“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية” – الحلقة3

0 262

صوت الحقيقة: محمد كروم

“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطاوية ” مشروع كتاب عن مشاهداتي في إقليم طاطا، أقدمه لقراء صوت الحقيقة على شكل حلقات أسبوعية. أرجو أن يكون مفيدا أوممتعا. موعدنا كل خميس.

الحــــلــــقـــــــــــــــــة 3

في رحاب طاطا: ½

في مدخل طاطا ينتصب سدان للدرك الملكي و الأمن الوطني. سدان يحصيان الأنفاس، ويراقبان لوحات ترقيم العربات ليل نهار، تتعاقب عليهما أمواج الحر والقر دون أن يتزحزحا عن مكانيهما. كيف يتزحزحان والإقليم على مرمى حجر من الحدود الجزائرية؟

تقع المدينة بين فمين كبيرين هما فم زكيد وفم الحص، وتمثل واسطة عقد إقليم شاسع، وممتد على سفح جبل باني. للمدينة والإقليم تاريخ موغل في القدم، يرجعه المهتمون إلى أكثر من مليون سنة، كما تشهد المآثر الصخرية على أن جغرافية الإقليم وقعت فيها تغييرات كبيرة، فقد كانت مرتعا للفيلة، والزرافات، والأيل، ووحيد القرن، والنعام، والظباء… ترتع في الغابات، وعلى مجاري المياه، ثم صارت مرتعا للزوابع، والثعابين، والرمال الزاحفة. وأغلب المآثر التاريخية الشاهدة على مجد الإقليم توجد خارج المجال الحضري. ( سنتحدث عنها لاحقا )

باب المدينة عبارة عن برجين أحمرين، شامخين، يحفان الشارع العريض، و ينتصبان في شموخ نحو عنان السماء. بنيا بالحجارة المحلية، تتوسط كل واحد منهما ثلاث نوافذ عمودية من جهتين متقابلتين. لا أحد يدخلهما أو يخرج منهما. ولا أحد يمشي على قارعة الشارع كما في المدن الأخرى، أو يهيم على الأرصفة في الأماسي الجميلة. حتى جولان السيارات قليل، يشي بحجم الحركة في المدينة.

عن بعد وعلى تل عال تبدو بناية العمالة منتصبة قريبا من السماء، والشمس. تشبه تكنة عسكرية، تستطيع مراقبة كل ما يحدث في المدينة، حتى ولو كان دبيب نمل.

على جنبها الجنوبي تمتد المحطة الطرقية، أنيقة وفارغة في جل الأوقات. وصلناها أول مرة وكان الليل قد أرخى سدوله، والسماء ما تزال تلفظ جحيم حرها، والأرض تزفر طاردة ما صبته في بطنها شمس النهار من لهب. وبين اللهبين كنا نجر حقائبنا، حيارى مشدوهين.

كان مقر إقامتنا قريبا من المحطة، مشينا على الأقدام، وطفنا بتل العمالة، طواف ناسك متعبد، يقودنا المفتش نوفل الذي سبق أن زار المدينة وتعرف على مساراتها. في الجهة الأخرى من التل ينتصب فندق، سنعرف فيما بعد أنه ثاني اثنين  مصنفين بالمدينة، وسنعرف أيضا أن الفنادق غير المصنفة نادرة بالمدينة. بجانبه ثكنة عسكرية، هادئة طول الوقت، تتكئ على مفتشية التعليم، والإقامة التي ستفتح أبوابها لاحتضاننا.

