الطريق إلى القبّة : رحلة عودة نائب إلى قريته ليحجر تذكرة الرجوع إلى البرلمان مجددا (الحلقة الأخيرة)

0 14

telechargement-9

مشاهد من رحلة عودة نائب إلى قريته ليحجر تذكرة الرجوع إلى البرلمان مجددا.. الحكاية في حلقات

مشهد 15

يصبغ المقهى العتيق بالأزرق.. تتغير ملامحه.. تخزن موائده وكراسيه المهترئة.. تزين جدرانه بلوحات مستطيلة.. زرقاء.. الزرقالاف شعار المرحلة.. يتبوأ السيد النايب مقعدا وتيرا في عمق المقهى.. يقف خلفه رجاله الزرق.. تتحرك ماكينة الأحلام.. نافورة الأوهام.

تركب الأرقام.. ترن الهواتف.. يشيع الخبر في أرجاء السوق.. يتقاطر تجار الأصوات نحو المقهى الأزرق.. يأتي تجار الأصوات بالتقسيط.. أصوات قليلة.. رخيصة.. حائرة.. متناثرة هنا وهناك..نساء في الغالب.. يأتي تجار الأصوات بالحملة.. منتفخين .. واثقين من جودة بضاعتهم..يتقدم أحدهم نحو السيد النايب..

  • عندي خمسمائة صوت .. مضمونة
  • كم تطلب؟
  • ورقتان زرقاوان للصوت.
  • ورقة ونصف.. والدفع بعد التصويت

يتم الاتفاق.. تتوالى الصفقات..يرتفع سهم الأصوات.. يحصي المستشار ثلاثة آلاف صوت.. نسبة مريحة.. لكنها غير مضمونة..

يلجأ السيد النايب وفريقه إلى تعزيز وتحصين المكتسبات.. يوجه تركيزه نحو أرانب السباق.. مرشحي الأحزاب الأخرى..  تصل آلة الإغراء سرعتها القصوى.. يسقط الأرنب الأول..

  • سأنسحب من السباق.. وأتنازل لك على حصتي من السوق..

يتتابع سقوط الأرانب..يسيطر اللون الأزرق على الأجواء.. تحلق أحلام السيد النايب بعيدا.. نحو القبة المصونة..

 

مشهد 16

يأتي اليوم الموعود.. تدق ساعة الحسم.. يفقد المقهى زرقته.. تعود كراسيه، مقاعده المهترئة إلى الظهور.. تمر الساعات.. الثامنة، التاسعة.. تتوالى الدقائق.. الثواني.. اللحظات بطيئة..  لا تزال القرية نائمة.. لا تزال الأبواب مغلقة.. لا حركة في القرية.. يلتفت حوله.. يمسح الأرض بعينين قلقتين.. الأرض مليئة بالأزبال، صوره متراكمة في كل مكان.. تتحرك السيارة السوداء بين الأزقة.. بين الدروب الموحلة.. يصل إلى مقر التصويت.. يصل إلى مدرسة بدون سور، بدون أبواب.. يطوف بالمكاتب.. الصمت مطبق.. المعازل مغلقة الصناديق الزجاجية فارغة.. المشرفون أجساد هامدة.. بدون حراك.. لا يفهم.. لا يصدق ما يرى.. يكاد رأسه ينفجر..تتراكم في رأسه المتعب سيول من الاسئلة.. أين ذهبت تجار الأصوات؟ أين تبخر رجاله الزرق؟ أين أرانب السباق؟ هل ضاعت ثروته الزرقاء؟ هل مات أهل القرية جميعهم؟ هل قاطعوا الانتخابات؟ هل هذا معقول..

تمر الساعات بطيئة..يستعد النهار للانصراف.. يكبر يأس السيد النايب.. يستولي عليه الغضب.. الإحساس بالشماتة.. تحمر عيناه.. تخيم على سماء القرية سحابة سوداء.. ترعد.. تبرق..تهب ريح عاصفة.. تتضاعف سرعتها إلى أقصى الحدود.. يقتلع ما تبقى من أشجار.. يفيض النهر النائم.. يرتفع هديره.. يجرف المدرسة العارية.. الصناديق الزجاجية.. تنجرف القرية بكاملها.. تنجرف السيارة السوداء.. تكبر العاصفة.. يتجبر النهر.. يكتسح السفوح والوهاد.. القرى والمدن.. تقتلع القبة من أسوارها.. تهب الخفافيش.. تأخذ القبة بعيدا..

يصيح السيد النايب.. تنبت له أجنحة.. يطير نحو القبة.. يصارع الخفافيش.. يسقط صريعا.. يئن من الألم.. تسمع زوجته أنينه.. توقظه من الكابوس المزعج.. الفظيع.. يسترجع أنفاسه.. يتلمس زوجته.. فراشه الناعم..يسترخي.. يغادر الفراش.. يطل من الشرفة.. تبدو له القبة.. بيضاء ناصعة..يحييها.. يعدها بالرجوع.. يبتسم في أعماقه للمقعد الوتير.

 

د. محمد طروس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.