” الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية ” ـ الحلقة9

0 339

صوت الحقيقة: محمد كروم

الحـــلـــقــــة 9

تامـدولـت وأقــا: حضارة سادت ثم بادت

توقفنا في الحلقة السابقة من هذه الرحلة عند الإشارة إلى المآثر التاريخية لأقا، وفي هذه الحلقة نفصل الأمر فنقول:

كانت وجهتنا ( رفقة مفتشي التربية الإسلامية: حسن بوغلي، والفلسفة: عبد الله أيت الشيخ ) هي تامدولت، المدينة التاريخية التي تحدثت عنها المصادر التاريخية، وظلت حقيقتها مجهولة. وبعد التعرف عليها عجنا على أقا لمعرفة بعض تاريخها. نسقنا مع الأستاذ الباحث في تاريخ المنطقة  عبد القادر أولعايش فتواعدنا على  اللقاء في مركز أقا.

من أقا إلى تامدولت قطعنا زهاء 13 كلمترا، جزء  منها غير معبد. سرنا ببطء شديد وسط الأحراش التي تناثرت فيها بعض شجيرات الطلح. وسط سهل فسيح لا يبدو بارزا منه إلا أطلال قليلة جدا، لا توحي أبدا أننا نقف على باقيا مجد غابر لم يبق منه إلا الغبار.

هذا السهل الخصيب كان يبدو لنا في فصل الشتاء كلما عبرنا طريق أقا تمنارت شديد الخضرة والجمال، وطالما تساءلت عن سر تميزه عن كل المناطق التي عبرناها، ودون أن تكون لنا معرفة بموقع المدينة. في هذه اللحظة علمنا أن السهل تسقيه مياه الأمطار القادمة من وادي أقا التي تصله عبر مجموعة من السواقي من مخلفات الاستعمار الفرنسي. ومع الأستاذ أولعايش عرفنا جوانب أخرى من قصة المدينة التي سادت ثم بادت.

اختلف المؤرخون حول تاريخ المدينة بين قائل إن تاريخ تأسيسها يعود إلى عهد عبد الله بن إدريس في القرن الرابع الهجري، وبين قائل بأن الأمر لا يعدو أن يكون في هذه المرحلة إعادة بناء  فقط، وأن تأسيسها يعود إلى ما قبل ذلك بكثير،وأنها كانت مركز عبور القوافل التجارية منذ عهد الفينيقيين. لكنهم يتفقون على ازدهارها في المرحلة المرابطية والموحدية والمرينية، وحتى السعدية.

وتحدثت المصادر التاريخية عن كون المدينة كانت بها أسوار، وأبراج جعلت منها حصنا، ومركز مراقبة عسكرية للطرق التجارية بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء،  لكن مشاهدتنا لموقع المدينة بينت أن لا شيء يوحي أنها كانت مسورة تعلوها الأبراج. لأن موقع المدينة يوجد وسط السهل الخصب وهو مكان منخفض لا يساعد على المراقبة. وإذا كان لا بد من الحديث عن أبراج ففوق التل الذي يتوسط المدينة والذي تبين الحفريات الأركيولوجية أنه كان مخصصا للسكن أيضا، لتوفره على مسجد عرضه 18 مترا وطوله 22 مترا. ويحيط به ما يمكن اعتباره أحياء سكنية وتجارية. ومن المرجح أن تكون مواقع المراقبة على سلسلة جبل باني الذي يمتد شمال وغرب المدينة على بعد كلمترات قليلة.

في الجهة الشمالية من موقع المدينة توجد مقبرة. ما تزال شواهد القبور صامدة تحدث الغادين والرائحين عن تاريخ موغل في القدم، تاريخ كان يصنع هنا ويمتد أثره شمالا وجنوبا. وتكشف الشواهد أن القبور طويلة شيئا، مقارنة مع قبور المقابر الحديثة. وبجانبها بعض أكوام التراب التي تدل على تهدم أطلال ما. كما تحتوي المدينة على مقبرتين أخريين.

في وسط  الموقع بقايا فخار كثيرة بنية، وأحيانا خضراء مختلفة الشكل والحجم تدل على وجود جناح خاص بالخزف، كما تتواجد بقايا أسلاك نحاسية صغيرة، وكثير من الحجارة السوداء التي أحرقت واستخرجت منها المعادن، مما يدل على ازدهار الصناعة التعدينية بالمدينة.وأهم المعادن التي كانت تصنع وتباع: الرصاص والفضة والزجاج والنحاس والزنك. ويشير البعض إلى ازدهار سك النقود بالمدينة. وفي الجهة الجنوبية من الموقع بقايا أفران سوداء تدل على النشاط الصناعي، ووجود حي صناعي خاص بالمدينة.

