” الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية ” ـ الحلقة7

0 83

صوت الحقيقة: محمد كروم

الحـــلـــقــــة 7

تكموت: جنة طاطا

صباح فاتح ماي، الشوارع فارغة إلا من بعض عناصر الشرطة والقوات المساعدة الموزعة على ملتقيات الشوارع والأزقة في انتظار تظاهرات العمال بمناسبة عيدهم الأممي. ساحة المسيرة بها خيمة وحفنة من (المناضلين) والكراسي الفارغة، يحضرون لمهرجان خطابي. تحسرنا على زمن النضال النقابي، وخذلان النقابيين الذين ” باعوا الماتش “، وسمسروا على ظهور الشغيلة، وتركوها عرضة لنهب الناهبين، يمتصونها كالعظام.

تركنا الساحة وراءنا وولجنا السوق لشراء ما يلزم رحلتنا التي قررنا أن تحط الرحال في واحة تكموت. ( تقع في منتصف الطريق بين إيغرم وطاطا، المسافة الفاصلة بين إيغرم وتكموت بها منعرجات وعقبات خطيرة، لا تقطعها إلا السيارات القوية، ولا تسلكها وسائل النقل العمومية أبدا )

كانت السماء متقلبة المزاج، هذا الصباح. عبرنا واحة تيغرمت باتجاه تكموت،وعلى بعد دقائق واجهتنا بقعة خضراء زرعت بطيخا، كانت في مرحلة الوضع، وتحتاج إلى بضعة شهور، وإلى أطنان كثيرة من الماء، وأكياس معتبرة من الأدوية والأسمدة كي تنضج، فتقدم للمستهلك، ليستهلكها وتهلكه. يحيط بالبقعة الخضراء مدى شاسع من القحط والفراغ، وأشجار الطلح المعاندة، الشاهدة على استنزاف الحياة.

مسافات من الطريق الملتوية والمنبسطة، المنحدرة والمتصاعدة، (أزيد من 40 كلم )عبرناها متحدثين تارة وصامتين تارة أخرى. من حين لحين كنا نتجاوز بعض الشبان يمتطون دراجاتهم العادية، ويقطعون الطريق في عناد مستميت للوصول إلى تكموت وقضاء بعض اللحظات الجميلة. أهل طاط يعتبرونها جنة يصطافون فيها، ويحتمون بها من لهيب الحر.

في منتصف الطريق، صادفنا سياجا يحيط مساحة شاسعة، بها صهريج وبيت يغطي مضخة ماء، وبقايا أنابيب بلاستيكية متناثرة، وبعض الشجيرات القليلة تشهد على ما حدث:

يروى أن مستثمرا أنجز مشروعا فلاحيا بدعم من الدولة ( تحضير الأرض، مد الأنابيب، حفر البئر، بناء الصهريج، غرس الرمان…) وما إن قبض الدعم السمين حتى ترك المشروع نهبا للخلاء، وتحول إلى منطقة أخرى، في إقليم آخر ليعيد اللعبة من جديد دون حسيب أو رقيب، في مغرب ينعتونه بالأخضر.

على طول المسافة تنتشر قطعان ضخمة من الأغنام والمعز، تنعم بما غرسته كف الخريف بين الصخور من غيث. تبعث الجبال الشامخة في النفس رهبة، وهي تقترب أو تبتعد. حين تقترب تضيق الرؤية وتلتوي الطريق، وحين تبتعد، تتسع الرؤية، وتمتد الطريق، وتتكاثر أشجار الطلح، وتصغر أحجام الأغنام حتى تكاد لا ترى، وبين الفينة والأخرى تظهر قطعان الإبل متهادية أو ملتفة حول الأشجار والنباتات الشوكية، وتظهر بعض النساء حول بئر يسقين الماء ويهيئنه في جفان أو جواب للقطعان الواردة.

على مدخل الجماعة بنيت إعدادية الزيتون، لتستقبل أبناء المنطقة وتعفيهم من الذهاب إلى طاطا. بعدها محطة لسيارات الأجرة، فارغة في جل الأوقات.

كنا نخترق الدواوير والحقول، وكانت أشجار الزيتون كريمة إلى حد كبير، تلقي ظلالها على العابرين، وتضفي على الطريق روعة فاتنة. الحقول والمساكن تمتد على طول الشريط المحاذي للوادي. أمام البيوت، وتحت الأشجار، يكوم الأهالي ما حصدوه من أغمار السنابل. ضيق المساحة فرض عليهم جمعها على شكل أكوام  صغيرة مثقلة بالحجارة والأخشاب، في انتظار درسها. وعلى حافة الطريق المعبدة تمتد السواقي رقراقة مغرية.

