المجلس الوطني للصحافة بين مطرقة تأجيل انتخاباته وسندان الدعوة لمساءلته. فما مدى قانونية هذا السجال؟

0 463

بقلم عبد الوافي الحراق

كثر هذه الأيام اللغط والسخط على المجلس الوطني للصحافة عشية اقتراب موعد تجديد هياكله، سيما على خلفية عزمه تأجيل هذا الموعد إلى تاريخ لم يتم تحديده حتى. مما أعاد النقاش الساخن من جديد بحدة هذه المرة، حيث تجاوز تداعيات جدل إحداثه حول جدوى كينونته المهنية وماهيته التنظيمية، إلى ردود أفعال قوية بلغت حد التشكيك في المسؤولية والتلميح بالتخوين والمطالبة بالمحاسبة والمعاقبة.

وبديهيا، أن المواقف الحقوقية والمطالب الاجتماعية والترافعات المهنية، تشكل أحد أسس الديمقراطية في دولة كالمغرب، قطعت أشواطا في مسار دولة الحق والقانون، وجعلت من خاصية ربط المسؤولية بالمحاسبة حقا دستوريا وليس قانونا تنظيميا.

وتبقى التساؤلات الأكثر إثارة وتداولا حول المجلس الوطني للصحافة تلك المرتبطة بقانونه التنظيمي رقم 13/90، هل هو مؤسسة دستوربة أم هيئة مهنية؟ وما هي أنماط وظائفه وحدود مهامه والأهداف التي تأسس لأجلها؟ وما طبيعة الوساطة والتحكيم المنوطة به؟ وهل مقرراته التحكيمية نهائية أم قابلة للطعن بالمحاكم المغربية؟ وإذا كانت كذلك (قابلة للطعن بالمحاكم المغربية) فما الجدوى من تبذير الجهود وتضييع الوقت لاستصدار أحكام غير مجدية ومقررات غير ملزمة ، سيما عندما يتعلق الأمر بأحكام مصيرية يتوقف عليها مستقبل الصحفي المهني؟ وهل مهمته تنحصر في منح البطائق المهنية للصحافة؟ وهل هذه البطاقة إجبارية قانونا على الجميع، أم فقط هي لمن يطلبها؟ وهل تجب محاسبة المجلس من طرف المجلس الأعلى للحسابات؟ وماهي الجهة المخول لها القيام بذلك؟

أسئلة وأخرى سنجيب عنها ضمن سلسلة من الحلقات التي ستبثها قناتنا صوت الحقيقة الإلكترونية، كما سنخصص حيزا من المقالات في هذا الموضوع لتنوير الرأي العام المهني والوطني. وسنكتفي في هذه المقالة بالوقوف على قضية تأجيل انتخابات المجلس الوطني للصحافة، ودعوة بعض الجهات المهنية والمهتمة إلى المطالبة بمساءلته وتفحيص ماليته.

بالنسبة لقضية تأجيل الانتخابات، فإن المكتب المسير للمجلس الوطني للصحافة من حقه تأجيل موعد الانتخابات، على غرار الاستحقاقات الوطنية، والجموع العامة للأحزاب والنقابات والمنظمات، التي تؤجل مواعيد انتخاباتها وتجديد مكاتبها بغاية توفير الظروف الملاءمة لانعقادها، خاصة إذا تعلق الأمر بتعديل القوانين التنظيمية والأساسية. شريطة أن يتم تضمين ذلك في محضر موقع من طرف أغلبية أعضاء المكتب التنفيذي المسير، وإبلاغ السلطات المعنية برسالة مضمونة بذلك، وألا تتجاوز مدة التأجيل 6 أشهر على أكثر تقدير. وهذه المدة بدورها ليست قانونا تنظيميا صريحا، وإنما يمكن فقط الاستئناس به كقياس واجتهاد من خلال المادة 9 من القانون 13/90، التي تنص على أن في حالة تعذر المجلس عن القيام بمهامه بسبب امتناع اغلبية أعضاءه عن الحضور، يتم العمل على تنصيب مجلس جديد في أجل أقصاه 6 أشهر. لذلك فإن تأجيل موعد انتخابات المجلس الوطني للصحافة لا يعتبر خرقا للقانون كما يعتقد البعض، على اعتبار أن المجلس هو عبارة عن هيئة مهنية يحكمها قانون الهيئات الغير الحكومية. مثله مثل هيئة المحامين، مجلس الخبراء والمحاسبين، الهيئة الوطنية للموثقين، المجلس الوطني للطبيبات والأطباء، وغيرها من التنظيمات المهنية.

كما أن المجلس يمكنه تمديد صلاحيته وانتداب أعضاءه لولاية ثانية، غير قابلة للتجديد مرة أخرى، وفق ما ينص عليه قانونه التنظيمي 13/90 في مادته السادسة. بطبيعة الحال شريطة موافقة أغلبية اعضاءه وإصدار قرار إداري معلل يتم نشره ورفعه الى الجهات المعنية الرسمية. لأن المشرع لم يفصل بتدقيق في عملية انتخاب المجلس وتجديد مكتبه، سواء على المستوى النظام الداخلي للمجلس المحدث بمرسوم قانون رقم 2.19.896 أو المادة 54 من القانون 13/90، التي اختزلت عملية انتخاب المجلس في إحداث لجنة مشرفة، تتولى الاعداد التقني واللوجستيكي لعمليات الانتخاب (…). وما تبقى من المقتضيات في قانون المجلس الوطني ونظامه الداخلي ارتكزت بشكل مستفيض عن إجراءات مسطرية لعملية الانتخاب وشروطه، بالنسبة للراغبين للترشح لعضوية المكتب أو الناخب الذي له الحق في التصويت.

