تصريحات ناصر بوريطة في شأن تداعيات النزاع الليبي، قد تكون غير محسوبة، وتطرح تساؤلات حول إشكالية الخطاب الديبلوماسي.

0 144

عبد الوافي حراق.. صوت الحقيقة.
في خطوة غير محسوبة، ومجهولة التداعيات، خرج بالأمس وزير الخارجية السيد ناصر بوريطة، مرة أخرى، بتصريح يستنكر فيه التدخل الأجنبي في ليبيا. واصفا إياه بالوقح. وبطبيعة الحال يقصد بذلك الدعم الذي تقدمه الإمارات والسعودية لحفتر، والتدخل العسكري الصريح المعلن لكل من تركيا التي تقف إلى جانب حكومة السراج، ودولة مصر المساندة للطرف الثاني في النزاع. وكذلك بعض الدول الأوروبية التي تداولت مصادر إعلامية من داخل بلدانها تورطها بشكل غير مباشر، من خلال سياسة الكيل بمكيالين تجاه الصراع الدائر بين السراج وحفتر. وفي مقدمتها فرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا، المشاركون في المؤتمر المنعقد ببرلين يوم 19 يناير 2020.

حقيقة أن هذا التصريح الذي أدلى به السيد بويرطة يعكس بحق موقف غالبية الشعب المغربي، وهو الشعور المشترك بين كافة الشعوب العربية. لكن دبلوماسيات غالبية الحكومات في الوطن العربي، بالرغم من أن لها نفس القواسم المشتركة، لم تنزلق إلى تبني مثل هذه المواقف المؤيدة جهرا لطرف على الآخر. وتفضل عادة الوقوف بحياد، على مسافة متساوية بين طرفي النزاع، دون تجريح أو إساءة لأي طرف وان كان خارجيا. وذلك لاعتبارات سياسية وديبلوماسية، تضع مصالح بلدانها وعلاقاتها الاستراتيجية في مقدمة أولوياتها. وهو الموقف الذي اتخذته الجزائر، التي حاولت استغلال الصراع الليبي والأطراف اللاعبة فيه لصالحها. حيث بادرت بعد قمة برلين إلى عقد مؤتمر بالجزائر، سجلت من خلاله نقطين ديبلوماسين. الأولى مزاحمة المغرب على مؤتمر الصخيرات، حتى لا يبقى وحده بارزا في خريطة الشؤون الديبلوماسية المغاربية. بالرغم من محاولة وزير خارجيتها تبرير مبادرة بلاده في الجلسة الافتتاحية لمؤتمرها،على أن الجزائر “لا تسعى لمنافسة أية مبادرة لحل الأزمة الليبية”. وهو يعني بذلك مبادرة الصخيرات. والنقطة الثانية التي أحرزتها الجزائر، هي التوغل في الساحة الدبلوماسية. ولا يهمها في ذلك المنتصر من المنهزم في هذا الصراع، مادامت نتيجته في النهاية حتما ليبية، بقدر ما يهمها وضع موطأ قدم في التوازنات الاستراتيجية الإقليمية مع الأطراف الخارجية للنزاع.

فماذا لو انهزم السراج، وانتصر حفتر واستولى على الحكم في ليبيا؟ ونحن ندرك التداعيات السياسية التي قد تنتج عن هذا التحول في الأحداث بالمنطقة، وانعكاساتها على القضايا الوطنية والوحدة الترابية، وأمن حدود دول الساحل والصحراء. وعلى الشراكات الماكرواقتصادية، والتفاعلات السياسية الإقليمية. إذ كان على حكومة سعد الدين العثماني، كيفما كانت المواقف والتجاذبات والتطورات في النزاع الليبي، التصرف بحكمة ووضع بعين الاعتبار الخواتم المترتبة عن هذا الصراع، وعدم التضحية بالعلاقات الديبلوماسية التي لا تخدم مصالح المغاربة. وربما قد تستغلها ديبلوماسية الجزائر لصالحها، في نزاعها المفتعل ضد وحدتنا الترابية. لاسيما أن من بين المعنيين بتصريحات بوريطة دولا كان لها مع المغرب، سوابق في مواقف مشابهة. ومنها الحرب على اليمن. وهو ما كاد سيعصف حينها بالعلاقات المغربية مع هذه الدول، التي بادرت إلى الترويج دون استحياء إلى الأطروحة الانفصالية للبوليزايو، انتقاما وضدا على تلك التصريحات والمواقف. ولولا التدخل الحكيم للسلطات العليا في البلاد، لكانت هذه التصريحات الغير المحسوبة للحكومة المغربية، قد عصفت بالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية للمغرب مع حلفاءه الاستراتيجيين.