على طول الطريق الممتدة بين مداشر تكموت كنا نصادف النساء والفتيات القرويات يمتطين حمرهن أو يسقنها وهي محملة بالحطب أو الحشائش، وعلى ظهر بعضها دنان مليئة بما اعتقدناه ماء جلبنه من منبع صاف. كما تصطف أشجار أركان ضخمة حول الطريق هاربة من مسكنها الأصلي، مضفية على المسلك رونقا وبهاء.

قرب صهريج كبير لتجميع المياه، طاب لنا المقام. وبعد جهد جهيد وجدنا مكانا مناسبا لركن السيارة. فضيق الطريق ووعورة التضاريس لا يسمحان بتوفر أمكنة شاسعة وآمنة.

تحت الظلال الوارفة هيئنا مجلسنا، وقضينا يومنا:  بعد أن نزعنا عن رؤوسنا الطربوش والطاقية،  وضعنا بطيختين في ساقية، ثم افترشنا حصيرا وملاءة، فأخذنا قسطا من الراحة. وبعد هنيهة قمنا فحضرنا موقدين، أحدهما لبراد الشاي، والآخر للمشواة و الطاجين. وزعنا المهام بتلقائية، فتكفل المفتش لضميم بالإبريق الأزرق، و المفتش بوغلي بالمشواة. وسهرت على تحضير الأواني والسلاطة، وتوثيق الجلسة.

حين نصبت الأثافي، واستوت القطبان، ارتفع إلى السماء الدخان، فصار حسن بمروحة يهش، ونحن نبش، ثم ارتفع الإبريق إلى الأعلى فانحدر الشاي غير محلى، في كؤوس صفت على صخرة ملساء، تعلوه عمامة بيضاء. وبينا نحن نستمتع بظلال الأفنان، سمحنا لأيدينا أن تسافر بين الكؤوس والقطبان، وصحون السلاطة والزيتون، ففقأنا عيون الموجود، ثم عجنا على الوجوه والقدود، وختمنا بالبطيخة الصفراء، فعالجناها في رفق وأناة، ودفعناها ـ بلا عناء ـ في اللهاة، لذيذة مشتهاة، حتى إذا قضينا من طعامنا كل حاجة، شكرنا الواحد المعبود، كسائر الخلق في الدعاء المعهود.

انبرى رفيقا الرحلة إلى هواتفهم يستطلعونها، ورحت أقرأ بعض الصفحات في كتاب ” ليلى المريضة في العراق ” لصاحبه زكي مبارك ( الكتاب عبارة عن مذكرات كتبها بين 1937 و 1939 عن تجربته في العراق و اشتغاله أستاذا للأدب العربي في دار المعلمين العليا و عودته إلى القاهرة. وفي هذه المذكرات يستطرد من موضوع إلى موضوع، وينتقل من أسلوب إلى أسلوب آخر في الكتابة. جمع فيه بين الشعر والنثر، فضم السرد، والقص، والحوار، والتذكر، والمناجاة، والرسائل، والتوسل، والدعاء…وقطب الرحى في هذه المذكرات هو الحب. حب الجمال الأنثوي الذي لم يقتصر على ليلى العراقية بل شمل نساء كثيرات. وهو وفي لكل محبوباته على طريقته الخاصة…)

كانت الكؤوس تدور بيننا، دون انقطاع، كلما فرغ إبريق ملأناه من جديد، فصرنا كما قال الشاعر:

شربت على وجه الطبيعة شربة              منعنعة أفشت مكامن أسراري

وحلت على رغم الفلا عقد لهجتي           فبحت ولم أملك برائق أشعاري

أو كما قال الآخر:

يخفف كل الهم دور كؤوسه           ويبدي انبساط القلب من قبض أحزان

ويوقظ أرواح الصفا لتشوق          إلى الراح من راحات حور وولدان

(البيتان الأولان للشاعر المختار السوسي ( المعسول ج 6)، والآخران لشاعر سوسي هو أحمد بن عبد الرحمان الجشتيمي ( خلال جزولة ج 6))

ثم ملأنا الطاجين لحما، والموقد فحما، وتركناه في رفق ” يبقبق “، حتى توهمنا وصول روائحه بلاد الموزمبيق، لنأكله بعد العصر، في هناء ويسر، ونحليه ببطيخة حمراء كالجمر.

الأشجار التي ظللتنا كانت باسقة عريضة، عمرها مئات السنين، بعضها واقف في شموخ، وبعضا مائل مشروخ، والبعض الآخر ساقط على الأرض، تكشفت جذوره. وهي علامات تشير إلى كون منطقة تكموت تهب عليها الرياح القوية بشكل دائم. كثير من الأشجار غير مثمرة، وكثير من المسالك غير سالكة، تعوقها الأغصان، والجذوع الساقطة. هذه الواحة غنية بأشجار الزيتون، واللوز وكروم العنب. مهملة، يعانق بعضها بعضا، ويغالبه، فيميله مكرها، أو يتسلقه مرغما.

