كل الطرق الفلسفية تؤدي إلى العقل والإنسان وتفترق حول الإله والأديان.

0 215

صوت الحقيقة : عبد الوافي الحراق

إن المتلاقيات والمتفرقات في المتن والأنساق الفكرية، والاختلاف والتطابق في الرؤى والمناهج الفلسفية، تتمحور في مجملها حول تفسير وتأويل الوظائف والسلوكيات والأفعال الدينية، والنظم والقواعد والشرائع اللاهوتية، والقضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، التي يعالجها العلم والفلسفة. وقد تكون هذه الطروحات بطرق منسجمة أو متفاوتة نسبيا، إلا أن أهم الاختلافات الأكثر عمقا والمقاربات الأدنى تطابقا تكمن في الجانب العقائدي والديني والمقدس.

فإذا ما تطرقنا إلى فلسفة كارل ماكس حول الدين نجده يستهين به، وغير مرحب به في فلسفته، ويعتبره من الوظائف الحائلة دون تحقيق التغيير والتطور وصلاح الإنسان. وإدانته له بالسعي إلى المحافظة على الوضع القائم للبورجوازية والراسمالية، لصالح الطبقات المستبدة والإديولوجيات المسيطرة. واتهامه له بالاغتراب وتكريس الهيمنة والفقر والاضطهاد، وتوصيفه بأفيون الشعوب. لذلك فإن صلاح البشرية وتحقيق العدالة الاجتماعية عند كارل ماكس، لا يتأتى إلا بدحض هذا الدين واعتماد اليوتوبيا الماركسية. وفرض نظامها الشيوعي لمحو نظام  الاستغلال والطبقية بين البشر، وسمو البروليتارية لتحقيق الرفاهية والمساواة والعدالة في الانتاج والاقتصاد والثروة .

في حين أن ماكس فيبر جعل من الدين المحرك الأساسي لإحداث التغيير والتجديد والانتقال الاجتماعي، حيث اعتبر الديانة البروتستانتية هي صانعة الثورة الرأسمالية التي لا يمكن ترسيخ أسسها وظائفها على أحسن الوجه، إلا في ظل القيم الأخلاقية والقواعد الدينية. ذات السلوكيات المرتكزة من حيث أولوياتها على الحياة الدنيا، لبلوغ السعادة والرفاهية وطول العمر فوق الأرض. بمعنى أن الدين لا يرتبط بالعالم الآخر والغيبيات، بقدر ما يخص  العالم المرئي الذي نعيشه ونحيا فيه. وقد بنى ماكس فيبر نظريته هذه على التغيير الذي أحدثته الديانة البروتستانتية في المجتمع، وساهمت في تعديل النظام الاقتصادي وإنتاج الرأسمالية العقلانية، المنضبطة إلى نظام بيروقراطي تحكمه مؤسسات بدل أفراد وجماعات، والاعتماد على الاستثمار عوض الإدخار لتطوير الإنتاج والاقتصاد من أجل تحقيق الربح المادي. وأقرن غاية ذلك بربط الرأسمالية بالقيم والأخلاق، وبما هو ديني وفق التعاليم  الكلفانية المسيحية، حتى لا تتحول الرأسمالية إلى رأسمالية متوحشة. مما يعني أن ما نعيشه اليوم من نيوليبرالية مفترسة، هو نتيجة تباعد الرأسمالية عن روح الدين الذي يكبح، حسب ماكس فيبر، جماح الرغبات الذاتية، والدوافع النرجسية، والسلوكيات اللأخلاقية في المعاملات المالية والاقتصادية والتجارية.

