الصحافة والدولة والمجتمعات العارية، وسؤال التجسس وانتهاك الخصوصية.

0 195

عبد الوافي حراق

حقيقة صعب التصديق بالإشاعات التي تفيد، أن دولة بكامل أجهزتها ومختلف مؤسساتها تتجند للتجسس على صحافي، لا يمثل سوى نفسه ورأيه أو المؤسسة التي يشتغل فيها. ثم ما هي طبيعة المعلومات التي يحتويها هاتف هذا الصحفي، ولا تملكها أجهزة الدولة بكاملها. من استخبارات وأمن وعسكر وإدارات عمومية و”قياد ومخازنية ومقدمين”، والتي قد تشكل بالنسبة لها تهديدا أمنيا أو عسكريا أو سياسيا أو مدنيا؟. ربما قد نتفق على أن الصحافي، قد يكون مهددا ومطاردا ومستهدفا في المجتمعات التي ترزح تحت أقبية الاحتلال والانقلابات العسكرية، او العصيان المدني والانفلات الأمني. ولكن لا يمكننا الاتفاق بحال من الأحوال، على أن البلدان المتمتعة بالاستقرار الأمني والاجتماعي لشعوبها، والغالبية فيها تعيش على الأمن والاطمئنان والقبول بالوضع القائم، والأقلية تمارس حقها في التعبير والرأي والاحتجاج والمعارضة، قد يكون فيها الصحافي مستهدفا من طرف دولته بالتجسس، وبأجهزة متطورة جدا مثل برنامج بيغاسوس.

والحال أن مثل هذه الاشعاعات (التجسس) غالبا ما يتم تداولها بعد الاصطدام المألوف بين الصحافة والدولة، ورموزها السياسية والاقتصادية. وهو احتدام واحتكاك طبيعي وتاريخي، ومشروع لدى الجانبين، ولدى كافة الديمقراطيات وأعرقها في العالم. فوظيفة الصحافي هي البحث عن الأخبار والمعلومات، وبثها ونشرها للرأي العام. ووظيفة استخبارات الدولة تتمثل في التنقيب على المعلومات والأخبار، وجمعها وتوزيعها، حكرا وحصريا، على الإدارة الأمنية للدولة.

كما أن الإعلام هو حق مشروع للجميع، تمارسه مؤسسات تابعة للدولة، فهناك إعلام القطب العمومي، والإعلام الأمني عبر مجلات وقنوات متخصصة صادرة عن مؤسسات إدارية أو أمنية. كما تمارسه مؤسسات إعلامية مستقلة خاصة، صادرة عن مقاولات صحفية أو أحزاب سياسية، أو قطاعات علمية أو منظمات مدنية. وفي ظل طفرة وسائل التواصل الاجتماعي أصبح المواطن نفسه، يمارس هو كذلك حقه في الإعلام الافتراضي، ويساهم في إنتاج المحتوى الإعلامي. وبالتالي فإن مصادر المعلومات وتعددها وتنوعها، في ظل وفرة وسائط الاتصال والإعلام، تساهم لا محالة في توسيع دائرة الاشاعات والأخبار المتناقضة. وقد تطلعنا قناة مثل القناة العربية بمعلومات وأخبار حصرية، في حين تطلعنا زميلتها مثل قناة الجزيرة القطرية بنقيض ما نشرته العربية.

بمعنى أننا أصبحنا نعيش في زمن تدفق المعلومات وانسياب الأخبار كجريان الوديان والأنهار، وتراكمها كالجبال والسحب، حيث تتقاطر علينا كالسيل العرم. فلم نعد نقوى على استيعابها، أو فرز الصحيح منها من الزائف. مما يسهل عملية انتشار الاشاعات والأخبار الكاذبة، انتشارا أقوى من سرعة النار في الهشيم.

لذلك، علينا الإقرار بكل صراحة وبدون مزايدات وتنطع، أنه، في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الصحافي ولا المؤسسات التي يشتغل فيها يملك المعلومة أو يحتكرها لنفسه، ربما قد تدعي بعض الصحف والقنوات السبق في بث المعلومة، ولكن لا يمكنها، إن لم نقل يستحيل عليها، الادعاء باحتكار الخبر أمام السرعة الفائقة لقطار التكنولوجية الرقمية للإعلام والاتصال. ففي السابق كانت الصحافة الكلاسيكية، الورقية والسمعية والبصرية، تحتكر المعلومة وتشكل الرأي العام، وتأثر فيه، وتسوغه وفق خطوطها التحريرية. لكن اليوم، من يصنع الخبر والرأي العام هو المواطن ذاته، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. حتى أن غالبية الأخبار والمعلومات، التي تبثها القنوات والمواقع الإخبارية، يتم استقاها من العالم الافتراضي، الذي يساهم المواطن في انتاج محتواه الإعلامي بشكل كبير. ولو أنه بأسلوب غير مهني، إلا أن جوهر المعلومة في حد ذاته يبقى أهم عنصر يشكل الخبر. وفي أحايين كثيرة، يتم البث المباشر للأحداث والوقائع عبر مصادر المواطن، قبل أي موقع إخباري أو قناة تلفزية. بل حتى هذه المؤسسات الإعلامية المهنية، تحيلنا بدورها على منصات التواصل الاجتماعي لمتابعة المزيد من الأخبار وتفاصيلها.

