من له مصلحة في تفعيل الصراع والاصطدام بين الدين والسياسة وبين الإسلام والعلمانية؟

0 16

images-3

إن المتتبع للشأن الديني والسياسي ونظام الحكم بالمغرب. يجد أن المغاربة من بين الشعوب القلائل، الذين استطاعوا الجمع بين السياسي والديني والحفاظ على هويتهم الإسلامية ونظامهم الملكي لأكثر من 12 قرنا. ولم يكن البثة في حين من الدهر أن شهد المغرب هذه الفتنة بين السياسة والدين. وحتى عند دخول المستعمر إبان 1912. كان الصراع والعداء ضد الأجنبي منطلقه الأرض وحماية الوطن وأمن الشعب قبل دينه. وكانت المناداة لطرد المستعمر باسم الهوية الإسلامية مبررة بهدف استنفار الهمم وتوطيد الصفوف وتعبئة المغاربة وتقوية إيمانهم للوقوف إلى جانب القصر من أجل حماية العرش والوطن والدين. فالدين لم يكن مؤثرا سياسيا في الحركة الوطنية لمقاومة المستعمر أكثر من تأثير الوطن وقوة التشبث بالعرش الملكي الذي كان يحرك دينامية نضال وكفاح الشعب المغربي. 

وبعد الاستقلال تفجر الصراع بين القصر والنخب الاشتراكية اليسارية المتشبعة آنذاك بفكر المعسكر الاشتراكي. وكان الملك الراحل الحسن الثاني يناهض ويحث هذه الحركات التقدمية اليسارية على الامتثال لنظام الملكية الديمقراطية واحترام الوازع الدين والخضوع إلى إمارة المؤمنين، التي تفترض البيعة والطاعة لأولي الأمر. بخلاف باقي الدول العربية التي كانت بالموازاة مع هذه التحركات الداخلية في تلك الفترات وقبلها ، تعيش صراعا محتدما بين الحكام السياسيين والمثقفين العلمانيين وبين السلفيين والحركات الاسلامية، أو ما يعرف بالإخوان المسلمين خاصة في زمن عبد الناصر، والانقلابات التي أعقبت هذه الحقبة والاغتيالات التي صاحبتها.

وبالرغم من محاولة التنظيمات الاسلامية العربية التأثير على الفكر السياسي الاسلامي المغربي من خلال تيارات حسن البنا ومصطفى الطحان وغيرهما إلا أن رجالات الدين والفكر والسياسة في المغرب وعلى رأسهم الدكتور عبد الكريم الخطيب والعلامة علال الفاسي وآخرون لم تستطيع هذه التيارات العالمية الاسلامية أن تنال من خصوصية هويتهم الاسلامية المرتبطة بالدين والأمة والسلطان. حيث انخرطت هذه الحركة الاسلامية المغربية بعد الاستقلال في الحياة السياسية بشكل إيجابي. وساهمت في حماية تماسك وحد البلاد والالتفاف حول العرش مما كان يشكل سدا منيعا لنفوذ أي مشروع أو مخطط للمعسكر الاشتراكي الهادف آنذاك إلى الإطاحة بجميع الأنظمة الملكية العربية والذي كان يتخذ من مصر مشتلا لزرع فكره الشيوعي الاشتراكي.

وتتجلى خصوصية الحركة الاسلامية بالمغرب التي تستمد قوتها من مرجعية الولاء لخليفة الله في الأرض وبيعة أمير المؤمنين في انخراطها في الحياة السياسية، ولا أدل على ذلك أن أول رئيس لأول مؤسسة تشريعية برلمانية بالمغرب كان هو الزعيم السياسي الاسلامي الدكتور عبد الكريم الخطيب المؤسس لحزب العدالة والتنمية الحالي.

والتاريخ يشهد أن النظام المغربي بعد الاستقلال عاش صراعات مع الأنظمة السياسية الاشتراكية ذات النزعة العلمانية. وليس مع الحركات الاسلامية التي تستمد قوتها من مرجعية الدينة وطاعة أمير المؤمنين وخليفة الله في الأرض. والصراعات التي كانت آنذاك لا تخرج عن دائرة الصراع بين الفكر الاسلامي والعلماني. بمنأى عن القصر ومحيطه. كما لم يثبت أن ارتقى هذا الاحتدام إلى ما يسمى بفصل الدين عن الدولة. وذلك لاعتبارات متعددة منها أساسا أن الملك هو حاكم البلد ورمزها الديني والروحي. والفصل بين الدين والدولة هو الفصل بين نظام الحكم ودين الأمة.

