” الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية ” ـ الحلقة4

0 328

صوت الحقيقة: محمد كروم

“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطاوية ” مشروع كتاب عن مشاهداتي في إقليم طاطا، أقدمه لقراء جريدة صوت الحقيقة على شكل حلقات أسبوعية. أرجو أن يكون مفيدا أوممتعا. موعدنا كل خميس

الحـــلـــقــــة 4

في رحاب طاطا: 2/2

أهل طاطا هادئون وطيبون. تتحكم فيهم العلاقات القبلية. حركتهم في الشوارع والأزقة قليلة. في أغلب الأوقات تصمت المدينة  صمت المقابر، خاصة أيام الحر التي لا ترحم. أغلب المحلات التجارية تضع أمام أبوابها دنان ماء خيطت حولها قطع أثواب سميكة، تحفظ برودته، ليشربه العابرون إذا استبد بهم العطش، وما أكثر ما يستبد بهم.

الكثافة السكانية ضعيفة، ولون الأهالي موزع بين السمرة، والبياض، والسواد أحيانا. وهي ملامح تعكس تعدد المشارب العرقية، والحضارية للسكان: الأمازيغية، والإفريقية، والعربية… كثير من الرجال ـ خاصة سكان الضواحي ـ يضعون على وجوههم وأعناقهم شالات سوداء أو زرقاء يتقون بها العواصف، حتى صارت عادة لهم، وديدنا.

أما النساء فلباسهن متنوع، منهن من لا يختلف لباسهن عن لباس سائر نساء المدن الأخرى، ومنهن  من يعكس زيهن خصوصيات المجال: لباس فضفاض يغطي الجسد كله، نصفه أبيض ونصفه أسود في غالب الأحيان، يشبه إلى حد كبير لون طائر صغير يتواجد بكثرة في سائر ربوع الإقليم. وقد يتزيى بعضهن بالأزرق والأسود.

تستطيع أن ترى هذا النوع من النساء في الشوارع يمشين الهوينى، أو في أسواق المدينة يبعن و يشترين، أو في حقول الواحات المجاورة للمدينة يشتغلن بجد كالنمل العامل. في كثير من المرات صادفنا بعض النساء قادمات من الضواحي، مبكرات يدفعن عربات يدوية محملة بالفصة لبيعها في المدينة. يدفعنها بهمة وإصرار، يعجز عن مثلهما بعض شبان المدينة، الغارقون في شاشات الهواتف، أو مداعبة تسريحات شعرهم.

قرب مسجد العتيبة (نسبة إلى الإماراتي مانع سعيد العتيبة المستشار الخاص لرئيس دولة الإمارات العربية، الذي بناه على مساحة مهمة، وجعل طرازه رفيعا، إلى جانب إنجازه مشاريع أخرى مهمة بجهات الإقليم، تطرح أسئلة كثيرة عند أبناء طاطا حول طبيعة وجود هؤلاء الخليجيين. والعتيبة هذا وزير نفط سابق، وشاعر صدر له ما يناهز خمسين ديوانا شعريا، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة عن أطروحة بعنوان “البترول واقتصاديات الإمارات العربية المتحدة” وحاصل على دكتوراه في الأدب العربي من جامعة محمد بن عبد الله بفاس في موضوع “خطاب العروبة في الشعر العربي”. من دواوينه ” قصائد بترولية”. وغنى مجموعة من المغنين بعض شعره. ) قرب هذا المسجد ساحة العلويين، تنظم فيها التظاهرات والحفلات. مثل مهرجان” أصداء الواحة ” لتثمين المنتوجات المجالية، والحفاظ على التراث.

بجوار المسجد وضعت منصة كبيرة معززة بشاشات ضخمة، ومصابيح فخمة، وبجوارها خيمة المعرض. كانت الشاشة تعرض صور المغنين والمنشطين فيبدون أكبر من حجمهم الطبيعي. تشارك في المهرجان فرق فنية تراثية وعصرية إقليمية ووطنية ودولية. أعداد الزوار تجعل المرء يتساءل مندهشا: من أين جاءت كل هذه الجموع الغفيرة، والمدينة قليل سكانها؟ فهدوء المدينة الدائم، وقلة الحركة في الأسواق والشوارع، تجعل المرء يتوهم أن سكانها قد رحلوا، وتركوا فقط من يحرس ديارهم ومحلاتهم التجارية. لكن في كل مساء من أيام المهرجان ترى الشوارع والأزقة تسيل بالناس حاملين كراسيهم، ميممين نحو الساحة.