أغلب من صادفناهم نساء: كن يحصدن الشعير ويحملنه على ظهورهن، وظهور دوابهن، أو يحتطبن الحطب. رجل واحد كان يظهر ثم يختفي، كان مشغولا بالسقي، وتوزيع الماء المتدفق من الصهريج الكبير. دعوناه ليشرب شايا، ويأكل قطيبا فلبى الدعوة. تجاذبنا أطراف الحديث فعرفنا منه أن ماء الصهريج يوزع بالطرق التقليدية المعروفة، عن طريق الظل أو العصا والساعة. وعرفنا أيضا أن المنطقة لا تخلو من ثعابين وحيات.

وبينا كنا منشغلين ظهر سرب من الظباء اعتاد الجلوس تحت الظلال الوارفة، وقد فاجأه وجودنا فأرجعه الحياء والخفر.

وكان الواحد منا إذا تعب من الجلوس والاضطجاع قام يتمشى. حين جاء دوري طفت بالصهريج متأملا صفاءه ووجوده في هذه الفيافي، وفضله على البشر والشجر. بجانبه الطريق التي تخترق الواحة، تحيط بها الأشجار من كل جانب، وتتدلى على حوافها، حتى تبدو شبه مسقوفة، تمنح عابرها إحساسا عظيما بالجمال، إحساسا يتضاعف حين يرى الجبال تطل من بين الأغصان في شموخ وكبرياء حارس جبار. في حافة هذه الطريق جلست الظباء. كن يستمعن لأغنية من جهاز هاتف واحدة منهن، ويتبادلن الهمس والضحك. لكنهن ظباء خبرن مضغ الكلام وصبغ الحواجيب.

في طريق العودة قررنا أن نستكشف ضريحا سمعنا عنه من أفواه الكثيرين، ضريح أحد الأنبياء اليهود الذين استقروا بالمنطقة منذ زمن بعيد. ضريح سيدي دانيال. سألنا عن الطريق فاهتدينا إليها. عجنا يمينا ووصلنا دوارا فأرشدونا إلى قبته التي لم تكن تبعد إلا بضع خطوات. رفيقا الرحلة بدا عليهما الحرج من زيارة قبر يهودي، فلم يتحمسا للنزول، والوصول إلى قبة الضريح المجاورة للمدرسة العتيقة. جاريتهما وتجاوزناه.

على بعد منه جمع الأهالي محاصيلهم الزراعية في بيادر كثيرة وجميلة، مازالت تستقبل أغمار السنابل دون انقطاع، وعلى اليمين بدت لنا معصرة زيتون مشرعة أبوابها، مليئة بالحركة. كانت تثير الدهشة حقا. توقفنا وترجلنا باتجاهها. كانت فعلا تعصر الزيتون في شهري أبريل وماي، بينما في كل مناطق المغرب يتم عصره ابتداء من نونبر ولا يكاد يجاوز فبراير. ساعتها تأكدنا أن الدنان التي رأيناها محمولة على ظهور الحمير صباحا كانت مملوءة زيتا، وها أشباهها أمام المعصرة وفي بهوها.

كان صاحب المعصرة يجلس أمامها رفقة رجلين آخرين، سألناهم عن سر هذا التأخير في عصر الزيتون فعلمنا منهم أن أهل تكموت ينشرون الزيتون عند جنيه حتى يجف وييبس ثم يعصرونه، وأن عصره في موسم القطاف مستهجن لأنه ينتج زيتا ممزوجا بالماء، وعرفنا أن مكيال عبرة واحدة ينتج بين أربعة وخمسة لترات. اشترينا مقدارا من الزيت، تذوقته في اليوم الموالي فوجدته غير لذيذ فزالت دهشتي، و شهيتي.

وجماعة تكموت فيها جمعيات وتعاونيات كثيرة، تشارك في المعارض، وتعرف بمنتوجها المحلي. زيتونها وزيتها معروفان ومشهوران. ولكثرة أشجار الرمان الحامض أبدع أهل تكموت في الاستفادة منه، حيث يستخلصون منه عصيرا عجيبا يستعملونه حسب زعمهم في التخفيف من آلام المعدة، وخفض نسبة السكري. مذاقه مر، وطريقة تحضيره تحتاج إلى أناة وصبر. يزيلون الحب عن القشور، ثم يزيلون لحم الحب وماءه عن نواته، فيرمون النواة ويطبخون الباقي في الأواني الفخارية فوق نار الحطب مدة أربع وعشرين ساعة. بعدها يصبون السائل المستخلص في القنينات الزجاجية ويبيعونه بأزيد من 100 درهم للتر.