إقامة بأربع غرف، ومرحاضين، ومطبخ، وحديقة. كانت الغرفة التي نزلنا بها مكيفة. حمدنا الله كثيرا، وابتهجنا، فقضينا الليالي والأيام تحت رحمة هذا الجهاز العجيب. فلولاه  لكانت الغرف قطعا من الجحيم. كان محمد لضميم ( رئيس مصلحة الشؤون التربوية بالمديرية الإقليمية ) دائم الحضور والاعتناء بالحديقة. حديقة اتخذناها مرآة نتملى فيها تعاقب الفصول، ونجني من أحواضها بين الفينة والأخرى بعض ما تجود به من نعناع أو فلفل وطماطم… وفي الليالي الباردة كان يطبخ حساء لذيذا ويوقد نارا، نحوم حولها كالفراش سامرين. نتبادل أطراف الحديث في شجن، نحكي عن أشياء كثيرة، نحكي مثلا عن مشاهداتنا ..عن واقع التعليم.. عن مقالب المنتمين لوزارة التربية الوطنية .. عن متاعب المهنة .. عن خروجنا أحيانا قبيل الفجر، نلتحف الظلام والبرد لنتمكن من الوصول إلى نقط بعيدة على الساعة التاسعة صباحا للقيام بواجبنا…

أمام إقامتنا تنتصب، بناية عليها يافطة تحمل عبارة ” إقامة رجال ونساء التعليم ” وهي إقامة تسكنها الخفافيش، وتصفر فيها الريح على مدار العام.

كان تل العمالة فوق رؤوسنا يبدو كأبي الهول يحرس المدينة، ويذكر الناس بهيبة المخزن، وجبروته. بين مقر إقامتنا وبين المحطة الطرقية، تتجمع محطتا وقود. محطتان وحيدتان بالمدينة. تشتغلان نهارا وتخلدان للنوم والراحة ليلا. من أراد السفر ليلا أو في الصباح الباكر عليه أن يتزود بحاجته من الوقود قبل موعد السفر، وإلا تأخر عن مواعيده. أقرب محطة إلى المدينة تبعد بأكثر من 140 كلم.

على بعد أمتار من إقامتنا يتوزع الشارع الكبير إلى شارعين رئيسيين هما شريان المدينة. شارع الجيش الملكي وشارع الحسن الثاني. المدينة خالية من إشارات المرور الضوئية. فالحياة هنا تسير بإيقاع بطيء، ولا أحد يحتاج إلى أضواء تضبط إيقاع حياته، كأنما شدة الحر أرخت عقارب الساعة، وأرخت أعصاب الناس، فتعود الجميع على هذا البطء الشهي. ومن النصائح التي وجهت لنا في بداية التحاقنا بالمدينة، ولم ندرك كنهها إلا بعد مدة، قولهم ” سيروا سير طاطا “.

شارع الجيش الملكي على اليمين، تحفه أشجار ضخمة ، رصت تحتها بعض الكراسي، وسور عال بباب مهيب، يحجب الأفق، و على عتباته حراس، يداومون على حماية حمى عامل الإقليم. يمتد الشارع مخترقا المدينة شرقا، حتى إذا نفض عن أكتافه المباني الإسمنتية المتزايدة باحتشام، واصل مشواره فصار طريقا وطنية نحو ورزازات.

تحفه المقاهي والبنايات السكنية، وفي منتصفه قنطرة كبيرة، بعدها ينتصب مركز الدرك الملكي. وتنتصب ساحة العلويين كبيرة، فسيحة جوار مسجد العتيبة الفخم. ساحة تنظم بها التظاهرات والمهرجانات. يستطيع الزائر أن يدرك بسهولة أن الأحياء القريبة من الشارع، أحياء حديثة.

قبل القنطرة يتفرع شارع جانبيي يلف تل العمالة، ويدور ملتويا باتجاه المحطة الطرقية. على جانبيه تنتصب جل الإدارات، ببنايات تبدو فخمة وأنيقة، يتمدد خلفها الفراغ، والجبال الجرداء، وبعض أشجار الطلح. لكن رغم فخامة البناء فهو لا يسلم مما يعانيه جل السكان، فبالأمس القريب فقط ( 15 ماي 2019 )خرج موظفو المحكمة يحتجون على” الأوضاع المزرية التي تعرفها المكيفات الهوائية التي تتعطل باستمرار “.