حين نادى المؤذن لصلاتي المغرب والعشاء لم يستطع أن يقنع الكثيرين بالتوجه إلى المسجد. ظلت أروقة المعرض والساحة غاصة بالحركة والصخب.

أروقة المعرض شديدة التنظيم :  المساحة نفسها، الديكور ذاته، على باب كل رواق لافتة تحمل اسم الجمعية أو التعاونية العارضة، والإقليم الذي تنتمي إليه. جاؤوا من مختلف بلدات طاطا، ومن أقاليم ورزازات، وتارودانت، وتزنيت، وقلعة مكونة، وزاكورة، وتاليوين وبيوكرى…

من جميل المعروضات، التمر بمختلف أنواعه، والحناء  والأدوات المنزلية المصنوعة من سعف النخيل أو بعض النباتات الأخرى. الثمن مقبول ومعقول إلى حد ما مقارنة مع معارض أخرى يجد فيها العارضون فرصة لسرقة جيوب الزوار.

حظ الأروقة من الزوار مختلف، يتوقف على المعروض والعارض. استوقفنا رواق يعرض العطور، وتديره شابتان. كان الإقبال عليه كبيرا. عرفنا السر، فضحكنا كثيرا حين رأينا إحداهما تجيب عن أسئلة الزوار،  والأخرى تنظر إليهم بإغراء وهي تعض على شفتها السفلى، عضة فيها أكثر من نداء.

المنظمون يبررون تنظيم المهرجان بكون الإقليم يزخر بالمنتوجات المجالية الوفيرة، والمعالم التاريخية العريقة، وكونه منطقة أيكولوجية تتوفر على أكبر واحات النخيل بالمغرب، وبعض مسؤولي الجمعيات ورواد مواقع التواصل رفعوا عقيرتهم بالاحتجاج، ودعوا إلى مقاطعته لأن الإقليم في حاجة إلى هيكلة اجتماعية واقتصادية وليس إلى مهرجانات فارغة لهدر المال العام.

في طاطا أسواق ومتاجر تختلف في مستوى معروضاتها، ومستوى أناقتها، لكنها توفر كل المتطلبات الضرورية. وفيها سوق العجاج، سوق من البراريك يعرض الجديد والقديم، ويزدحم فيه المارة والمتسوقون. من البضائع التي كانت تلفت النظر، الشاي. كثير الأنواع، وعلبه مختلفة الأحجام والألوان، تعرض بأناقة باذخة في المحلات التجارية، حتى أن هذه الكثرة تصيب المشتري بالدهشة والحيرة. ومعه تعرض أواني تحضيره: خاصة الكؤوس الصغيرة، والأباريق المستديرة. وأهل طاطا مولعون بخلط الشاي والعلك المستخلص من أشجار الطلح، لأنه يكسبه رغوة، ويضفي عليه مهابة، ويقولون فوائده كثيرة، وإذا راموا تحديدها يصيرون أعيا من باقل.

رغم صغر سوق الخضر كنا نجد بعض الباعة يعرضون بضاعتهم على الرصيف، بضاعة جلبوها من حقولهم المجاورة للمدينة. خضر يزعمون ـ ونكاد نصدق زعمهم ـ أنها خالية من المواد الكيماوية، ومواد التسميد الاصطناعية، لذلك يقبل عليها الناس بكثرة ولذة.

قرب المساجد، وساحة المسيرة تصطف سيارات كبيرة محملة بالفواكه المستقدمة من بعيد، وفي موسم “الدلاح” يتنافس الباعة في عرض بضاعتهم، وتجميلها، وكان أقصى ما يشهرونه في وجه الزبائن هو أن الغلة محلية، وكأن إنتاجها محليا يعفيها من كثرة المواد الكيماوية، والسموم التي تشربتها قطرة قطرة. الناس في المدينة يأكلون “الدلاح” بلذة، و لا يسمعون النداءات التي تدعو إلى التوقف عن زراعته، وتقرع طبول العطش القادم. ( سنعود إلى هذا الموضوع في حلقة قادمة )

جئنا المدينة معتقدين أن التمر سيعرض في أسواقها بثمن بخس، وسنشتري منه ما شئنا، وستكون خياراتنا كثيرة، لكن شيئا من ذلك  لم يتحقق، كان العرض ضعيفا، والجودة متوسطة أو دون المتوسط، والثمن لا يختلف عما هو موجود في المدن الأخرى التي جئنا منها، وربما يتجاوزه أحيانا. ينتظر بعض الباعة فترة الجني بفارغ الصبر حتى يتمكنوا من الحصول على بعض المال لمواجهة أعباء الحياة. ملامح كثير منهم تشي بخيبة أملهم في إنتاج هذا الموسم، لأن الأمطار التي تساقطت مبكرا أفسدت جزءا مهما من الإنتاج.