في الوسط أيضا تل يحمل على أكتافه الأطلال القليلة الشاهدة على وجود مدينة تامدولت. وهي عبارة عن جدران سميكة يبلغ عرضها متران بنيت بالتراب المدكوك، وغلفت بالحجارة. وعلى حافة التل ممرات توحي بوجود أزقة تقود إلى الأعلى، كما توجد بقايا بئر وعلى حافتها صخرة حفرت عليها أثار الحبال التي كانت تستعمل في السقي.

كما توجد حفر حديثة تركها المنقبون عن الكنوز. وفوق التل ضريح صامد تحدثت بعض المصادر عن كونه يضم قبر نبي يهودي يعود إلى القرن 6 ق م  والبعض الآخر جعله قبر شخص معروف هو محمد بن عبد الله. طوله نحو ستة أمتار، وقد تعرض للنبش فبدا فارغا، ولا أثر فيه لجثة أو بقاياها.

تقول المصادر التاريخية إن المدينة تقع على سهل فسيح وخصب كثير المياه مما جعلها مركزا فلاحيا مهما في تلك الحقبة التاريخية. لكن كثرة المياه هذه ـ في ما أرى ـ مشكوك في أمرها لأسباب:

ـ كل مناطق طاطا التي توجد فيها المياه، تسيل على وجه الأرض وفيها أشجار النخيل، وموقع تامدولت لا توجد به ولو نخلة واحدة أو أي شجرة توحي بوجود المياه؛

ـ وجود بئر للسقي بالمواصفات المحددة أعلاه يبين أن السكان كانوا يعتمدون على الآبار للشرب، ولو كانت المياه كثيرة فما حاجتهم إلى الآبار، خاصة إذا علمنا أن الواحات الغنية بالماء لا توجد بها آبار؟

ويبقى التفسير الأرجح هو أن المياه كانت تجلب من مناطق أخرى عبر السواقي، والفعل المنسوب للاستعمار الفرنسي في هذا الصدد لا يستبعد أن يكون إحياء لهذا الإبداع التامدولتي.

وتروى أسطور غريبة عن سبب دمار المدينة، فحواها تعرض أحد الأفراد للظلم و الإهانة، فاستنجد بقائد ( محند أو علي أمنصاك ) فهجم على المدينة ودمرها. وهي أسطورة ترددها العامة، وتجد صداها في الأغاني الشعبية. ويرى الأستاذ عبد القادر أولعايش أن المدينة تعرضت للتخريب في مرحلتين مختلفتين: مرحلة الأدارسة، ومرحلة السعديين.

لم يستطع الباحثون أن يجيبوا بشكل قاطع عن سبب دمار المدينة واندثارها في مدة زمنية وجيزة. ومن الأسباب ـ في تقديري ـ ما يرجع إلى طبيعة المواد المستعملة في بنائها. ذلك أن تربة السهل التي بنيت بها الدور تربة هشة وسهلة التفتت. يكفي أن يسقط عليها الماء أو يغمرها لتتفتت كقطع بسكويت. والأطلال القليلة المتبقية تدل على ذلك، فما سلم منها من الاندثار كان مغلفا بالصخور والحجارة، ويكفي لمس الجزء الداخلي المكون من التراب للوقوف على هذه الحقيقة. وقد وعى بناة المدينة هذه الحقيقة فعمدوا إلى تغليف الجدران بما استطاعوا الوصول إليه من صخور، لأنها قليلة في المنطقة. كما تكشف بعض أساسات البناءات التي بينتها الأبحاث الأركيولوجية والمكونة من الطين والحجارة والجير، تكشف صمود هذه الأبنية.

وتحدق بموقع المدينة مجموعة من المخاطر التي من شأنها طمس ما تبقى من أثار، من ذلك محاولات الفلاحين العديدة لحرث المكان، وطمس معالمه، والرعي فوقه بشكل دائم، وزحف حقول البطيخ الأحمر على أطرافه في أفق السيطرة عليه. وقد أخبرنا الأستاذ أولعايش بالجهود التي يبذلها فريق البحث الذي ينتمي إليه، والساعية إلى حماية المكان، ودفع المسؤولين إلى اعتباره تراثا وطنيا يستوجب صيانته.

