مشاركة مواطنة في ظل جائحة كرونا فيروس: أية آفاق للنهوض بالمسؤولية المجتمعية

0 60

إيمان لعوينا باحثة في العلوم السياسية، خبيرة و ناشطة في المجتمع المدني

لقد كانت دائما الفترات العصيبة التي تمر منها الأمم والمجتمعات، فرصا للنهوض بالمسؤولية المجتمعية القائمة على عنصري : قوة الالتزام وقوة المبادرة، ومما لاشك فيه أن جائحة كرونا فيروس التي هبت رياحها العاصفة بالإنسانية جمعاء ،استدعت استنهاض هذه المسؤولية في درجاتها القصوى ،عندما يكون سؤال المواطنة – التي هي تلازمية بين الحق والواجب- على المحك ويتطلب انخراط قوي للمواطنات والمواطنين كأفراد وكمنظمات مدنية لدعم جهود الدولة في التصدي لتداعيات هذه الأزمة الغير مسبوقة، والتي ستغير ملامح الحياة لكل البشرية في القادم من الأيام .
فإلى أي حد تعتبر المشاركة المواطنة مدخلا أساسيا وحقيقيا للنهوض بالمسؤولية المجتمعية في زمن الوباء؟
وماهي تجليات هذه المشاركة خلال فترة مرور الجائحة؟
وكيف ستنهض المنظمات المدنية بعملها من خلال مدخل المشاركة المواطنة لفترة ما بعد الحجر الصحي؟
قبل الشروع في الإجابة عن هذه الأسئلة الجوهرية ،لابد من الإشارة إلى أن المغرب انتقل بقوة إلى مصاف الدول الديمقراطية ،عند إقرار دستور 2011 المتقدم والذي تضمن مقتضيات دستورية تهم المشاركة المواطنة من خلال آليات الديمقراطية التشاركية التي تعنى بمساهمة المواطنات والمواطنين في الشأن العام وتتبع السياسات العمومية وتقييمها وتنفيذها على المستوى المركزي والترابي ، وبعد أزيد من 8 سنوات للتنزيل الدستوري لهذه المقتضيات ، تمكن المغرب من إرساء العديد من الآليات التشريعية المؤسساتية تهم المشاركة المواطنة تتماشى مع جاءت به المنظومة الدولية ،لاسيما المبادئ التوجيهية للدول بشأن الاعمال الفعال والحقيقي للمشاركة في الشؤون العامة ،الذي صدر عن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان والتي تم تبنيها في الدورة 39 لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة بأكتوبر سنة 2018 ، والتي تعتبر المشاركة المواطنة ذات أهمية لصناعة القرارات العمومية ، إذ تكسبها الشرعية وتجعلها أكثر فعالية وخاضعة للمسائلة والشفافية .
فإلى أي حد تم إشراك المجتمع المدني من طرف السلطات العمومية بالمغرب خلال فترة الطوارئ الصحية؟
الأكيد أن جدلية الاشراك والتغييب في تدبير الأزمة تنبني على مسلمات موضوعية نذكر منها:
• هذه أزمة غير مسبوقة ولا الدولة و لا المجتمع كان يمتلك فرضيات لمواجهتها أي أنها كانت مباغتة وسريعة مما نتج عنه حدوث ارتباك في بداية تدبير الأزمة.
• أن تنزيل التدابير الاستباقية يخضع للاجتهاد البشري الذي قد يصيب ويخطئ بدرجات متفاوتة.
• أن عملية الاشراك عن طريق التشاور تتطلب حيزا زمنيا ما كان متاحا والجميع كان في سباق مع الزمن لمحاصرة انتشار الوباء.

ومع ذلك سجلت نقط ضوء مهمة لإشراك المنظمات المدنية نذكر منها على سبيل المثال:

• آلية لجنة اليقظة الاقتصادية التي تضم قطاعات حكومية معنية مباشرة بتدبير الأزمة اقتصاديا واجتماعيا ، والى جانبها ممثلي اتحاد مقولات المغرب ،وممثلي الغرف المهنية وممثلي القطاع البنكي باعتبارهم جسم مدني مهني مع غياب لجمعيات حماية المستهلك.
• قطاع التضامن والمساواة والأسرة والتنمية الاجتماعية باعتباره قطاعا يشتغل مع الجمعيات في تنزيل العديد من البرامج لوكالة التنمية الاجتماعية والتعاون الوطني، بادر إلى إشراك الجمعيات الشريكة في مبادراته الاجتماعية ،لاسيما مبادرة إيواء الأشخاص في وضعية شارع والنساء في وضعية صعبة، كما سجلت بعض مظاهر التعاون لقطاع الصحة مع الجمعيات الشريكة، للقيام بعمليات الرصد والتبليغ عن الوضع الوبائي والقيام بحملات للتبرع بالدم أو تزويد بعض العاملين في الصفوف الأولى لمواجهة الوباء بمستلزمات الوقاية والحماية ، كما أطلق قطاع التعليم مشاورات حول خارطة الطريق لإنقاذ السنة الدراسية مع جمعيات الآباء والأمهات وأولياء التلاميذ والجمعيات المهنية للمدرسين وهيئات أخرى .

وعلى المستوى الترابي فقد بادرت بعض المجالس الترابية بحكم مجالات التدخل التي باشرتها خلال هذه الفترة، على التنسيق مع جمعيات القرب لتنزيل حمالات التعقيم والتنظيف أو الجمعيات المهنية للتجار فيما يخص ضبط الأسواق ونظافتها والحرص على تنظيمها وتجنب حالات الفوضى التي كانت تعرفها، حتى لا تصبح بؤرا لانتشار الوباء.
أما فيما يخص لجان اليقظة المحلية التي أحدثت على صعيد العمالات والأقاليم، فلوحظ تغييب ممثلي المجتمع المدني في حين أن جمعيات بما تشكله من آليات للرصد والتبليغ ولكونها مؤسسات للقرب، وجودها ضروري للغاية داخل هذه اللجان.
وعليه يجدر بنا طرح سؤال مهم وهو : هل انشغال المجتمع المدني في سد الخصاص الاجتماعي نتيجة التداعيات الاقتصادية الصعبة للجائحة ،جعله يتراجع في مسؤولية المشاركة المواطنة؟
الأكيد أن كل العديد من النواقص التي اعتلت تدبير المرحلة الحالية، يجب استدراكها لا سيما مع اقتراب آجال الرفع التدريجي للحجر الصحي من خلال ما يلي:
• وجوب تفعيل دور الهيئات الاستشارية لدى مجالس الجماعات الترابية لفتح مشاورات حول تعديل برامج عمل الجماعات لما تبقى من الولاية الانتدابية و إعداد وثائق ملحقة بها ، أيضا فتح مشاورات حول الموارد البديلة للجماعات ، لا سيما مع تراجع المواد الكلاسيكية بحدة خلال هذه الفترة .
• اطلاق منصات إلكترونية للتشاور العمومي ،من أجل فتح المجال لتلقي مقترحات الجمعيات والمواطنين فيما يخص البرامج التدخلية للمجالس الترابية خلال الفترة المقبلة ، وهي تستجيب للمبادئ التوجيهية للدول بشأن الاعمال الفعال والحقيقي للمشاركة في الشؤون العامة والتي تؤكد على ضرورة إدماج تكنولوجيا الاتصالات والتواصل للنهوض بالمشاركة المواطنة، مما سيعزز من قوة الترافع الرقمي لتلبية احتياجات الساكنة وسينمي كافة أشكال اليقظة المجتمعية ، لإعادة صياغة أولويات الإنفاق العمومي للمرحلة القادمة ،لاسيما مع الشروع في تعديل قانون المالية لسنة 2020 .
• تطوير مجال الشراكة ما بين الدولة والجمعيات، لتعزيز المشاركة المواطنة، بإطلاق جيل جديد من الشراكة في ظل التصدي لتداعيات الوباء مبني على الشراكة بالتعاقدات les contrats programmes.
وأخيرا إخراج ترسانة قانونية مهمة ذات الصلة بتطوير المشاركة المواطنة وعمل الجمعيات مستقبلا وهي :
• مشروع قانون التطوع أو التطوع التعاقدي وهو آلية قانونية لحماية المتطوعين باعتباره رأسمال لا مادي مهم للغاية.
• مشروع قانون جمع التبرعات الذي يهدف إلى ضبط الاطار المنظم للعمليات الإحسانية، التي ستسد احتياج العديد من الفئات المحتاجة مستقبلا.
• مشروع قانون السجل الاجتماعي الموحد الذي لن يكون آلية للاستهداف فقط بل سيكون آلية للتدبير العمومي سترفع فئات اجتماعية من الهشاشة إلى ولوج الطبقة المتوسطة على المستوى المتوسط في الخمس السنوات المقبلة بحول الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.