أما فيما يتعلق بالمطالبة بتفحيص مالية المجلس الوطني للصحافة، ودعوة المجلس الأعلى للحسابات لمساءلته، اعتقد ان هذا المطلب سابق لأوانه، ويبدو انه، ينم إما عن جهل بالقواعد المؤطرة للتنظيمات المهنية، او على خلفية الصراعات والحسابات الضيقة. ذلك أن المجلس الوطني للصحافة لم تنتهي صلاحيته بعد، حيث عمل على تمديد فترة ولايته من أجل تسوية وتعديل بعض القوانين التنظيمية والتشريعية، حسب ما أقرته غالبية أعضاء مجلسه. ثم أن المجلس لم يقدم بعد تقريره الأدبي والمالي، فكيف يمكننا الوقوف على اختلالاته المالية والاطلاع عليها ومقارنتها ببعضها، في غياب أي مستند أو تقرير مالي بين أيدينا نبني عليه فرضيتنا وشكوكنا؟. ثم ما هي الدواعي من وراء التلويح بالمحاسبة والمطالبة بتمحيص مالية المجلس، ونحن لا نملك أي تصريح لميزانية هذا الأخير، ولو برقم مالي جزافي معتمد بشكل رسمي ضمن تقرير ميزانيته العامة؟.

علما أن قانون المجلس الوطني للصحافة ينص في مادته 22، على وجوب عرض وتقييم مالية وحسابات هذا الأخير كل سنة، على نظر خبير محاسب مقيد بصفة قانونية في جدول هيئة الخبراء المحاسبين. وذلك للتأكد من الوضعية والذمة المالية للمجلس، وصحة وصدق بياناته المحاسبية. كما أن الخبير المحاسب مطالب بوضع تقرير سنوي حول مالية المجلس، ورفعه إلى رئيس المكتب المسير، وإرسال نسخة منه للمجلس الأعلى للحسابات قبل 31 مارس من كل سنة.

والظاهر أن رغبة هذه الجهات بمحاسبة ومساءلة المجلس في هذا التوقيت بالضبط يعد حملة انتخابية قبل الأوان، ويعتريها التضليل والابتزاز والتشكيك والتخوين، ويشوبها سوء النية المحكوم بمبدأ “خوك في الحرفة عدوك”. ويحركها هاجس السباق نحو الكراسي. فلو كانت الرغبة صادقة بالفعل في رفع المبدأ الدستوري الذي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكانت هذه الجهات بادرت قبل ذلك إلى مساءلة التنظيمات الإعلامية والمؤسسات المهنية الأخرى، التي توالت انتخاباتها وصلاحياتها وتجددت مكاتبها على مدار تاريخ طويل دون المطالبة بمساءلتها من أية جهة، بخلاف المجلس الوطني للصحافة الذي بالكاد يقضي 4 سنوات كأول مدة لصلاحيته وأول دورة لولايته. فعلى سبيل المثال لا الحصر :

–           لماذا لم تتم المناداة بمساءلة اللجنة الثنائية التي صرفت ومنحت الملايير لبعض المقاولا ت الإعلامية بعينيها دون أخرى على مدار 18 سنة؟

–          ولماذا لم تتم مطالبة المجلس الأعلى للحسابات بمحاسبة هذه المقاولات الإعلامية التي تلقت هذه الملايير وأصبح أربابها ومدراءها أثرياء فوق المهنة، يركبون السيارات الفخمة ويدخنون السكار ويقطنون الفيلات والقصور والفيرمات، بعدما كانوا يسكنون منازل الكراء ويركبون الحافلات وأفضلهم كان يمتلك دراجة نارية من نوع بيجو 103 ويدخنون سيجارة الماركيز بالديطاي، ولم تتم لغاية اليوم، مساءلتهم من أين لك هذا؟

–          ولماذا لم تتم مساءلة وكالة المغرب العربي للأنباء التي تتلقى الدعم بملايير السنتيمات وملايين الدراهم على امتداد تاريخ قطاع الإعلام بأكمله ببلادنا؟ وكذلك مساءلة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والمركز السينمائي المغربي وغيرها من المؤسسات المهتمة بمجال الإعلام والصحافة والإنتاج السمعي البصري.

للأسف، أن بعض الأشخاص عندما تضيع منهم محفظة نقودهم في زقاق مظلم، فيذهبون للبحث عنها في زقاق آخر به الإنارة، هذا حال بعضنا. والواقع، كان على هذه الجهات المشككة والمشوشة، انتظار التقرير المالي والأدبي للمجلس الوطني للصحافة، والمطالبة بعدها في حالة الشك بالمساءلة. وهذا حق يكفله الدستور.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.