وساهمت محطات التخزين العصرية التي أنشئت في عدة مناطق من الإقليم، في التحكم في السوق وارتفاع الأثمان. وارتفعت عقيرة البعض بالصراخ والتنديد بعجز طاطا عن توفير التمر لأهلها بما يحقق اكتفاءهم الذاتي.

كما ساهمت النيران في حرق الكثير من أشجار النخيل. كتب واحد من أبناء المنطقة ” أتذكر يوما كنا بصدد جني محصول التمور نعاني من قساوة مناخ حار، ووخزات الأشواك من هنا وهناك، وفي غفلة من الجميع اندلع حريق دمر المحصول، ودمر آمال أسر فقيرة كانت تمني النفس بلباس العيد والهجرة إلى إحدى المدن الساحلية قصد الهروب من الحر، فلا ذاك تحقق ولا ويل الطبيعة كان أرحم” (الأحد 24 فبراير 2019، هسبريس تعليق على موضوع بعنوان :” الواحات في طاطا .. معالم طبيعية وثقافية تقاسي التدهور والحرائق )

مقرات الأحزاب السياسية والنقابية تبدو مقفلة أو مهجورة في كل الأوقات، لا شبيبة تشب، و لا أنشطة تبعث الحياة. ربما هي نفسها فقدت الحياة، فكيف تجود بما لا تملك؟ في فاتح ماي كانت ساحة المسيرة شاهدة على بؤس الفعل النقابي وتراجعه.

وحدهما العيادتان الطبيتان تستقبلان منذ الصباح الباكر أفواجا من المرضى الذين خانتهم الصحة، وأحوجتهم إلى البحث عن أسباب الحياة. وبعض الناس رحلوا عن المدينة أو يفكرون في الرحيل لضعف الخدمات فيها خاصة الخدمات الطبية. حين يبدأ موسم الحر، تبدأ لسعات العقارب والحيات، ولا تستطيع مستشفيات الإقليم إنقاذ الضحايا، فيحملونهم إلى أكادير، قد يصلون وقد لا يصلون.

زبائن المقاهي متنوعون، وأهدافهم مختلفة. يقصدونها لتناول وجباتهم أو لاحتساء السوائل وتزجية الوقت. هم كما في المدن الأخرى، غارقون في تصفح هواتفهم، أو مشدودون إلى شاشات التلفاز لمتابعة المباريات الكروية. وقليلة هي المقاهي التي تستخدم النادلات كما في المدن الكبيرة. في مرات متباعدة يزور أحد السكارى المقاهي مترنحا، مزعجا راحة الزبائن.

ما تزال بعض المقاهي تصر على تقديم وجباتها التقليدية مثل حساء الشعير الذي تنبه له بعض أرباب المقاهي في مدن أخرى فجعلوه موضة، وعنصر جذب وتميز.

في موسم الشتاء وبداية الربيع يجتذب دفء المدينة أفواجا كثيرة من السياح الشقر، زرق العيون. يلبسون سراويل وقمصان قصيرة ، تاركين أطرافهم عارية لامتصاص أشعة الشمس التي لا تزور بلدانهم.  يجرون إقاماتهم المتنقلة خلف سياراتهم، ويقصدون المدينة للاستمتاع بمناخها. يركنون سياراتهم في وجه الشمس، ويهيمون على حواف المدينة بدراجاتهم الهوائية التي استقدموها لهذه الغاية. وفي المساء يدرجون كالحمام نحو بائع الإسفنج، المجاور لمقهانا المفضلة، لالتهام ما تجود به أصابعه في شغف ولذة. إنهم يحبون الإسفنج حبا جما، و تذكرني دهشتهم أمام المقلاة الكبيرة بدهشة ابن الرومي حين قال:

إن أنس لا أنس خبازا مررت به                    يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصــــــر

ما بين رؤيتها في كــــفه كــــرة                    وبيـــــن رؤيتـــها قوراء كالقــمــــــــر

إلا بمقـــدار ما تنداح دائــــــــرة                    في صفــحة المــاء يرمى فيه بالحــجر

كان خريف المدينة ممطرا، وزملاؤنا  الذين ذهبوا إلى مناطق أخرى بعيدة عن المدينة لإنجاز مهامهم، لم يعودوا ذلك اليوم  ( الجمعة 28 شتنبر 2018 ) لنجمع حقائبنا ونعود إلى ديارنا. لقد حاصرتهم المياه وانقطعت بهم السبل. فصارت طاطا مثل جزيرة معزولة، حوصرنا داخلها، وحوصروا خارجها. كل الوديان المحيطة بالمدينة والتي تخترقها كانت تسيل حمرة، وتصعد خريرا صاخبا، تستطيع وأنت تعبر القناطر أو تسير بمحاذاة الوديان أن ترى الناس مندهشين يتابعون حركة المياه التي لم يروها تعبر هذه المجاري منذ سنوات كثيرة.

