” الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية ” ـ الحلقة 6

0 135

صوت الحقيقة: محمد كروم

الحـــلـــقــــة 6

ملاح تازرات:

قرب سوق الأحد بطاطا تنتصب لوحة تشير إلى وجود “ملاح  تازارت” ضواحي المدينة. كانت تطالعنا كل صباح ومساء، فقررنا استكشافه.

استيقظنا في صباح من أصباح مارس، تناولنا كعادتنا فطورنا، وامتطينا حديدنا ثم توجهنا إلى قيادة أديس، جماعة أم الكردان جنوب طاطا (حيث يوجد السجن المحلي) على بعد نحو 10 كلم.  في أديس ثانوية تأهيلية ( ابن الهيثم ) وثانوية إعدادية (الوحدة). صادفت رحلتنا وجود مستشفى ميداني نظم قرب المؤسستين لفائدة سكان الجماعة. طوابير من  الرجال والنساء والأطفال، جاؤوا طمعا في إجراء فحوص طبية مجانية، كانوا قابعين تحت رحمة الشمس والغبار، وتحت أنظار رجال الدرك والقوات المساعدة في طوابير طويلة مذلة. بعد تجاوزها ببضع دقائق وجدنا في الطريق من أرشدنا إلى تازارت القريبة.

دوار تازارت صغير وهادئ، كان سؤالنا عنه، ودخولنا إليه يثير فضول الناس القليلين الذين صادفناهم. في مدخله بساتين صغيرة بها شجيرات نخل وأحواض فصة يانعة. في القلب منه تبدو بناية شاهقة فوق سلسلة جبلية صغيرة ممتدة بصخورها الناتئة كذيل تمساح خرافي.

في شرق الذيل تقوم البناية الضخمة كقلعة حصينة. رجحنا أنها الملاح بناء على الإشارات التي أفادنا بها بعض الذي سألناهم في مدخل الدوار. تسلقنا المسالك الوعرة، التي بدأت تفقد معالمها بسبب الإهمال.

كان الجزء الأعلى من البناية الضخمة يشبه نصف دائرة، وقد رص فوق أرض صخرية حادة الحافة، مما أكسبها مناعة وهيبة. وكانت نوافذها بشبابيكها الحديدية عيونا مفتوحة على البعيد. بجانبها وقفنا نتنفس الصعداء، ونجيل النظر في السهل المترامي أسفلنا. كان شاسعا وممتدا تزينه أشجار الطلح المتناثرة، فتجعله كوجه أمرد.

عجنا على جانبها الغربي فوجدنا منفذا، عبرناه فألفينا أنفسنا وسط عالم من العظمة والأطلال. اعتمد أصحابها في بنائها الصخور الصقيلة والحادة، والطين، وأخشاب النخيل وسعفه. كثير من جدرانها ما تزال صامدة تقاوم يد الطبيعة والبشر.

هي بناية تضم عشرات البيوت متصل بعضها ببعض، عبر ممرات وأبهاء ضيقة طويلة، بجدران عريضة سميكة، تستطيع أن تلطف جو الصيف الحار مهما كانت درجة حرارته. تتشكل مساكنها من طابقين، أو ثلاثة. حجراتها صغيرة، وضيقة لا يستطيع بشر أن يتمدد فيها عرضا.

بعض هذه البيوت فسيح، يتوسطه فناء بشرفات لها أبواب مقوسة كالقصور، بعضها بجانب بعض وفوق بعض. وبعضها تؤثثه أماكن للجلوس، كان يستعملها أهلها في تجمعاتهم. وأحيانا كثيرة كانت الصخور الضخمة النابتة في الأرض تشكل جزءا من جدران البيوت. كما تشكل النوافذ والثقوب المفتوحة على الفضاء الواسع عيونا للمراقبة عند من سكنوها، وعينا لرؤية بانورامية ساحرة عند من يزورها. هؤلاء الزوار تسكنهم رغبة دفينة في تسجيل صفاتهم وتاريخ مرورهم على بعض الجدران الجبصية.

جزء كبير من جدرانها وأسقفها تهاوى، وترك أخشاب النخل معلقة متأرجحة في انتظار السقطة النهائية. يكاد ما تراكم من حجارتها وترابها يسد بعض المنافذ. بعض أسقفها الصامدة تشهد على براعة صناعها في تشكيلاتهم الهندسية، وطريقة نسجهم للقصب والأخشاب.

على كثير من جدرانها تبدو بقايا جرار كانت تستعمل أعشاشا للحمام. كثيرة ومتراصة ومهجورة. كما تستوطن عمق كثير من الغرف جرار أخرى كبيرة دفن جزؤها السفلي في الأرض. كانت يوما ما تستعمل في تخزين الزيت أو تبريد الماء.

