تدوينة الأسبوع : اخترنا لكم هذا الأسبوع تدوينة الدكتور مصطفى بن علي رئيس حزب جبهة القوى الديمقراطية على صفحته الفايسبوكية.

0 176

تحرير النزعة الإنسانية الكامنة في تراثنا الديني…

اعتداء عصابة، مدججة بالعصي، على امرأة شابة، كانت رفقة رجل، في   يوم رمضاني، بحوز آسفي، عمل شنيع ومدان. وهو يذكرنا بالكثير من الأحداث المشابهة، أشهرها ما حدث لفتاتين، دخلتا ذات رمضان، سوقا شعبيا بانزكان،  بلباس أبيض “غير محتشم”، صنعته شركة La coste  للاعبات التنس، ما جعل الباعة يقيمون عليهما ” شرع اليد”، في صورة لا تقل همجية، عن صورة فتاة آسفي، كما عايناها، في فيديو يوثق الفعل الإجرامي، الذي قام به قرويون شباب …

شخصيا، لا اكتفي بطرح السؤال التلقائي، الذي يتبادر للذهن بعد مشاهدة دماء الفتاة المتسايلة، في محاولة استجلاء مصدر العنف والهمجية،  التي تعبر عنها مثل هذه الأحداث، التي تتفجر في شهر العبادة والتسامح، بل اتجاوزه لطرح سؤال آخر مقلق.

فإذا كانت تغريدة واحدة نسبت لرجل تعليم، بشمال المغرب، البعيد، كل البعد، جغرافيا عن منطقة عبدة، تؤكد أن ما نتلقاه في قنوات التنشئة الإجتماعية، في الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والشارع، وغيرها، هو مصدر وسبب العنف والحقد، الذي تعبر عنه مثل هذه الأحداث؛ فإن السؤال الذي يشغلني، هو لماذا هذه العلاقة المقيتة، التي تصدمنا في واقعنا، كلما تعلق الامر بالجسد، سيما إذا كان جسد امرأة؟؟؟

والواقع أن مساءلة الجسد ليست حكرا على المسلمين، ولا على من يعيشون معهم، بل هي تمرين معرفي مطروح على البشر بدون استثاء. ذلك أن التعاطي مع الجسد واستعماله هو تعبير عن إنتاج ثقافي وحضاري،  فحركات الجسد، ولباسه، وعريه، وحليه، وهيئته بشكل العام، هو تجسيد للمعاني، المغروسة في الوعي الفردي والجماعي، لمجتمع ما، والتي، على أساسها، تتحدد ثقافته وسلوكه.

لكن مساءلة جسد المرأة، في مجتمعنا، تأخذ أبعادها مما يعنيه هذا الجسد، كباعث للإغواء، والفتنة، والفوضى. ما يسلط عليه أنظار الجميع، انطلاقا من الفقهاء، ووصولا الى الرعاع، في محاولات لتحديد وضبط تحركاته، ومجال حركته، وبالتالي حجبه، حجبا للفوضى التي تحدثها حرية جسد انثوي، في مجتمع ابوي ذكوري.

لذلك، فلاغرابة، أن يغترب هذا الجسد، في مجتمعاتنا، في غياهب معتقداتنا، وترسباتنا، جميعا، رجالا ونساءا، بشكل صدقت معه النساء انهن، بحكم طبيعتهن الهشة، أقل شأنا من الرجال.

ولو تمعنا، في مسارعة فتاة آسفي إلى تغطية رأسها، عوض أن تمسح الدماء المتسايلة من أنفها، وهي تتعرض للتعنيف الهمجي، لادركنا الوقع الكبير للباس في تمثلات المرأة عن نفسها، وفي تمثلات الرجل عنها.

فحجب جسد المرأة، وبقطع النظر،  على أنه مسألة خلافية، في اجتهادات علماء المسلمين، لا أدري هل هو موجه ضد المرأة أم الرجل؟؟

فهل حجب المرأة/ الأنثى لجسدها، اذا كان تعبيرا عن قناعة ذاتية،  هو تجسيد لرؤية المرأة لنفسها ولجسدها، كعورة تثير الفتنة، وبالتالي يتعين حجبه…؟؟؟

أم أن حجب جسد المرأة هو تعبير عن ريبة وجودية من الرجل/ الذكر، الذي ينبغي مواجهته بعجزه الدائم عن كبح غرائزه، كما الحيوان، عبر حجب رؤيته لجسد المرأة…؟؟؟

مهما يكن، فما ننقله للأجيال المقبلة عن تصورنا لجسد المرأة، كما يبدو لي، على الأقل، متخلف، وبمقدار سنوات ضوئية، في زمن العولمة والثورة التكنولوجية، عما بلغه ركب الإنسانية في الموضوع. وهو تخلف يطرح على، نخبنا الفكرية والدينية، مهاما مستعجلة، ترتبط بتحرير النزعة الانسانية الكامنة في تراثنا الديني…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.