في كل عام جديد، تتجدد مأساة المواطنين مع الصحة والتعليم، والحكومة تعالجها بلقاح الوعود والتضليل.

0 176

ع. الحراق . صوت الحقيقة

ها نحن نعود ثانية نصطف على الخط الذي ننطلق منه كل سنة، نعيد نفس السباق الزمني، ذات الأحداث والوقائع تجري حظها، وذات القضايا والهموم والأزمات تجدد نفسها، نودعها كل سنة على أمل أن نتخلص من ويلاتها، لكنها تأبى إلا أن تطل علينا بنفس التسويف والوعود البراقة. التي لا تتجاوز سقف الانتظارات والتحديات والإكراهات.

في كل عام تتم إعادة صياغة برامج حكومية وقرارات سياسية وإدارية ومشاريع مالية. متطابقة ومتشابهة في مضامينها وأهدافها، لا تتغير إلا أدوار ومواقع الفاعلين، الذين يفرضهم إما التعديل الحكومي أو حملات إعادة الانتشار الإدارة العمومية، أو الغضبات الملكية. وبالنظر إلى السنة الفارطة، ومشروع مالية 2019، وما نحن مقبلون عليه في هذه السنة الجديدة 2020 بحول الله، نجد على أن الحكومة قد أولت اهتماما بالغا للقطاعات الاجتماعية، لاسيما منها المرتبطة بالصحة والتعليم. حيث رصدت 68 مليار درهم لقطاع التعليم، و16.3 مليار درهم لقطاع الصحة. ضمن مشروع مالية 2019. مقابل 91 مليار درهم لمجموع ميزانية القطاعين لسنة 2020. علما أن سنة 2019 هي نفسها عرفت ارتفاعا وزيادة لميزانية القطاعين الاجتماعيين مقارنة مع سنة 2018.  فهل هذه الميزانيات الضخمة للدولة والزيادات التي تعرفها المشاريع المالية في كل سنة جديدة لقطاعي التعليم والصحة، كفيلة بالحد من نزيف معاناة الشعب المغربي مع هذين القطاعين المرتبطين بحياته اليومية؟ وهل هذه التدابير الحكومية استطاعت معالجة على الأقل القضايا والمشاكل التي تمت برمجتها من طرف الحكومة في السنوات السالفة لتحسين الخدمات الأساسية للمواطن والحد من الفوارق الاجتماعية؟

بالنسبة لقطاع التعليم، انطلقت ميزانية سنة 2019 وهي تستنسخ نفس المعاناة وتسحب وراءها ذات القضايا والأحداث. ابتدأت باحتجاجات التلاميذ على تغيير توقيت الزمن المدرسي، الذي فرضته عليهم الحكومة في عز برودة وصقيع شتاء شهر يناير، بإضافة ساعة إلى الزمن المدرسي، أرغمتهم على الولوج إلى أقسامهم في ظلام الصباح والخروج منها في سواد المساء. وهو ما تسبب في ارتباك على مستوى السير العام للتحصيل الدراسي، وزاد من آلام المدرسة العمومية. وطال هذا الارتباك الزمني حتى أسر وعائلات التلاميذ الذين وجدوا صعوبة في ضبط أوقات عملهم مع أوقات أبنائهم المدرسية. بعد أن كانوا يصارعون معاناتهم مع الساعة الإضافية الصفية التي رفضت شمسها الغروب من سماء حكومة الاسلاميين. ومازالت الاشكالية مطروحة حتى في مطلع سنة 2020. حيث نظمت فئات عريضة من الشعب المغربي في بداية هذا الشهر، حملات جمع التوقيعات لإسقاط الساعة الإضافية على منصات التواصل الاجتماعي.

كما استهلت هذه السنة الجديدة وثيرتها على نفس الإكراهات والتحديات التي تواجه التعليم عامة والمدرسة العمومية خاصة. إذ مازالت اشكالية الأساتذة المتدربين والمتعاقدين تلقي بضلالها على طاولة الحكومة. وليست ثمة أية انفراجات واضحة في الأفق لتشغيل هؤلاء الأساتذة. علما أن المؤسسات التعليمية تعاني نقصا هائلا من الأطر التربوية، واكتظاظا مفرطا للتلاميذ داخل القسم الواحد، الذي يصل في بعض المدارس إلى أكثر من 50 تلميذ. في حين أن باقي أقسام المدرسة، فارغة نتيجة النقص المهول في الأطر. وذات التداعيات والمعاناة تنعكس على السير العام للمنظومة البيداغوجية. هذه الأخيرة جعلت من الفشل الدراسي والهذر المدرسي والانقطاع والرسوب عنوانها الدائم. وقد ازدادت بنية هذه التعلمات تصدعا ومتاهة أثناء إحداث مشروع القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي عرف نقاشات حادة وتناقضات فارقة إلى حد التصدعات بين الكثل والأحزاب السياسية والفرق البرلمانية. لاسيما منه الجدل العقيم بين الفرنسة والتعريب، حول تحديد لغة تدريس العلوم. وهذه المعاناة والقضايا ومثيلتها مازال شبح جدلها العميق قائما حتى اليوم، يطارد التعليم لأكثر من عقدين ونيف، بدءا بالمخطط الاستعجالي الفاشل، مرورا ببرنامج رؤية 2015 – 2030 الخامل، وصولا إلى مشروع التعليم الأولي الواشل.

