“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية” ـ الحلقة5

0 221

صوت الحقيقة: محمد كروم

الحـــلـــقــــة 5

تكزميرت: الواحة الفارغة:

تكزميرت  tigzmirte جماعة تابعة لقيادة أديس، بها واحة على مدخل طاطا. شاهدناها مرات عديدة مشاهدة عابر غير مستقر، ولا مختبر. تضن بأسرارها على العابرين، الذين تشغلهم مراقبة الطريق، ولحظة الوصول إلى المدينة. لذا قررنا أن ندخلها صباح 26 مارس 2019 دخول الشاهدين لكشف الأسرار، ونقل الأخبار.

استيقظنا مع طلوع الشمس، حيث المدينة أهدأ وأبهى، فتناولنا فطورنا في المقهى، ثم اتجهنا راجلين إلى وادي طاطا المنساب في هدوء غرب المدينة وجنوبها.

يممناه منتعشين ببرد الصباح العليل، وأشعة الشمس خجولة تتمطى في برجها العالي. قبالة تل العمالة عجنا إلى الطريق النازلة نحو الوادي. كانت دهشتنا كبيرة حين وجدنا المياه رقراقة تسيل بين شجيرات كثيرة غطت أديمه، وجعلت ضفتيه تشبهان مجراه.

رغم أننا مررنا بمحاذاته مرات عديدة إلا أننا لم نكلف أنفسنا عناء النزول إليه، ولم يكلف هو نفسه عناء الكشف عن أسراره تلقائيا، حتى اعتقدنا أنه جاف، ولا يوجد فيه غير برك صغيرة من بقايا الأمطار السابقة.

تنتشر بالوادي نباتات كثيرة ومختلفة، وتتوسطه صخور مائية عظيمة، تقطعه الطريق في هيئة قنطرة مستوية مع الأرض على مرمى نظرة من العمالة، يعبر الماء قادوسا بني تحتها لهذه الغاية، فيحدث صوته المنسكب خريرا جميلا يثير الانتباه، ويجتذب السقاة، والأطفال إذا اشتد الحر، وكثيرا ما كان يشتد. وإذا سقط المطر يغمرها الماء وينتصب في عداء متحديا العابرين.

على بعد أمتار أسفل هذا “الجسر المنبسط”، وضع حاجز من الحجارة والاسمنت مشكلا ما يسمى أكوك لتجميع المياه وصرفها عبر قنوات تمتد بها خارج الوادي نحو حقول الواحة . المياه المتجمعة والسائلة تجتذب أنواعا من الطيور المقيمة والمهاجرة لالتقاط ما تملأ به حواصلها.

وراء الوادي تمتد مساحة مسيجة يسمونها البارك ( park ). تجتذب أسرابا من السياح الأجانب. بها أشجار نخيل غامقة الخضرة، وخيم بيضاء وسوداء، أعدت للباحثين عن متعة  حمامات الشمس، وتأمل الوادي الجميل الهادئ الذي لا يلتفت إليه أحد من أبناء المنطقة، ولا يعرفون قيمته خاصة في هذا الإبان من السنة.

وراء الوادي تنتصب سلسلة جبلية صغيرة جرداء كأنها سياج طبيعي يحرسه، ويضفي عليه مسحة هيبة ووقار. وحين يسقط المطر يتحول إلى معترك تتجمع فيه السيول ثم تندفع كأسراب الخيول عبر المجاري والشعاب لتتهاوى في مجراه فتغذي قوته وعنفه.

تتبعنا مجرى الساقية الصاعدة من أكوك، والمخترقة تجمعات نخل كثيرة باتجاه بناية شاهقة بدت لنا مغرية. على بعد أمتار تمتد ساقية قديمة، جافة، بنيت بالجير والحجارة، على شكل جسر تاريخي.  لها ستة أبواب مقوسة تعبر مياه المطر أقواسها فترفد الوادي، أو ظهرها فتسقي حقول الواحة، علو أقواسها يسمح بمرور المرء منحنيا. وربما كانت في زمن ما تتخذ جسرا يعبره المشاة. الساقية القادمة من أكوك بنيت بالاسمنت المسلح، سرنا فوقها متتابعين.

تبدو البناية كقلعة قديمة، بنيت بصخور سوداء على حافة تل عال، فزادتها حوافه منعة وتحصينا، تتوسطها نوافذ صغيرة محاطة بإطار أبيض من الجبص، ومصبوغة بلون أزرق فاتح، تطل على الوادي، والجبل، وتمكن القابعين وراءها من مراقبة كل ما / من يتحرك حولهم. من جانب البناية الشاهقة، بدا الوادي أكثر عمقا من ذي قبل، وبدت تفاصيله أكثر دقة، وماؤه الذي كان يغطي مساحة محترمة، بدا تحت أشعة الشمس كسيف ملقى بإهمال. وبدت أشجار نخل كثيرة عجفاء خاوية، ويابسة على جانبي الوادي وهو يبتعد متضائلا شيئا فشيئا حتى يضيع أمام العين تماما كما تضيع المياه في جوف الصحراء.

