منصات التواصل الاجتماعي : الأمس الأسود بعد موت مؤقت للعالم الافتراضي.

0 198

تعطلت بالأمس وسائل الاتصال الاجتماعي، فتوقفت معها حركة المجتمعات الإنسانية، صمت رهيب وجمود وعزلة، وكأنه مشهد من مشاهد يوم البعث. كل شبكات العالم توقف تدفق أخبارها ونبض ديناميات أنشطتها، واتضح أن الإنسانية كانت تعيش تحت رحمة آلهة وادي السليكون، وأرباب منصات التواصل الرقمي. تعالت أصوات الاستغاثة والتوجس هنا وهناك، محمومة بتساؤلات متاججة حول مصير البشرية في ظل هذا التوقف المفاجئ للحياة الافتراضية. عالم كانت تدب فيه الحياة والحركة والنشاط، يتراقص بين اناملنا ويتموج وميض خوارزمياته في اعيننا، فإذا به يختفي من أمامنا، من بين يدينا. الكل تجمد في مكانه مشدوها عاجزا عن فعل أي شيء أو حتى التفكير فيه، كذلك الطفل الذي تعطلت لعبته وهو يقلبها بين يديه، جاهلا وعاجزا عن كيفية تصليحها.

اشرأبت الأعناق البشرية صوب معابد الفايسبوك، الواتساب، الإنستغرام، الأمازون وغوغل، وغيرها من آلهة التطبيقات الرقمية، توسلا لعودة الحياة الافتراضية، التي وكأنها توقفت بجهاز التحكم عن بعد. حيث تجمدت حركة الأنشطة المجتمعية في مكانها، توقفت الصحافة عن نشر الأخبار، وتعطل تدفق التجارة والاستثمار، وتسمر تلاميذ التعليم عن بعد أمام شاشات الحواسب والهواتف، وتعرقل مسار الرسائل والتواصل وتبادل المعلومات. واختفت وسائل التعبير والإبداع والتثقيف والترفيه. وانقطع ارسال “السيلفي” والتصوير الذاتي المباشر. كل ذلك كان تحت رحمة رجل واحد مارك زوكربيرغ ومؤسسته. مما يحيلنا على طرح سؤال المصير، كيف ارتهنت البشرية جمعاء أغلى ما تملك في حياتها الشخصية وأسرارها، وكل بياناتها التجارية والسياسية والاقتصادية، ووثائقها ومعلوماتها السيادية، في كف رجل واحد؟ ماذا لو اختفت جميع هذه البيانات والأسرار، وانمحت دفعة واحدة؟ وهذا يحيلنا كذلك على إشكاليات أخرى وهي الأرشيف والسيادة والتملك.

حقيقة صعب أن تعيش المجتمعات برمتها تحت هذا التهديد الرقمي المفاجئ، والأصعب أن يكون هذا التهديد بيد مؤسسة واحدة. لذلك على العالم أن يقف ضد تمركز القوى التكنولوجية وتوزيعها توزيعا عادلا، والتصدي لتجميع هذه السلط التقنية والتطبيقات الإلكترونية لدى جهة معينة واحدة، لأن مصير البشرية لا يجب إبقاءه تحت شفقة (صفقة) ملكية الاختراع. ونحن رأينا بالأمس كيف أن الكونغريس الأمريكي طرح إشكالية التنظيم الذاتي لوسائل التواصل الاجتماعي على أنه غير فاعل، بالرغم مما راكمته هذه الوسائل من قوة. بمعنى أنه غير قادر على حماية نفسه فبالأحرى المجتمعات الدولية.

كما أن حادثة الأمس الأسود التي وقعت بالعالم الافتراضي، تدفعنا إلى إثارة قضية مآل أرشيف معلوماتنا وبياناتنا. حيث أن غالبيتنا بالأمس لم نستطع النفود إلى حساباتنا، ولا إلى ما تحتويه منصاتنا الشخصية من أرشيف يؤرخ لأهم معطياتنا الذاتية. حتى اختلجنا شعورا بالتوجس من فقداننا لهذا الأرشيف الرقمي، وكأن ماضينا قد يحترق كاملا بتعاليقه وصوره وفيديوهاته ولحظاته. لولا أن تمكنت مؤسسة زوكربيرغ من حل العطل واستعادة بيانات ومعطيات مشتركيها.

لكننا نحن الصحافيون تشكل منصات التواصل الاجتماعي أكبر تحد يواجهنا، ذلك أن هذه المنصات تقوم بالنسبة لنا مقام شركات النشر والتوزيع للجرائد الورقية. فبدون صفحات وسائل التواصل الاجتماعي لا تستطيع مواقعنا الوصول إلى أكبر عدد من القراء والمتتبعين والمشاهدين، ولا يمكن أن نحصل على التوزيع السريع والسبق في الخبر. لذلك، فما حدث بالأمس من عطب على مستوى منصات التواصل الاجتماعي شكل تهديدا لمسار مستقبل مواقعنا الإخبارية، حيث وجدت إدارتنا التقنية وهيئة التحرير نفسها عاجزة عن إنتاج محتوياتها الإعلامية، وبثها وتوزيعها نتيجة هذا العطل. فحتى إمكانية محاولة البحث عن الحلول التقنية لإصلاح العطب ليست بأيدينا، فقط لأننا في الواقع لا نملكها حقا، وأن مصير جهودنا وعملنا ومهنتنا وحريتنا في الإعلام مرهون بأيادي غيرنا.

مما يأجج حجم التساؤلات حول مصير الصحافة الإلكترونية واشكالية ملكية البث والتوزيع والأرشيف، ورهان التبعية الأجنبية والخنوع لتطبيقات مؤسسات خارجية، غير متحكم فيها، في ظل اضمحلال الصحافة الورقية التي تتميز بالاستقلالية والسيادة والتوثيق الذاتي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.