واليوم يتميز المغرب في ظل التحولات العربية والإقليمية في ما أصبح يعرف بالربيع العربي، بتجربته السياسية الناجحة حيث أفرزت أول انتخابات في عمر الدستور الجديدة 2011. حكومة مغربية يرأسها حزب ينتمي شكلا إلى الحقل الاسلامي، ومضمونه السياسي يعتمد على جوهر الديمقراطية المتعارف عليها عالميا. وقد نجح هذا الحزب إلى حد ما في التأقلم مع التجارب السياسية التي عرفتها حكومات المملكة المغربية. وحتى الصلاحيات الواسعة التي أقرها دستور 2011 لرئيس الحكومة لم يتم استعمالها من طرف الوزير الأول الحالي عبد الإله بنكيران. حتى أصبح هذا الأخير ينعت عند خصومه وعلى رأسهم حزب الأصالة والمعاصرة بعدم تنزيله للدستور. واستعمال الصلاحيات الممنوحة له. وتم وصف رئيس الحكومة تهكما بأنه ملكي أكثر من الملكية.

كل هذه الاعتبارات تؤكد أن علاقة رموز الحركات الاسلامية بنظام المملكة المغربية ومؤسساتها علاقة بريئة من كل التأويلات المغلوطة والتفسيرات المغرضة. وإذا استثنينا جمعية العدل والإحسان التي تستهدف المساس بنظام المملكة فإنا باقي الحركات الاسلامية والتنظيمات الدينية بما فيهم حزب العدالة والتنمية وجناحه الدعوي يستمدون مرجعيتهم من الوازع الديني الذي يحث على إطاعة أمير المومنين على اعتباره خليفة الله في أرضه وحامي الملة والدين وفق ما أمر به الله في كتابه العزيز "وأطيعوا أولي الأمر منكم". كما أن المنطلقات التي تدعوهم للتشبث بالولاء والطاعة للسدة العالية بالله تنبني اساسا على تخوفاتهم من المد الجامح للعلمانية الذي قد يسقط الدين عن الدولة بالمغرب. ويصبح بذلك أمر العقيدة الدينية غير معترف به داخل الدولة المدنية. 

 

وبظهور حزب الأصالة والمعاصرة طفقت على السطح ظاهرة دخيلة على المشهد السياسي ببلادنا تتمثل في إيقاد الفتنة جهرا بين السياسي والديني والعلماني والإسلامي. واشتد هذا الصراع والاحتدام في أقوى لحظاته عندما تولى السيد إلياس العماري رئاسة الحزب. حيث وجه هذا الأخير اتهاماته اللاذعة مباشرة لحزب العدالة والتنمية. واتهمه بأسلمة الدولة وأخونة المجتمع. وتجاوز ذلك إلى حد المطالبة بحرية المعتقد ومحاربة الإسلامي والإبقاء على المسلم على حد تعبيره.

 وتجلى هذا الصراع في أقوى صوره في خطابات رئيس حزب الأصالة والمعاصرة المثيرة للجدل، والتي تحول معها صاحبها في آن واحد إلى زعيم حداثي تقدمي علماني وفقيه ومفكر إسلامي ينظر في متن القرآن والحديث. ويبقى الحدث الأبرز الذي عكس هذا الصراع بين الدين والسياسة وترجمه على أرض الواقع، هو المسيرة الشعبية التي نظمت عشية انطلاقة الانتخابات التشريعية الأخيرة بأسبوع وتم انتسابها لحزب البام ،على حد أقوال بعض المشاركين والمشاركات فيها. والظاهر أنه كان ثمة محاولة اصطناع حراك شعبي ضدا على الإسلاميين بالمغرب. ورفعت فيها شعارات تدينهم بالإرهاب والتطرف وأسلمة الدولة. في حين كانت ردود الفعل الحركات الاسلامية وتنظيماتها السياسية وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية تتهم قطب التراكتور بمحاولة التحكم وتونسة الدولة.

ويبقى السؤال المطروح : من المستفيد من إثارة فتنة الدين مع الدولة وصراع الاسلامي مع العلماني؟

ع . حراق

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.