أما شارع الحسن الثاني فيشق المدينة غربا، حتى يصل تيغرمت، وأكادير لهنا، ثم ينسل كثعبان من خضرة الواحة الجميلة، ويصير طريقا باتجاه تكموت وإغرم. على جنبات هذا الشارع تصطف المقاهي والمحلات التجارية، وقليل من الوكالات البنكية، ومقرات بعض الأحزاب السياسية والنقابات، و الإدارات العمومية، وعيادتان طبيتان. في منتصف الشارع وفي زقاق جانبي، توجد بناية لشيخ العرب، يقول بعض من التقيناهم من الأهالي، إنها تبلغ نحو مائتي متر ومحفظة، وقد تم ذلك رغم انتماء البقعة  إلى أراضي الجموع، ورغم اعتراض الساكنة. وقريبا من هذا الشارع يوجد المستشفى الإقليمي. مستشفى لا يقدم خدمات في مستوى تطلعات الساكنة، مستشفى عجز عن إنقاذ سيدة حامل، فأسلمت روحها لبارئها، وأججت غضب هيئات المجتمع المدني ( حدث ذلك إبان تدوين هذه الورقات: ماتت السيدة يوم 21 ماي 2019 ودعت الهيئات الحقوقية والنقابية والجمعوية  ـ عبر بيان لها ـ إلى تنظيم وقفة احتجاجية يوم الأربعاء 22 ماي 2019 للاحتجاج على الوضع الصحي الكارثي في هذا الإقليم المنسي ) في هذا الجانب من المدينة تتمدد الأحياء القديمة.

بين الشارعين  وخلفهما تتمدد المدينة بلونها الأحمر. بنايات الأحياء الجديدة عالية، حمراء قانية، و بنايات الأحياء القديمة قصيرة، تشحب حمرتها، وتبهت حتى تصير مثل لون الأرض، والجبال العارية الحافية التي تحرس المدينة.

تنتظم الدور في صفوف متراصة ودقيقة، وتغطي أبوابها شرفات وسوار تظللها بشكل دائم، وتحميها من لفحات الحر التي تهب دوما على المدينة، فتبدو في منظرها العام جميلة وأنيقة. بعض جدرانها الخارجية غطاها الزليج في فترة ما ثم عاد أصحابها فغطوه بالصباغة. وهي تشبه في ذلك ما حدث بتارودانت ذات تاريخ، حيث تشهد جدران المدينة على هذه الكوميديا السوداء. ( نشرت جريدة البيان بتاريخ 1989 عدد 4139 موضوعا بعنوان: العبث في إنجاز المشاريع: جاء فيه … كما فعلت السلطة المحلية لإجبار الناس على تزليج واجهات الدور، والدكاكين، والمحلات التجارية المختلفة، والمقاهي، والإدارات بدعوى إضفاء رونق وجمال على المدينة .. الشيء الذي استاء له المواطنون نظرا لعدم قدرتهم على تحمل هذه الصفقة الزليجية، فأسقطوا من مدخول عيشهم اليومي ضريبة زائدة عن اللزوم . وبالفعل أو بالقوة زلجوا واجهات محلاتهم، واتفق الجميع بعد المشاهدة والمعاينة أن هذه الأشكال الزليجية هي نفسها المعهودة في الحمامات والمراحيض .

وبعد مدة تعبأت نفس الشبكة المذكورة في حملة مشابهة للأولى بإيعاز طبعا من نفس الجهات لإجبار الناس على نبش وحفر واجهات محلاتهم لقلع الزليج، وتعويضه بصباغة من لون فضاء المدينة تثقل كاهل المواطنين بمصاريف زائدة)

تغص المدينة بأشجار النخيل: تحف شوارعها، تؤثث أزقتها، تشمخ في مؤسساتها، تضفي البهجة على حدائقها الصغيرة. في الخريف تصفر العراجين وتتدلى مثقلة بثمارها. وكانت مشاهدها مثيرة للقادمين أمثالنا من أصقاع مخالفة. كلما مررنا بجانبها مددنا أيدينا فقطفنا ما شئنا من بلحها وتمرها آمنين، متلذذين.