ويبدو أن السياسة الخارجية للحكومة المغربية، مازالت تعاني على مستوى الكفاءات والأطر الدبلوماسية في الشؤون الخارجية. حيث أن الحكومات المغربية، خاصة تلك المتعاقبة بعد الربيع العربي، كادت تصريحات بعض وزراءها أن تهدم مجموعة من العلاقات الديبلوماسية والتحالفات الاستراتيجية للمملكة المغربية. أولاها كانت تصريحات بنكيران حول تدخل روسيا بشأن سوريا، حيث اضطرت معها وزارة الخارجية إلى إصدار بيان تؤكد فيه أن : ” المملكة المغربية تحترم دور وعمل فيدرالية روسيا بخصوص هذا الملف، كما هو الشأن بالنسبة لقضايا دولية أخرى … ولا يمكن لهذه المواقف، ….. أن تعبر عن وجهات نظر شخصية”. ويعني البيان، وجهة نظر رئيس الحكومة آنذاك السيد بنكيران. وآخرها حكومة العثماني الحالية، في شخص وزير خارجيتها السيد ناصر بوريطة، الذي لم تكن تصريحاته حكيمة ودبلوماسية، حين وصف التدخل الأجنبي في النزاع الليبي بالوقح. في الوقت الذي كان عليه تأكيد صياغة موقف المغرب في مؤتمر الصخيرات، الذي اعتبر أن النزاع الليبي هو شأن داخلي بين الليبيين، دون إشارة إلى تجريح أية جهة داخلية أو خارجية، والتركيز على مطالبة الأطراف المتناحرة بنزع السلاح، ووقف إطلاق النار، واعتماد الحل السياسي. وتأييد الحكومة الشرعية مع ضرورة جلوس الطرفين معا إلى مائدة الحوار. وهو خطاب متداول حتى في أوساط الأمم المتحدة. وذات الخطاب أعلن عن جزء منه اليوم الرئيسان التونسي والجزائري، في الندوة الصحفية المنعقدة على هامش قمة التعاون الثنائي المشترك، التي جمعت بينهما بالجزائر.

فكل دولة لها الحق في التعبير والتعليق على مواقف وتصرفات بعض الدول. لكنها، دبلوماسيا، لا تصل إلى حد توظيف مصطلحات من قبيل “الوقح”. لاسيما إذا كانت لا تعنيها بشكل مباشر. ويذكر أنه على هامش الاجتماع الثامن لإحدى اللجان بالاتحاد الافريقي المهتمة بشأن ليبيا، المنعقد بالكوننغو برازافيل، أكد السيد الوزير بوريطة للسيد عبد الهادي الحويج وزير خارجية حفتر، أن المغرب “يقف بقوة ضد التدخل الأجنبي الوقح في ليبيا”. كما أنه، حسب بلاغ نشرته وزارة حكومة الوفاق على صفحتها في الفايسبوك، أن السيد ناصر بوريطة، أبلغ كذلك السيد محمد الطاهر سيالة وزير الخارجية حكومة الوفاق في اتصال هاتفي، أن “المملكة المغربية تتطلع للتعاون المثمر بين البلدين، معلنا – حسب ذات البلاغ – رفض بلاده الكامل للتدخل الخارجي الذي وصفه بالوقح”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.