سرقة الأغنام بمناسبة عيد أضحى سببها الارتجالية في التدابير الحكومية واتخاذ القرارات الفجائية.

0 89

صوت الحقيقة … عبد الوافي الحراق

ما جرى بمدينتي الدار البيضاء وفاس، لا يمكن إرجاؤه إلى دواعي سياسية أو قبلية أو انهيار اقتصادي أو استبداد وانعدام الديمقراطية. وحتى لا نزايد على هذه الفعل الإجرامي، الذي يعد اعتياديا وإن حاول البعض ربطه بالحراك الاجتماعي. فإننا سنضع هذه الأحداث تحت مجهر محايد ومنطقي. بعيدا عن الأنا الدوغمائية، والصراعات الإيديولوجية والحسابات السياسوية.

إن السبب المباشر في اندلاع هذه الأحداث الاجرامية ليس هو الجوع أو الانفلات الأمني أو انتشار الجريمة، أو ثورة ضد القمع والاستبداد وما إلى ذلك من المصطلحات الغليظة التي يتم توظيفها في غير مكمنها لأغراض سياسوية، وإنما هو واقع أملته سياسة حكومية عشوائية غير قادرة على تدبير الأزمات الوطنية. وفي مقدمتها الأزمة الصحية كورونا.

للأسف أن بعض التحاليل ذهبت بعيدا عن الموضوعية إلى حد توصيف الأحداث بثورة الجياع، وتمة من وصفها بالانفلات الأمني، وهناك من أرجأها إلى الاحتقان السياسي وآخرون بلغت تحاليلهم خطوط نعث هذه الأحداث بمقدمة ثورة ضد نظام الدولة.

والواقع أن توصيف هذه الأحداث التي وقعت في أسواق الأغنام بثورة الجياع مجانب للحقيقة، فلحد الآن في هذا البلد المغرب السعيد، يمكننك الخروج في أية ساعة، حتى في جوف الليل، وتملأ بطنك عند أقرب محلبة، بخبزة مع بيضة وزبدة وكأس الشاي بأقل من 4 دراهيم. هذا إذا كنا نتحدث عن الجياع، أما الكلام عن الشهيوات من لحم ودجاجة وغيره فهذا لا يدخل في توصيف أو تصنيف المجاعة والجياع، وإنما يعتبر ضمن حالات الفقر والعوز. وهي أوضاع اجتماعية تغزو العالم باسره، ولم يسلم منها أي بلد مهما بلغت حضارته وتقدمه وصناعته واقتصاده. ومن يقول غير ذلك فلا اعتقد انه يعيش في هذا العالم الذي يعج بالتناقضات الاجتماعية.

كما أن المغرب يتمتع باستقرار سياسي مطمئن، بشهادة المستثمرين الأجانب الذين جعلوا منه قبلة للاستثمار في مشاريع كبرى وميادين صناعية وتجارية وخدماتية مختلفة. أما على المستوى الأمني فلا أحد يجادل بان المغرب “حادك في الأمن”، حيث تصنف سياسة أمنه عالميا ضمن الدول الأوائل في التدبير الأمني، خاصة فيما يرتبط بمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات.

إذن، لا داعي للمزايدات المجانية، والتحاليل المحشوة بالخلفية السياسية أو الاجتماعية. ودعنا نعالج ما حدث بأسواق بيع الأغنام بالدار البيضاء وفاس، بموضوعية وحيادية وجدية ومعقولية. واعتقد حسب وجهة نظري المحايدة والمستقلة، أن السبب الرئيسي والمباشر هو جائحة فيروس كورونا، وعبثية سياسة حكومة سعد الدين العثماني، في تدبير تداعيات وباء كوفيد 19 الصحية والاجتماعية. ولنا أمثلة كثيرة على ذلك، لازالت منصات التواصل الاجتماعي شاهدة عليها بالصوت والصورة. منها على سبيل المثال لا الحصر إشكالية الكمامات، التي قال عنها في البدء عندما كنا نعاني نقصا حادا منها، على أنها غير ملزمة ولا علاقة لها بالوقاية من وباء كورونا،. ولما توفرت بفضل الإنتاج المحلي صرح على أنها ملزمة وضرورية. بل وأصدرت حكومته قانونا يفيد منطوقه بمعاقبة كل من لا يستعمل الكمامات بالسجن والغرام. وكان نقص الكمامات في البداية قد خلف توثرا حادا لدى الرأي العام الوطني أكثر مما خلفه قانون تجريم عدم مستعمليها.