غصت في المقهى أصوغ بعض اليوميات وأتأمل المدينة. فلأول مرة أجلس لغير الأكل في مقاهي هذه المدينة . الجالسون بجانبي لا يتحدثون إلا عن الوديان والأمطار. تحدثوا عن السائقين المتهورين، وعن سيارة القائد التي جرفتها السيول، والشاحنة الكبيرة التي عجزت عن عبور قنطرة واطئة…

طاطا محاصرة لأن وديانها شاسعة، وقناطرها واطئة إذا صح أن نسميها قناطر. يكفي أن يرتفع مستوى الماء أكثر من قدم حتى يعيق الحركة. المسؤولون ألفوا شح السماء، ونسوا بناء قناطر تمكن الناس من العبور ساعة تساقط الأمطار. هكذا ستظل المدينة تحت لعنة الجفاف أو لعنة المطر.

حين فعلت كما يفعل الآخرون، وأطللت على الوادي كان الناس في كل مكان يشرئبون بأعناقهم ويتابعون حركة الماء في هدوء وخشوع رهيبين لا يوازيهما إلا هدوء الماء الذي يتهادى بين أحضان ضفتي وادي طاطا المتراميتين. هذا الوادي سيستقبل في الغد طيورا غريبة، طيورا لا تتواجد عادة إلا في الأماكن الرطبة وعلى مجاري المياه، هذه الغرابة ستزول حين اكتشفت لاحقا أن هذا الوادي لا يجف أبدا.

في المساء بدت المدينة كدجاجة مبللة، يغطي الماء أطرافها تحت أشعة المصابيح الراقصة. وصار الدفء مطلبا عزيزا، فرض علينا إغلاق الأبواب بإحكام لننعم بنعمته.

بالمدينة ثانويتان إعداديتان، وثلاث ثانويات تأهيلية. إعدادية المختار السوسي العريقة، في قلب المدينة، تحت تل العمالة. بها بضع شجيرات، وكثير من الفراغ. وإعدادية الفارابي في شمال شرق المدينة، في حي هش، حديثة العهد، فضاؤه أجرد، تعرضت بعض محتوياتها للسرقة، أطاحت احتجاجات تلاميذها  ضد هدر زمن التعلم برأس مديرها المكلف.

الثانوية الجديدة كبيرة، وتمتد على مساحة شاسعة، بها أشجار كثيرة، إذا بحث المرء ـ مثلا ـ عن شخص آخر في فترة الاستراحة، يستحيل أن يعثر عليه قبل انصرام وقت الاستراحة. ، تقابلها حديقة ظليلة، تستقطب أفواجا من المتعلمين. ثانوية علال بن عبد الله، أصغر حجما، وأكثر أناقة، خاصة بالتعليم الأصيل. ثانوية محمد السادس، قريبة من إعدادية الفارابي، بنيت في مجرى الوادي فغمرتها مياه الأمطار حين تساقطت على المدينة وحولتها إلى برك متراصة.

أغلب طلبة المدينة والإقليم بعد الحصول على شهادة الباكالوريا يختارون التخصص في التاريخ، والمسؤولون، يبحثون عن وسائل فعالة للتأثير عليهم، وتوجيههم نحو المواد العلمية، ربما نسوا دور تاريخ المدينة في اختياراتهم، ونسوا أنه يستحيل أن “يهرب الطيب من ورده”.

في حجرات المؤسسات الدراسية علقت المروحيات للتخفيف من وطأة الحر الذي يسقط  من كل الاتجاهات، ويؤججه البناء الإسمنتي بتواطؤ سافل.

بعض أطفال المدارس تراهم في الشوارع يمضغون الخبز الحاف بعيون كسيرة لا تستطيع أن تتطلع إلى الياغورت والبيسكويت. وكثير منهم يركبون دراجات هوائية تكاد تكون متشابهة، يأتون من الضواحي القريبة زرافات ووحدانا. يأتون من الواحة الجميلة، واحة تيغرمت وأكادير لهنا.

هي واحة…  ( يتبع…………….)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.