فلماذا ستلجأ الدولة للتجسس على الصحافي، إذا كان هذا الأخير لا يملك إلا المعلومة والخبر؟ وما هي الأخبار التي بحوزة هذا الصحافي أمام هول انتشار وتدفق المعلومات، وسهولة الحصول عليها وسرعة انتشارها، ولا تملكها الدولة التي تتوفر على الأقمار الاصطناعية وكافة الأجهزة الاستخباراتية والأمنية، تغطي كل مكان ودرب وحدب وصوب؟ أم أن الصحافي له وظيفة أخرى، إلى جانب جمع الأخبار والمعلومات ونقل الوقائع والأحداث، غير واردة في تعاريف قوانين الصحافة الجاري بها العمل وطنيا ودوليا؟

وما استرعى اهتمامي بشكل مثير، هو الضجة الإعلامية، الوطنية والعالمية، التي قامت حول ما سمي بالتجسس على الهواتف، لشخصيات سياسية وصحافية، ومسؤولين في الدولة ورؤساء وملوك. والتي كان من وراء اكشفها (وافتعالها) بعض المنظمات الدولية، الداعية للدفاع عن حريات التعبير والصحافة، وحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية. إذ استغرب شخصيا لتقارير هذه المنظمات، التي يمكن تشبيه أسلوب سياستها ومنهجية تقاريرها، بذلك الشخص الذي ضاعت منه محفظته في زقاق مظلم، فذهب للبحث عنها في زقاق به إنارة. هكذا حال منظمة العفو الدولية ومن يسير في دربها.

ففي الوقت الذي كان على أمثال هذه المنظمات الداعية لمناهضة انتهاك الحياة الخاصة، وحماية المعطيات الشخصية، وترسيخ حرية التعبير وحقوق الإنسان، اللجوء إلى مصدر الأزمة والمنبع الرئيسي، المتهم بالتلاعب بحياة المجتمعات الإنسانية، وانتهاك حرماتها، وخصوصياتها. وفي مقدمتها مؤسسات جوجل والفايسبوك والواتساب والانستغرام، وغيرها من تطبيقات الويب والهواتف الذكية، فضلت هذه المنظمات الدولية، خلق البلبلة بين الشعوب، وإثارة الفتنة بين رؤساء الدول، وافتعال الصدام بين الإعلام وأمن الدولة، وتلفيق التهم للمؤسسات والحكومات بدون مبررات أو حجج. الشيء الذي جعل مجموعة من الدول تلجأ للمحاكم الوطنية والدولية، لتفنيد هذه التقارير ودرأ هذه الإشاعات، ومحاسبة المروجين لها.

ولكن ما يبعث عن الاستغراب، هو أن العالم بأسره أصبح اليوم، على اطلاع بأن المجتمعات الإنسانية كلها، تتحكم فيها وسائل التكنولوجيا الرقمية للاتصال والإعلام عن بعد، وأن الانسياق نحو هذه الترهات يعد ضربا من الارتجال والتهور. فشمس الحقيقة لا يمكن حجبها بغربال الشكولاته، وسألخص ما أسردته في افتتاحيتي هاته، بشهادة آلهة وادي السيليكون. ذلك أن رئيس مجموعة HAVAS  الفرنسية المتخصصة في التواصل والإشهار، السيد يانيك بولوري، سافر إلى سان فرانسيسكو للقاء مسؤولي شركة غوغل. فعندما حطت طائرته تلقى رسالة نصية عبر هاتفه النقال، تخبره أن هناك بجانب الفندق الذي سينزل فيه مطعما يابانيا، يقدم السوشي سومون بتخفيض حصري PROMOTION . واستغرب السيد يانيك لهذه الرسالة التي وردته، لاسيما وأن الأكلة اليابانية هي وجبته المفضلة. فلما التقى بمسؤولي شركة غوغل، استفسرهم عن طبيعة ومصدر الرسالة النصية التي وردت عليه. فأجابوه على أنه، منذ نزوله في المطار تم تحديد موقعه، والاطلاع على مذكرته وبريده الإلكتروني، ومعرفة مكان فندقه، وأن السوشي سومون أكلته المفضلة. وعند سؤاله عن مكانة الحياة الخاصة في عملهم، فكان الرد سلبيا، لا مكان ولا اعتبار للحياة الخاصة لمن يستعمل الهواتف الذكية والأنترنيت.

هذه الواقعة أسردها كل من مارك دوغان، وكريستوف لابي في كتابهما l’homme nu. والتي نستشف منها، أن العبث كل العبث، الحديث عن سترة الحياة الخاصة في ظل ملابس مصنوعة من الزجاج الشفاف، ومجتمعات عارية ليس بها أماكن للاختباء والتستر والخصوصية. مما يستلزم فتح نقاش دولي، جدي ومسؤول، لمعالجة هذه الظاهرة الكونية، سواء كصحافيين أو حقوقيين، أو مسؤولين أو مواطنين، او مؤسسات أو دولة، حتى لا يقع لنا ما وقع لصاحب المحفظة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.