتخفضنا وهاد، استطعنا أن نرى من جمال الطبيعة ما لم نره في غيرها. فرغم كون المنطقة لم تغثها السماء إلا في بداية الخريف، إلا أن أرضها استطاعت أن تخرج من بطونها ما يسر الناظرين خضرة وأزهارا، فكان شتاؤها ربيعا، أسبغ عليها ما جعلها تبدو متبرجة “كأنثى تصدت للذكر”.

هذه الفتنة التي حركت أحشاء الأرض، ربما هي نفسها التي تحرك شبان وشابات المنطقة ( إغرم وإسافن ) فتراهم في الأماسي الجميلة يخرجون أزواجا أزواجا، يهيمون في الطرقات أو ينعمون تحت الأشجار الوارفة، يهيمون في مناجاة، أمام أنظار الكبار من ذويهم، الذين لا يجدون حرجا في ذلك ولا ما يشين سلوكهم. فتلك عادتهم في اختيار شريك الحياة.

هي ظاهرة يسمونها ” الصقير ” أو ” أصقر “. لا تتوقف على أبناء المنطقة وبناتها، بل يشاركهم في لعبتها وطقوسها حتى الغرباء. فكم من غريب صار حبيبا أو نسيبا. ويزعم العارفون أن أماكن ” أصقر” تعد مقدسة عند الأهالي، فلا يمرون منها بين العصر والمغرب إلا عند الضرورة القصوى، تجنبا لإحراج الفتيات.

قبل أن نتخطى حدود إغرم، ونتخطى معه إقليم تارودانت، لا بد أن نعبر قنطرة حديدية ضيقة، وضعها الجنود قبل سنوات حلا مؤقتا، لمشكل العبور، واستمرأها المسؤولون واعتمدوها حلا نهائيا، فغضوا الطرف عنها، ولم يكلفوا أنفسهم عناء بناء قنطرة حقيقية يعبرها العابرون بسلام وأمان. ضيقة لا تتسع لأكثر من عربة واحدة. كلما عبرناها ببطء شديد كان  صوت الخشب والحديد يئز تحتنا، ويئن كالمريض. وفي كل مرة تبعث  في نفوسنا وساوس كثيرة، وتذكرنا بالأخطار المحدقة.

ونحن نعبرها أيضا تتداعى إلى ذهني صور جسور كثيرة، جسور أبدع صناعها في إقامة صروحها، وأبدع كتاب في وصفها وتقديمها إلى القراء في أعمال أدبية رائقة وخالدة. لا يمكن أبدا أن أنسى جسور قسنطينة المعلقة، وافتتان أحلام مستغانمي بتصويرها في ثلاثيتها، تصويرا يغري القارئ بالتأمل. كما لا يمكن أن أنسى “جسرعلى نهر درينا ” الذي أبدع إيفو أندريتش في وصفه وبناء عالم تخييلي على ظهره، عالم نقل من خلاله مأساة تاريخية كثيرة عاشها اليوغسلافيون هناك زمن الإمبراطورية العثمانية.

أين نحن من عظمة هذه الجسور؟

إذا كنا بعيدين عن تلك العظمة، فلسنا  حتما بعيدين عن بعض المأساة التي تحملها الوديان إذا جادت عليها السماء بأمواهها، خاصة أننا على مشارف إسافن ( إسافن جمع أسيف وهو الوادي ) التي تخترقها الوديان من كل الجهات.