عند انتهائنا من زيارة تامدولت عجنا على أقا فدخلنا تكاديرت، وشاهدنا ماتبقى من ملاحها: أزقته ضيقة تنهي بفرن كبير، به معبدان أحدهما كبير و الآخر صغير، لم يبق منهما إلا أطلال طينية، وأبواب عالية، ومواضع للإنارة على الجدران. بعض الأزقة مسقوفة بأخشاب اللوز الكبيرة على خلاف كل البناءات التي رأيناها بالإقليم والتي يعتمد في تسقيفها على أخشاب النخيل. اليهود الذين كانوا يسكنون الملاح باعوا دورهم ورحلوا، وهناك وثائق عديدة في متحف عمر نوحي تؤرخ لتواجدهم بأقا. وكانوا يمتهنون التجارة، وبعض أعمال الصناعة مثل الخياطة والنجارة والحدادة والصباغة. وتبين الصور التي يعرضها الشيخ إبراهيم نوحي أنهم كانوا يهتمون بتقطير الخمور، ويقدر أن عددهم بلغ في مرحلة الستينيات نحو 200 نسمة.

من أشهر اليهود الذين أنجبتهم أقا: رابين ماردوشي، الحاخام اليهودي صاحب كتاب ” جور شاليم تينبوكتو “. تلقى تعليمه الأولي بأقا على يد حاخامها إلى حدود سن 13 حيث أرسل إلى مراكش، ثم إلى القدس بعدها حيث حصل خلال أربع سنوات على درجة حاخام مما أهله لتدريس العبرية في عدة أصقاع كسوريا ومصر والجزائر والمغرب.

من تاكاديرت إلى القصبة عبرنا دواري تاوريرت والرحل، وشاهدنا بنايات فخمة وحديثة غزت الجبل وطبيعته. وفي دوار الرحل حي يسمونه كولومبيا بسبب بعض الأنشطة التجارية الرائجة في الحي والتي دلت عليها بقايا الشيشة تحت ظلال النخيل.

وفي القصبة صومعتان إحداهما يحاول البعض أن يشبهها بالكتبية، والثانية تشبه صومعة حسان في هندستها وفي غياب نصفها الثاني.

الصومعة الشبيهة بحسان مربعة، حجمها حوالي 7 أمتار على 8 . كانت قد تهدمت وتم ترميمها، وفي متحف عمر نوحي صورة تبين حالتها عند خرابها. محيط الصومعة مهمل، تغطيه الأتربة وبعض الأزبال. وكشفت الأبحاث بجانبها أساسات مسجد، ومجاري مياه الوضوء.

لعب في تاريخه دورا مزدوجا: دور العبادة ( مسجد )، ودور الحماية ( حصن ). ساعد على ذلك موقعه الاستراتيجي في فج بين جبلين. وساعده أيضا الأدوار التي لعبتها أقا في تاريخ المنطقة، وتاريخ المغرب كله، لوجودها على طريق تجاري هام بين المغرب والصحراء.

 ويرتبط اسم أقا بالفقيه المصلح سيدي أبو عبد الله محمد بن مبارك الأقاوي الذي تمكن من تجميع المجاهدين، وحثهم على محاربة التوغل المسيحي، وقد اختاره السعديون باعتبار مكانته الدينية لإقامة مشروعهم السياسي إلا أنه رفض، وعين لهم محمد الشيخ زعيما لتوطيد أسس دولتهم . وأمر قبائل سوس بالانقياد إلى دعوتهم ( المؤرخ ابن عسكر صاحب كتاب لوحة الناشر ). وبأقا زاوية باسمه، واسم ابنه عبد الله بن مبارك. وقبراهما لا يختلفان عن قبور العامة. وتذهب بعض المصادر التاريخية إلى القول : وكانت توجد بوسط الدوار المدرسة التي كان الشيخان يعلمان فيها الطلبة والمريدين العلوم الدينية والقرآن،إلا أنها تعرضت للخراب سنة 1845 بفعل أمطار طوفانية انهمرت على المنطقة وأدت إلى ضياع خزانة غنية بالمخطوطات كانت في تلك الزاوية.

وبجانب القصبة دوارأكادير أوزرو به بناء “أكادير” وهو بناء عظيم كان في طور الترميم حين عايناه، يقع على حافة جرف عال شديد التحصين، بني بالطين والحجارة به نوافذ كثيرة وأبواب صغيرة، تعرض منظره للتشويه بسبب  الأنابيب البلاستيكية  التي تتدلى منه والتي تستخدم في الصرف الصحي ، وبسبب النباتات والشجيرات التي نمت بإهمال في أصوله ، وكذا أعمدة الكهرباء التي أثبتت بجانبه.