كما أن استصدار قانون تجريم حرية التعبير على منصات التواصل الاجتماعي في عز تطبيق الحجر الصحي، كان قد خلف سخطا عارما وغضبا جامحا لدى الشعب المغربي، بمختلف مشاربه الاجتماعية. فترتب عنه تداعيات امتدت إلى الرأي العام الدولي، لاسيما منه الإعلامي والحقوقي.

وهذا يؤكد على ارتجالية التسيير وعشوائية التدبير لرئيس الحكومة في التعامل مع التطورات اليومية لجائحة كورونا، وغياب استراتيجية واضحة أو سياسة منضبطة، على الأقل على المدى المتوسط للقضاء على هذا الفيروس كوفيد 19. وقد أكد ذلك السيد الوزير الأول بعظم لسانه أثناء جوابه على إحدى الأسئلة التي طرحت عليه في مجلس النواب، حيث أقر على أن حكومته ليس لديها أي سيناريو واضحا على المدى القريب للحد من تفشي جائحة كورونا.

لذلك فالقرار الذي تم اتخاذه في آخر لحظة، وأرغم الشعب المغربي على تطبيقه في ظرف زمني قياسي وجيز، والرامي إلى إغلاق بعض كبريات المدن المغربية، عبأ الطريق للوثر الاجتماعي، لاسيما وأن أغلب المواطنين كانوا يفضلون عدم الاحتفال بعيد الضحى. فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام إكراهات القدرة الشرائية للاحتفال بعيد الضحى، وتعسف قرار حظر السفر إلى “لبلاد” مدن مسقط راسهم للاحتفال مع عائلتهم بطقوس هذا العيد. والتي في الغالب لا يزورونها إلا في مثل هذه المناسبات الدينية.

وبالرغم من مصائب تداعيات كورونا الاجتماعية التي أضعفت القدرة الشرائية للمواطن، وأحالت نسبة كبيرة من المستخدمين على البطالة، حيث ارتفعت نسبة هذه الإحالة من 9 إلى 15 في المائة. بالرغم من ذلك لم تراعي حكومة سعد الدين العثماني هذه الظروف الاجتماعية. فأصدرت قرارا بغلق كبريات المدن المغربية ومنها فاس والدار البيضاء، وهو ما تسبب في عرقلة تنقل الشاحنات المحملة بالأغنام، وتقليص انسياب حركة رواج سوق الخرفان، وقلة العرض في توفير عدد رؤوسها الكافي لهذه المدن المحظورة من السفر من وإليها. مما سبب دعرا في الحس الاجتماعي لدى المواطن، وأثار مخاوفه حول انخفاض العرض. خاصة وأن حديثا موازيا انتشر كالنار في الهشيم عن قرار آخر سيعقب مباشرة عيد الأضحى، يفيد بإعادة المواطنين إلى الحجر الصحي بسب الارتفاع المهول في نسبة الإصابة بالوباء التي تجاوزت 1000 إصابة.

ويتضح مما سبق، على أن الحادث الذي وقع في أسواق بيع الأغنام بكل من مدينة الدار البيضاء وفاس، لا علاقة له بالتوصيف الذي روج له البعض بثورة الجياع أو العصيان المدني، وما إلى ذلك من عبارات تستهدف النيل من استقرار المغرب والتشويش على أمنه.  وأن ما وقع لا يخرج عن طبيعة الوقائع الجنائية، التي تشبه ما يحدث من تخريب للأملاك العمومية والخاصة من طرف مشاغبي الملاعب الرياضية. كما أن هذا الفعل الإجرامي قد يحدث في أية دولة أخرى، كما حدث في الولايات المتحدة أثناء تفشي وباء كورونا. حيث عمد بعض الأمريكيين إلى اقتناء السلاح استعدادا لحماية أنفسهم من الأفعال الإجرامية، التي قد تترتب على مثل هذه الحوادث الصحية، أو الكوارث الطبيعية أو المظاهرات الاجتماعية. وهذه الدولة العظيمة ديمقراطيا وصناعيا وعلميا، التي تمثل 5 في المائة من سكان العالم، تتصدر أكبر نسبة تفشي الجريمة، ب 25 بالمائة من مجموع الجرائم دوليا، أي بنسبة 1 جريمة من 4 جرائم.

لذلك، فالدوافع الرئيسية لما وقع بالدار البيضاء وفاس، كانت وراءها قرارات ارتجالية لحكومة العثماني وسياستها العبثية، التي ساهمت في خلق أجواء قابلة لوقوع مثل هذه الحوادث، التي يتغدى منها ذووا السوابق العدلية، والمنحرفون والمخلون بالآداب والأخلاق العامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.