سألنا الرجال الثلاثة عن قبر النبي دانيال فتحدثوا كثيرا، وأكدوا الأسطورة التي تروى عنه، وبدا من كلامهم أنهم مقتنعون، ويصدقون ما يقولون، هذه الأسطورة فيها من الغرابة ما يثير، وقد صارت مكتوبة بعد أن كانت مقتصرة على الرواية الشفهية.

تقول هذه الأسطورة: إن دانيال نبي بعث في الشرق ودفن في طاطا. وتتوسع الأسطورة فتضيف: عندما يهطل المطر، غالبا ما تقطر أسقف بيوت القرويين الطينية، ويصير إصلاحها أمرا متعبا..هناك حل فريد، لا يوجد إلا في “تكموت” هو أن يصلحوا سقف ضريح الولي سيدي دانيال، فتقوم “قوى خفية” بإصلاح سقوف بيوتهم.

وتؤكد الأسطورة أن سكان طاطا استقدموا النبي دانيال من نواحي العراق بسبب الجفاف الذي حلّ بتكموت ونواحيها، حيث أرسلوا وفدا سوسيا رفيع المستوى إلى العراق، فشكوا له حالهم مع الجفاف، وندرة الماء وشح موارده، فتطوع هذا النبي وجاء بنفسه لنجدتهم، وفي الطريق دعا ربه أن يغيث هؤلاء الضعفاء العطشانين، ويسقيهم، ويسقي بهائمهم العجاف، فاستجاب الله لدعوته. وعلى مشارف تكموت بدأ المطر يسقط حتى فاق حاجة السكان، وبدأ يُشكل تهديدا لهم ولمنازلهم الطينية، فطلبوا من “النبي” دانيال: أن يقُول لرَبّه إن حاجتهم للمطر قد قُضيت.

وتضيف الرواية أن هذا النبي بعث في الشرق قبل 44 قرنا تقريبا. وأنه أوحي إليه بغيب، ولم يُؤمر بتبليغه، وأنه عاش في زمن الجبار بختنصر. وقد تحول قبره إلى مزار يعتقد الكثيرون أن ببركاته توَفّر الماء لأهل تكموت، وأنه لا خوف عليهم من العطش والظمأ مادام ضريحه على أرضهم، وماداموا يؤمنون ببركته.

يزيد قبره عن ستة أمتار، وفي السقف كوة صغيرة، يفتحونها عند حاجتهم إلى المطر فتتسرب أشعة الشمس إلى القبر، وبعد أيام تغيم السماء ويغاث الناس، دون حاجة إلى صلاة.

وتضيف بعض الصفحات المحلية على شبكة النيت بركات أخرى إلى هذا الولي: (لا تقتصر خدمات الولي الصالح سيدي دانيال دفين طاطا على “ضمان” حاجة المنطقة برمتها من ماء السقي والشرب، كما يعتقد بذلك المؤمنون والمؤمنات، لكنه يُقدّم لزواره من المريدين خدمات أخرى، خاصة ” أهل النية الصافية”، إذا يوجد قرب القبر الطويل المغطى بثوب أخضر ثقبان غائران على الحائط، يُتبَرّكُ بهما بطريقة عجيبة. يقصد المكان من يشكو مرضا استعصى على الحكماء والأطباء، ويضع يده في ذلك الثقب لوقت معيّن، وطبعا كما يؤكد مرشدنا وهو الذي يؤمن بكل كلمة يقولها” لا يشفى مرض الزائر الذي لم يؤمن إيمانا خالصا ببركة سيدي دانيال، ولا مجال لشفاء الساخرين والذين يفعلون ذلك بقصد التجريب وتبيان بطلان البركات” ، هذا مع حرص واضع تلك الثقوب على أن تكون مختلفة تسمح بتبرك فئات عمرية مختلفة وأيادٍ مختلفة الأحجام.

معتقدات قديمة، كَانت تُمارس قبل الإسلام، وبناية قديمة يتم ترميمها بين الحين والآخر، حتى إن باب الضريح عمره ثلاثة قرون وربع، وقد صُنعَ في إدَاوْكنسوس بحسب شيوخ المنطقة.

تتم زيارة الضريح في أي وقت، ويزوره الطْلبة والفقهاء كل جمعة، بينما يُقام الموسم الرسمي في عيد الأضحى، إذ يجتمع الفقهاء والمهتمون من تارودانت وطاطا والنواحي ويقومون بقراءة ختم صحيح البُخاري.بقي أن نشير أنه بمدينة آسفي يوجد ضريح مشابه وباسم مشابه وقصة مشابهة… )

وفي تكموت بناء عجيب يسمونه  “إكودار” ـ كما يوجد في مناطق أخرى ـ بمثابة مخزن جماعي، تم ترميمه، وصيانته، لم نتمكن من زيارته لحد الساعة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.