وعلى مخرج واحة أقا يوجد متحف الشيخ عمر ( لصاحبه إبراهيم نوحي من مواليد أقا 1932 مقاوم، ومساعد بجريدة التحرير. مولع بجمع الوثائق والمخطوطات والصور الخاصة بالمقاومة وجيش التحرير، وكذا المآثر التاريخية الجنوبية. حين توصل بتعويضه الذي منحته إياه مندوبية المقاومة، اقتنى آلة تصوير، وسيارة لاندروفير وصار يجوب مختلف مناطق المغرب بحثا عن المعلومات، والوثائق الخاصة بتاريخ المنطقة. وقد شغل داخل جيش التحرير مهمة مكلف بالمواصلات مما مكنه من التعرف على جميع المراكز داخل جيش التحرير، وعلى جميع الشخصيات البارزة داخله، والتعرف على مواقع الهجمات والمغانم والأسرى والمساجين بقبضة جيش التحرير. وتعرض في 2012 لمحاكمة عسكرية، نظمت على إثرها قافلة حقوقية تضامنية نظمتها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة المغربية لحقوق الإنسان نحو أقا يومي 17 و 18 نونبر 2012 )

يوجد في ضيعته الصغيرة، التي تحتوي بعض الأشجار المثمرة، والأشجار الشوكية. في باحة البيت طاولة وبعض الكراسي. استقبلنا شيخ المقاومين السيد إبراهيم نوحي بابتسامة كبيرة. كان يضع شالا على رأسه، طاف بنا في معرضه، ليطلعنا على ذاكرة تاريخ المقاومة. على مدخل الدار هيكل سيارة جيب شاركت في معركة تحرير الصحراء ما بين فاتح أبريل 1956 وفاتح أبريل 1960،  ومروحية طائرة عسكرية فرنسية أسقطها جيش التحرير على مشارف وادي درعة. في قاعة المعرض أكثر من 500 وثيقة، منها بعض البنادق التي كان جيش التحرير يستعملها في حربه التحريرية، وبذلة عسكرية، وكثير من الصور والوثائق التي تؤرخ للمنطقة، ومنها الرسائل والحلي والعملات ورسوم ونقوش تؤرخ لوجود الإنسان القديم في منطقة جنوب المغرب، وبعض المخطوطات التي تؤرخ لتجارة العبيد والتواجد اليهودي بأقا. وحسب ما نشره النوحي في كتابه ” محمد بن حمو والحسن الثاني وأسباب الاندماج ” الصادر سنة 2013 فقد صادرت السلطات بعض الأسلحة من متحفه، وهي عبارة عن  ثلاثة مسدسات وقيدين.

وفي الحوار القليل الذي دار بيننا سألناه عن بعض الشخصيات التي وسمت تاريخ المغرب، فتحدث باستخفاف عن شيخ العرب، محملا إياه مسؤولية فقره (بعد مقتل شيخ العرب اضطر نوحي [ كان تاجر سيارات ] إلى الهرب من البيضاء حتى لا تطاله يد البوليس بسبب علاقته بشيخ العرب تاركا وراءه نحو خمسين سيارة وكراج، ضاعت كلها  ) وتحدث ببرود عن عبد الرحمان اليوسفي ( كون نوحي مسؤولا عن المواصلات جعل اليوسفي ذات مرة يتركه منتظرا ساعات طويلة، وحين جاء في أخر الليل أمره بالانصراف دون عشاء ) وأطرى على عبد الله إبراهيم ( الذي خرج للبحث عنه وطلب منه الالتحاق بأعضاء المقاومة لتناول العشاء وإصلاح تصرف اليوسفي)

وفي أقا تأسس أول مقر ومركز لجيش التحرير سنة 1956. وفيه اتخذت مجموعة من القرارات الهامة والمصيرية. يروي إبراهيم نوحي أن المؤسس الأول للقيادة العامة لجيش التحرير بالجنوب هو السيد إدريس العلوي، وأن أهم القرارات المصيرية التي اتخذت في هذا المقر هي : قرار تصفية ما يسمى بالخونة، وسجن القبطان مورو ، واليوطنا بيران، ولجودان كاساغيا، وتوقيع اتفاقية بين جبهة التحرير الجزائرية وجيش التحرير المغربي.

حين انتبهنا إلى أنفسنا شاهدنا القمر: خجولا أطل … ودعنا شيخ المقاومين على أمل زيارته مرة أخرى لندون عنه أشياء كثيرة لم يبح بها بعد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.