في رحلة عبور إيسافن لا بد أن نمر على دواوير ومداشر كثيرة: : تاسدرميت ، وتافنغا، وأيت ملال، وأرمداز، وتاكاديرت، وتاليزا، ومركز جماعة سيدي بوعل، وتاكاديرت، وإيكيوز، و تامكرت، وتمقيت، وتزكي ادوبلول. وهي نقط متشابهة في قسوة الطبيعة، ومحاذاة مجاري الوديان، وشح السماء، والتعلق بالصخور، ومراقبة العابرين…

إسافن بوابة طاطا. بها أشجار كبيرة تموت واقفة، ولا من مغيث. يخترقها طريق طاطا. على جانبيه بعض الدكاكيبن والمقاهي والكثير من الغبار والفراغ. توقفنا فيها مرات عديدة للاستراحة. أصحاب المقاهي بارعون في طبخهم، يحسنون طهي ” الطواجين” والبيض والطماطم، وبيصارتهم لذيذة. يغشى مقاهيهم متسولون يعانون من البرد والجوع الدائمين.

التجمعات السكنية بعيدة قليلا عن الطريق لكنها تبدو شاخصة وبارزة، تشهد على قدمها أطلالها ومواد بنائها. بها “إكودار”، ومدرسة عتيقة يزيد عمرها عن ثلاثة قرون، يقصدها طلبة العلم من أصقاع مختلفة. استوطنها اليهود في أحقاب معينة. وما تزال آثارهم شاهدة عليهم، كقبر النبي سيدي ولكناس، الذي ينظم موسم سنوي باسمه، ويحظى بدعم الجهات الرسمية ( 20.000 درهم مبلغ الدعم المخصص له هذه السنة ).

تتشكل إسافن من جماعات قروية كثيرة، تفتقر إلى المسالك المعبدة، والمدارس والمستوصفات الضرورية، بها منجم للذهب، وفقرها يثير العجب. فيها جمعيات كثيرة، تساهم في نشر الوعي، والاحتجاج، أخبارها شائعة في مواقع النيت. اعتقلت السلطة المحلية أحد فنانيها حين رسم على جدار صورة ناصر الزفزافي.( جريدة الخبر 24 الأحد 15 يوليو 2018 ).  ونبغ فيها شاعر نعته المهتمون بفن أحواش ” بشاعر إسافن الشهير”  يسمى علي بيضني، وله مساجلات مع الفنان إحيى بن الهاشمي وليد إغرم. ومنها ينحدر صاحب كتاب ” أسطورة شيخ العرب ” ( هو محمد لومة، من عناصر التنظيم السري للفقيه البصري، مقاتل وضابط في صفوف الثورة الفلسطينية، حاصل على شهادات عليا في القانون والصحافة والهندسة العسكرية، له مؤلفات عديدة…)

وترتبط ذاكرة إسافن بشيخ العرب، وقتله لرجلين بخميس إسافن، وقد اختلفت الروايات في تاريخ العملية، والمستهدفين منها. فهناك رواية تنص على أن الرجل اغتال صيف 1959 رجلين من جهاز الأمن بعدما اشتكى له أهالي منطقة خميس إسافن من بطشهما وتعسفهما، وكان أحدهما قاتل الشهيد علال بن عبد  الله. والرواية الأخرى تؤكد أنه قتل كلا من المخزني موحا الزموري والشيخ علي في خميس إسافن في أبريل 1960 ، بعد أن بلغ الزموري عن وصوله ( وصول شيخ العرب ) إلى المنطقة بواسطة الهاتف، وقد كان حينها مبحوثا عنه من قبل السلطة.( وقد أصدرت المحكمة الابتدائية بتارودانت بعد ذلك أول حكم بالإعدام غيابيا في حق شيخ العرب. كتاب أسطورة شيخ العرب ـ محمد لومة ـ ط 3 ـ ولنا عودة للحديث عن شيخ العرب في حلقة قادمة )

بها إعدادية وحيدة تحيط بها المصالح الإدارية من كل جانب، وأحزمة كثيرة من الصخور والغبار. وتحت الشجيرات القليلة المتناثرة، أو بجانب الأسوار القصيرة يتمدد بضعة تلاميذ، ينظرون إلى الزوار في دهشة وذهول.