تسللنا عبر الممرات الجانبية المتربة والصخرية حذرين، لاكتشاف هذا البناء العجيب. به دور كثيرة، معظمها مهجور، ونصفه منهار، بنيت بالصخور السوداء، والطين، وسقفت بأشجار النخيل وسعفه، وبالقصب أحيانا. بها أدراج طبيعية عبر الممرات الصاعدة نحو قمة التل الذي بنيت عليه الدور. الصخور المستعملة في البناء مصقولة ومرصوصة بدقة متناهية، حتى ليظن الرائي أنها لبنات أخرجت من مصنع وليس من جوف الأرض وظهرها. حين تقف فوق السطوح تبدو لك الأطلال باكية ناحبة، فلا تملك غير أن تتألم لآلامها، وللمصير الذي ينتظر ما تبقى منها شامخا مستمسكا بالحياة. ولا تملك سوى أن تردد:

لكل شيء إذا ما تم نقصـــان         فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول       من سره زمان ساءته أزمــان

وهذه الدار لا تبقي على أحد       ولا يدوم على حال لها شــــان

وحين تقف في الفجوات التي تتخلل البناء، تبدو لك عن بعد غابات النخيل خضراء مترامية كغابات السياب، ووراءها طاطا وديعة نائمة.

ومن فوق الأطلال تمتد أسلاك الكهرباء، وبين الجدران تقف أعمدته في مفارقة كوميدية غريبة.

أسئلة كثيرة أرقتنا ونحن نخترق هذه البنايات: متى بنيت كل هذه الصروح؟ من أين جاء البناة بهذه الصخور والحجارة العجيبة؟ متى سكنها أصحابها؟ وأين ذهبوا عنها؟ لماذا تركوها وحيدة عارية يغتصب الزمان بهاءها وفرادتها؟

طفنا نحو ساعة بالمكان، ولم نجد شخصا واحدا يجيب عن أسئلتنا، أو يستفسر عن سر مجيئنا. ولم نجد كلبا واحدا نستنبحه، أو قطا نهتدي بموائه إلى القاطنين. أطل صديقي على بيت من فوق طلل فسمعنا صوت ديك أحمر، أزعجته حركتنا، التقط له صورا عديدة، وأكملنا جولتنا.

في الجهة الأخرى كان هناك حوش صغير يتصاعد منه خيط دخان، ورائحة خبز طازج، استطعنا بعد لأي أن نتأكد من وجود امرأتين داخله، فكرنا في التحدث معهما ونقل أسئلتنا إليهما، لكن عدلنا عن ذلك لجهلنا طبيعة العادات والتقاليد التي تأسر الأهالي. وعلى مقربة منهما صوت مذياع ينبعث من أحد البيوت مرتلا آيات قرآنية تكسر رتابة السكون وتضفي على المشهد رهبة غريبة. في الجهة الشرقية وجدنا سيارتين بيضاء وسوداء، وممرا صاعدا إلى الأعلى، ممرا مرمما بالإسمنت، ويشي بالحركة الدائمة. سمعنا صوت رجلين ولم نر ملامحهما ولا شبحيهما. كان المكان الذي يفضي إليه الدرج واحدا من بيوت التجمع السكني، حوله صاحبه ـ أو من اشتراه منه ـ إلى مأوى سياحي ومزار يأتيه السياح من كل فج  عميق ليستمتعوا بهدوء المكان وجماله الموحش. هذا المكان تستطيع أن تميزه عن بعد بسبب البياض الذي يغطي أعلى جدرانه، وبسبب موقعه فوق قمة التل.

وبالقرب من الدرج ينتصب مسجد ومقر النادي النسوي تكزميرت، بنيا بالاسمنت المسلح وصبغا باللون الأحمر، فبدا منظرهما غير متجانس مع طبيعة الدور ولونها. ولأننا لم نصادف أحدا في جولتنا تساءلنا حائرين: من يصلي هنا أو يتعلم هناك؟

قلة الأبواب الخارجية لهذا التجمع السكني، وأزقته الضيقة، المفضي بعضها إلى بعض، ونوافذ أبراجه العالية، وطوابقه، تشهد على طابع التحصين الذي تحكم في هندسته.

قبل أن ننسحب متحسرين تساءل المفتش حسن: لماذا يفرطون في هذه الكنوز؟ لماذا لا يحولونها على مشاريع سياحية تصونها، وتكون مصدر دخل لأصحابها؟

تركنا الأطلال وعجنا نتبع الخضرة في عمق الواحة. تتبعنا الساقية الموغلة وسط النخيل، والمحاطة بكثير من الرمان والتين والأشواك. ما تزال بقايا رمان يابس معلقة فوق أعناق أشجارها، و ما تزال بقايا تمر في عراجينها كلما حركتها يد الريح أو يد العابرين، تخشخش كالأساور الرخيصة. هي بقايا فواكه غير جيدة، تركها أصحابها إبان جنيها. فصارت الطيور تتغذى عليها رغم صلابتها.

لم نجد بالواحة رجلا أو امرأة، كانت خالية أيضا إلا من حمارين مربوطين بحبلين طويلين، يجرانهما وهما يرعيان الأعشاب القليلة التي يستطيعان الوصول إليها . كانا بين الفينة والأخرى يشقان بصوتهما هدوء المكان، أو يضربان الأرض بحوافرهما طردا للذباب أو احتجاجا على إزعاجنا لهما.

التقطنا صورا للذكرى ثم عدنا نجر أقدامنا فرحين باكتشافنا لهذه الجنان، وذاك البنيان، كأننا نزور المدينة لأول مرة رغم أن عهدنا بها بدأ قبل سبعة أشهر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.