بينما يتجسد الدين عند فيورباخ في الإنسان بوصفه انعكاسا لذاته الإلهية، وبهذا المعنى الانتربولوجي للدين يكون فيورباخ قد أحدث انقلابا جدريا في فلسفة اللاهوت، فلا أحد في عصر التنوير تعمق مثله في مناقشة ودراسة الدين وأصوله، حتى قال فيه فوجل H.Vogel : “كان في مناقشته للاهوت أكثر لاهوتية من اللاهوتيين أنفسهم”. إذ كان انشغال فيورباخ الدائم بالدين حسب قوله بهدف : “إضاءة المناطق المظلمة في الدين حتى يمكن للإنسان أن لا يقع ضحية للقوى المعادية، التي تستفيد من غموض الدين”. وهو من الفلاسفة الذين يرفضون الدين الطبيعي واللاهوتي معا، وينكرون وجود الله والاختيار وبقاء الروح.
وكان فيورباخ يرى أن الطبيعة وحدها الجديرة بالعبودية، على اعتبار أنها مادة قائمة بذاتها، وهي أصل كل شيء، وأن العناصر المكونة لها، بما فيها البشر وباقي الكائنات الحية، ما هي إلا انعكاسا للذوات المحسوسة التي تعيش فيها. فشعور الإنسان على أن ثمة شيء يدفع به نحو الإله، هو شعور زائف، إذ كُلَّما ابتعدَ عن الحواس كلما مضى بعيدا في تمجيده لكائنات غير محسوسة، لا ترى بالعين وتعيش خارج وجوده. وبالتالي يخلص فيورباخ إلى نفي أي وجود للإله سوى الإنسان نفسه، الذي عليه أن يقدس ذاته وعقله، والطبيعة المادية المحسوسة أمامه، وليس خلفه.

بخلاف كانط الذي تمحورت فلسفته في ما وراء الطبيعة وعدمها، يؤكد على وجود الله والاختيار وخلود النفس، متسائلا في كتابه نقد العقل المحض حول ما إذا كان العالم الخفي قادرا على تعزيز العالم الذي نحياه في الواقع. مؤكدا على أن الله هو المشرع الأسمى لقانون الأخلاق، وأن علاقة إيماننا كبشر بالله هي علاقة أخلاقية، وأن هذه الأخلاق ندركها بالعقل، وهي التي يتأسس عليها الدين، على اعتبار أن هذا الأخير هو الذي يحتاج إليها وليس العكس. وبالتالي فإن الدين الأخلاقي هو دين عقلاني، ينبني عن حرية الإيمان وحرية الفكر، وتنتج عنه إرادة خيرة. تجعل الإنسان يؤمن بمقدورات ذاته، بعيدا عن كل العبادات الخرافية، والأوهام والتعصب لرجال الدين والقساوسة وأصحاب الفتاوي. الذين يفرضون أنماط معينة من الشعائر، واشكالا من التعبد، ويوزعون مراتب الكفر والتكفير ومنازل الإيمان والتقوى على الناس حسب ميولاتهم الدينية وتأثيراتهم اللاهوتية.
لذلك، الإنسان حر في إرادته وأفعاله، وعقله وحده الكفيل بتحكيم شعوره للخير والشر. لأن حرية الإيمان تجعل الإنسان حرا في مسعى ذاته، والقيام بواجباته الأخلاقية، لكسب رضى النفس وبلوغ فضيلة العقل، ومن خلاله سعادة ورفاهية الإنسان. وهو ما يسميه كانط بالدين الأخلاقي والعقلاني.

والظاهر من خلال هذه الأمثلة التي أسردناها لبعض رواد الفكر الفلسفي، نجد أن بالرغم من تعدد المنهجيات والدراسات التي بسطتها هذه النظريات الفلسفية، واختلاف أوجهها في المنطلقات العلمية والأسس الفكرية حول العقل والدين، إلا أن لديها قاسما مشتركا مطلقا وهو الإنسان ذاته، كقيمة وغاية وهدف. لكن السؤال المغزى من وراء مقالتنا الفلسفية هاته، هو : هل نحن مازلنا بحاجة إلى مثل هذا الحجم من التراكمات الفكرية والمطارحات الفلسفية من أجل الدين؟ وكيف للفكر الديني وقضاياه المجتمعية لازال يحتل حيزا هاما في عقلنا التكنولوجي المعاصر؟ وهل باستطاعتنا التخلص من الدين والعيش بدون معتقد؟
جزء3 …/… يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.