وأمام البيوت يعمد البعض إلى حماية عراجينه بإلباسها أكياسا بلاستيكية، تمنع عنها مناقير الطيور وأصابع العابرين. وكثير من بيوت طاطا تطل منها رؤوس النخيل والتين والزيتون، وبعض الأشجار المختلفة. تظل مكسوة بأوراقها كل الخريف، وبعض الشتاء. لا تتعرى إلا مدة قليلة جدا فتعاود ارتداء خضرتها من جديد ،والنظر إلى الشمس بهيام. كما تنتشر في زوايا الشوارع بعض شجيرات القطن، تحمل على رؤوسها تيجانها البيضاء، تزينها بذور سوداء.

حدائقها صغيرة، وارفة الظلال، تلطف خضرتها قسوة الحر، وتنعش النفس. تنتشر بين الدكاكين والبيوت. يؤمها كل من احتاج لحظة صفاء أو هناء.

يخترق المدينة واديان، واحد ينساب غربا فيفصل بينها وبين أكادير لهنا حتى يبدو كبلدة مستقلة. يزهو بالماء والخضرة، طيلة السنة. شاهدناه في أوقات مختلفة، فرأينا الأطفال يبذلون جهدا مضنيا لعبوره في الشتاء، يشمرون على أرجلهم، أو يحتمون بدراجاتهم، أو يحزم بعضهم بعضا، ورأينا من لم يستطع عبوره فعاد أدراجه إلى بيته. ورأيناهم في الصيف، الذي يحل قبل موعده، وفي رمضان شبه عراة يغمسون أجسادهم في مياهه الباردة، يستلذون ويستقوون على جحافل الصهد الجبار. وفي ضفته الشرقية تتسلل مياه الصرف الصحي في صمت مريب، فتسقي شجيراته الوارفة، وتتسرب بين ثنايا المياه العذبة في غفلة أو تغافل من المسؤولين. والآخريخترقها من الوسط. اتخذه كثير من الناس مطرحا يقبرون فيه نفاياتهم. واتخذ بعضهم حيزا من ضفته ملعبا للكرة الحديدية. يفيض على مدار العام غبارا وقيظا. في انتظار أن تجود السماء ببعض المطر فتنظفهما من أدرانهما وتنظف وجه المدينة كما حدث في شهري أكتوبر ونونبر.

بها شلال اصطناعي يسيل قحطا وغبارا في أغلب الأحيان. في شارع الحسن الثاني هذا كنا نقضي بعض أوقات الراحة، أو كنا نتناول طعامنا، ونراقب المدينة في صمت.

شوارع المدينة الكبيره

قيعان نار

تجتر في الظهيره

ما شربته في الضحى من اللهيب

يا ويله من لم يصادف غير شمسها

غير البناء والسياج والبناء والسياج

يا ويله من ليله فضاء

ويوم عطلته

خال من اللقاء

يا ويله من لم يحب

كل الزمان حوله شتاء …

( من قصيدة ” إلى اللقاء ” للشاعر عبد المعطي حجازي ـ ديوان ” مدينة بلا قلب ” )

( يـــتبـــــع )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ملاحظة: بعد نشر الحلقة الثانية، وتفاعل مجموعة من الأصدقاء مع مضمونها، وصلني استدراكان من صديقين :

ـ الأول من الأستاذ شكيب أريج، يشير فيه إلى كون منطقة اسافن تضم بين جنباتها قبر الطالب الجامعي بن عيسى أيت الجيد الذي سبق أن قتل على يد مجموعة من الطلبة في بداية التسعينات بفاس، ومازال ملفه معروضا إلى اليوم أمام القضاء، وصار قبره محجا للحقوقيين. وبعد السؤال تبين أنه موجود بقرية تزكي.

ـ الثاني من الأستاذ علي هرماس يذكر فيه أن هناك بعض الشخصيات المشهورة، التي أسدت خدمات جليلة للوطن تنحدر من هذه المنطقة، وذكر الأخوين الدكتور الطبيب عبد القادر التونسي، والرياضي الأب جيكو مؤسس ناديي الوداد والرجاء البيضاويين، ووزير الشبيبة والرياضة في عهد أول حكومة مغربية غداة الاستقلال.

وسنعمل على تدارك الأمر، والتوسع فيه قبل اكتمال المشروع. ولهذين الصديقين جزيل الشكر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.