الأبراج القليلة التي تعتلي البناءات لم يبق منها إلا أطلال معلقة وبعض نوافذ بلا إطارات ولا شبابيك. والأحجار الكثيرة التي استعملت في البناء أو التي تتراص بالقرب من الدور تجعل الرائي يتساءل عن مصدر هذا الكم الهائل منها، كأنما سقطت بلا رحمة من كوكب آخر. فمجرد إلقاء نظرة على ما يحيط بهذا الجبل الصغير يكتشف أن المنطقة تخلو من هذا النوع من الصخور والحجارة. فمن أين جيء بها إذن؟ و من هم البناة الذين تفننوا في هذه العمارة؟ وهل مازال أحد يستطيع أن يبني مثل هذه الصروح؟ ولماذا غودرت هذه القلاع وتركت وحدها نهبا لفجائع الدهر؟

لا حياة في المكان، إلا بعض فضلات البهائم التي توحي أن بعض القوم مازال يطرق الفضاء ويستعمله فناء تقيل فيه المواشي.

ومن النوافذ والفجوات تبدو واحات النخيل مترامية على مدى الأفق تأسر العين. وبدا رجل بين البناية والواحة على دابته صغيرا يحث الخطى.

من خارج الأسوار ذات المنافذ القليلة بدا هذا التجمع كمدينة عركتها الحروب ومزقتها كل ممزق. وبدا إحساس بالحسرة والأسف يتسلل إلى موطن الأسرار. وتداعت إلى الذاكرة بعض أبيات أحمد شوقي:

يا نائح الطلح أشباه عوادينا                      نشجى لواديك أم نأسى لوادينا؟

ماذا تقص علينا غير أن يدا                     قصت جناحك جالت في حواشينا

قبل أن نغادر الملاح، ظهر فجأة رجل بلحية قصيرة ومهملة، بعث كالعنقاء. سألناه بضع أسئلة فأفادنا أن ليس هذا هو الملاح، وأشار بيده إلى الجهة الأخرى من الجبل أو من ذيل التمساح مؤكدا أن الملاح هناك، وأن هذا المكان تركه أهله من السكان المحليين ونزلوا إلى أسفل الجبل و بنوا بيوتا جديدة. لم يعد أحد يطيق العيش هنا. بنوا بيوتا بالإسمنت والحديد، تستطيع أن تصلها السيارات، ويستطيعون الوصول إليها دون مشقة.

تدحرجنا نحو سيارتنا وهرولنا باتجاه الجزء الآخر من الذيل. على نحو 300 متر وجدنا أنفسنا نطوف حول الجبل تحت نظرات بعض العيون الفضولية التي كانت تتلصص علينا قرب دكان محاذ للطريق. ركنا السيارة قرب أول بناية واجهتنا وترجلنا.

دور الملاح بنيت بالطين والصخور، لكن الطين غلب عليها. جدرانها سامقة تتجاوز 10 ألواح. تحاذي مباشرة واحة جميلة، شديدة الخضرة، تكسوها أشجار النخيل والرمان والتين. وبها بعض نساء يبحثن عن الحشائش كما تبحث الطيور عن الحب.

فوق البناء الطيني وعلى ظهر صخرة عملاقة يفوق حجمها التصور، تنتصب بناية ضخمة تعلوها نوافذ المراقبة والمزبات الخشبية. تسلقنا الصخرة كما تتسلق النملة ظهر الغيلم، حتى ولجنا رحاب البناء، كان هو الآخر يتداعى ويقاوم وحده في إعياء ظاهر معاول الزمان. كان كنظيره الذي تركناه خلفنا يستصرخ متهاويا، ومخلفا وراءه أخشاب السقوف مترنحة متأرجحة، يحاول بعضها عبثا أن يمسك بعضها الآخر. كان بناء موغلا في العلو.

من فوق الصخرة العظيمة تستطيع أن ترى بقايا الملاح. جدران بلا أسقف ولا أبواب، تبدو كمربعات ومكعبات بلا روح. ومن خلفها تبدو الواحة الخضراء وقد بدأت تغزوها صفرة السنابل الآخذة في النضج. لا شيء يميز الملاح عن غيره من الأبنية.

وبالقرب من السيارة بدا لنا شاب يطوف بها. ما إن رآنا نطل من وراء الأطلال المعلقة حتى نادى شابا آخر بدا بعيد عنه قليلا. كان صوته يصلنا بأمازيغية واضحة. كانوا يبحثون عنا. فسمعناه في ندائه يطلب من صديقه الالتحاق به، ويؤكد له أنه رآنا، رأى النصارى بين فجوات الأطلال.

حين وصلنا السفح، عرفنا أن أحدهما مقدم الدوار تبعنا لتقصي أخبارنا. حاوره المفتش نوفل بينما بقيت بعيدا عنهما أفكر في هذه الطينة البشرية التي لا أستسيغها أبدا.

عدنا محملين بالصور والذكريات، وشيء من الحسرة. قبل أن نصل إلى طاطا توقفنا تحت ظل أشجار طلح وارف بتكزميرت، وأشعلنا نارا ثم أخرجنا عدة الشاي وهمنا في عوالمه السحرية.

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.