أما بالنسبة لقطاع الصحة، فقد أعلنت الحكومة في بداية السنة الماضية  ضمن برنامجها الحكومي ومشروع ماليتها لسنة 2019 عن حزمة من أنصاف مشاريع وبرامج قطاع الصحة، تكاد لا تختلف عن سابقتها في الوعود والأرقام والتطلعات. حيث التزمت بتفعيل مخطط الصحة 2025 لتعزيز البنية التحتية الصحية والطبية، وبناء وتجهيز المراكز الاستشفائية الجامعية، بمجموعة من المدن المغربية، وتوفير الموارد البشرية، من خلال إحداث 400 منصب للتوظيف بوزارة الصحة. وتمكين المواطن من الولوج إلى الخدمات الصحية والعلاجات الطبية وتوفير الأدوية.

ولكن هذه الأرقام والبرامج والمشاريع الحكومية لا تعكس بحق الواقع المجتمعي المعاش، الذي يرصد معاناة الشعب المغربي لا حصر لها مع قطاع الصحة، تصل إلى حد غياب أبسط شروط العلاج والخدمات. تتجلى في ظروف الاستقبال الاستشفائي السيئة الوضع، وغياب التجهيزات واللوازم الطبية وعلى رأسها السكانير، والاكتظاظ الهائل في الغرف الاستشفائية. لدرجة أصبح مألوفا مشاهدة نساء حوامل يضعن أمام ابواب ودهاليز المستشفيات. ونقص في الأدوية المجانية، واختفاء بعضها من الصيدليات خاصة منها المتعلقة بالأمراض المزمنة والعصبية. وآخرها الأزمة التي تعيشها المراكز العمومية في الشمال مع مطلع السنة الجديدة 2020. وقلة الأطر الطبية والموارد البشرية. والاحتجاجات المتتالية طيلة سنة 2019. ونزيف استقالات الأطباء الذي تجاوز 1000 طبيب عمومي و200 طبيب مختص. وهجرة ما يناهز 8000 طبيب إلى فرنسا وحدها، دون احتساب باقي الأطباء الذين هاجروا إلى بعض دول أوروبا وأمريكا واسيا. مما سينتج عنه لامحالة حسب التقرير الذي نشرته المجلة البريطانية BMJ، ارتفاع نسبة وفيات الأطفال والأمهات. كما قد يؤدي إلى نقص في الأطر الطبية وضعف في توفير الخدمات الصحية والعلاجات، ويهدد بانهيار وشلل للمنظومة الصحية ببلادنا.

ففي كل سنة جديدة، برامج حكومية ومشاريع مالية. وفي كل ولاية، استحقاقات وحكومات متعاقبة، وإن اختلفت في إيديولوجياتها وسياساتها، فإن لها استراتيجيات وشعارات متطابقة، مرفوعة بعناوين وعبارات متشابهة. من قبيل : تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، إرساء آليات الحماية الاجتماعية، تعزيز الثقة وإعطاء دينامية جديدة للاستثمار والمقاولة، توفير الشغل وتحسين الدخل وتأهيل الطبقات الوسطى. وهي في جوهر الواقع، شعارات مضللة ووعود كاذبة وتطلعات زائفة. حيث في كل عام، يجد المواطن نفسه في مواجهة ذات المعاناة مع التعليم والصحة، ويصارع آفات الفقر والتهميش والبطالة في البوادي والحواضر. ويتجرع مرارة فشل السياسات العمومية وإخفاقات تدابير الشأن الجهوي والمحلي.

حقيقة، لم يعد المواطن يعرف ليله من نهاره، وأمسه من غده. تشابهت لديه الأيام، نتيجة تشابه الحكومات والبرامج والمشاريع. يستيقظ على نفس المعاناة وينام على ذات الوعود. يعيش وهو في بطن أمه مأساة الصحة والتطبيب، ويقضي طفولته ورشده في جحيم التعليم والتكوين، ويشيخ في شبابه بحثا عن شغل منعدم ولقمة عيش علقم، ويموت قبل سن الكهولة بشيخوخة مبكرة، داخل غياهب مستودع الأموات. وكأنه عاش زمنه في يوم واحد. على مشروع واحد وفشل واحد.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.