قبل إسافن وبعده مقابر كثيرة تثير الدهشة والاستغراب، مقابر منسية، ومهملة، لا سور يفرض حرمتها أو يقيها رعي الدواب، درست قبورها إلا من بقايا شواهد صخرية سوداء تنتصب في إصرار مثبتة هوية المكان. عدد المقابر وحجمها، يكشفان أن من تحت الأرض أكثر ممن فوقها. متى عاش هؤلاء؟ كيف عادوا إلى ظل خالقهم؟ هل ماتوا كما يموت الميتون أم اجتاحهم وباء ما؟ لماذا تبدو المقابر أكثر من الدور؟ هل رحل الناس ولم يفكروا في العودة؟  هل يتساوى في الثرى كل الراحلين؟ هل بخل السماء الذي جعل الأشجار تموت واقفة هو نفسه الذي طرد الناس وجعلهم يبحثون عن حياة أخرى في أرض الله الواسعة؟ أسئلة تقلقني كلما عبرت المكان؟

بعد أن كست الخضرة المنطقة، حلت بها جحافل من الرعاة الرحل، فنصبوا خيامهم عند أقدام الجبل، وأطلقوا العنان لقطعانهم، ترعى كما يحلو لها، وأهملوا حميرهم فهامت على قارعة الطريق. ومن حين لحين تظهر قوافل من الخنافيس السوداء، كبيرة الحجم تقطع الطريق مسرعة في رحلة موسمية بين الجبل والوادي، أو تقف لتأكل من بقايا خنافيس أخرى سحقتها عجلات العربات التي لا ترحم. لا يوجد لها نظير إلا في تاكموت، و إقليم الحوز، لكن خنافيس هذا الأخير بنية. وباستثناء اللون فهي متشابهة في كل شيء: الشكل، الحجم، الصوت، وقت الظهور والاختفاء ( تظهر في بداية الربيع وتموت في آخره بعد أن تكون قد زرعت بيضها في رحم الأرض. هذه الأيام انتشرت بعض صورها على مواقع التواصل يزعم ناشروها أنها حشرات غريبة، وهم لا يعرفون أنها موجودة من قبل ، وأنها بدأت تتجمع وتبحث عن الأماكن الباردة استعداد لرحلة موتها ).

كي تصل إلى طاطا لابد أن تجبر عينيك على النظر مليا في الجبال القرعاء وهي تحرس الطريق، أو أن تتبع المجاري التي خلفها الماء وسط الوادي الواسع، فبدت الرمال متموجة لماعة، يحسبها الرائي مياها من لجين. وبين الفينة والأخرى تظهر بعض قطعان الإبل متناثرة تقضم في لذة الأشواك النابتة على أديم الأحراش، أو بعض الطيور الصغيرة تقفز  في خفة منبهة إلى النباتات القليلة التي أزهرت وكشفت عن ألوان ساحرة تغري بالتأمل.

على مشارف طاطا تستقبلنا غابات من أشجار الطلح التي تخفف من قسوة المجال. أشجار تتكاثف حينا، وتتباعد حينا على شكل مظلات تغري العابرين بالاستراحة في هذا الخلاء الرهيب بهدوئه وامتداده اللامحدود. تختلف درجة اخضرارها باختلاف فصول السنة. فإذا غسلتها أمطار الشتاء، وروت عروقها الظمأى بدت أكثر خضرة وجمالا. وإذا نسيتها السماء شحبت وغاض جمالها. هذه الأشجار تحك عليها الإبل ظهورها أو تتغذى على أغصانها وأشواكها على مدار العام.

في مدخل المدينة تنتصب الجبال البنية والرمادية، وأشجار النخيل كرموش امرأة جميلة شبيهة بتلك التي قال عنها الشاعر:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان… ( من قصيدة ” أنشودة المطر ”  لبدر شاكر السياب.)

https://www.youtube.com/watch?v=rgPNHKBj9ko

 

https://www.youtube.com/watch?v=ampFg-pVVCk

لمزيد من المتعة يمكن فتح الرابطين.

( يتبـــــــع ….)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.