هل نحن أمام ثورات الخريف الأوربي على غرار حراك الربيع العربي؟

0 290

بقلم مدير النشر : عبد الوافي حراق
عندما اندلعت الاحتجاجات في تونس لم يكن أحد يعلم بامتداد شرارتها، لتشب كالنار في هشيم حقول بعض الأنظمة العربية، وتتحول إلى ثورات لما سمي حينها بالربيع العربي. فهل يمكن اعتبار الاحتجاجات التي يقودها أصحاب السترات الصفراء في فرنسا بداية اشتعال ثورات قد تحمل توصيف الخريف الأوروبي؟
إن كل المؤشرات تدل على أوجه التشابه بين الحراكين الربيعي والخريفي. ويمكن تشخيص هذه المؤشرات حسب التالي :
المؤشر الأول يتجلى في المنطلقات الاجتماعية والدوافع الاقتصادية المتطابقة إلى حد كبير. وفي مقدمتها الفقر والعوز، وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، وجمود الأجور وانخفاض الدخل الفردي، وانتشار البطالة. وغيرها من الأوضاع الاجتماعية المقرفة التي تشكل وحدة الاحتجاجات وعصب الثورات، وتعكس هموم المواطن العربي والأوروبي.

والمؤشر الثاني يتجسد في المواقف السياسية وردود أفعال الأنظمة الحاكمة، التي تكاد تتناسخ في ما بين العالمين العربي والأروبي. فتعنت بن علي، وتحدي حسني مبارك، وجبروت القدافي، وتحايل علي صالح، تبدو ذات المواقف التي اتخذها ماكرون لمواجهة تدفق هذه الاحتجاجات. فتوصيفه للأحداث بالحرب، وتهديده بمعاقبة المحتجين وفرض حالة الطوارئ، ورفضه للإذعان لمطالب الشارع الفرنسي. والتضحية بالشعب مقابل التشبث بقرارات الدولة للحفاظ على هيبة سلطتها، يوحي بنهج الرئيس الفرنسي نفس المنوال الذي انتهجه الحكام العرب في مواجهتهم لانتفاضة شعوبهم. مما يعني أن مآل ماكرون لا محالة إلى الفشل والخلع. وهو ما هتفت به حناجر السترات الصفراء، المطالبة بإقالته ورحيله ومحاسبته.

والمؤشر الثالث يتمثل في المقاربة الأمنية المعتمدة من طرف أجهزة الأمن في معالجتها لهذه الثورات. فما نشاهده من قمع المحتجين، واستعمال القوة والعنف على يد الأمن الفرنسي، هو ذاته الذي تعرض له الشارع العربي. حيث تم اعتماد شتى وسائل الترهيب والتخويف والتعنيف للتصدى لهذا الحراك. عن طريق الضرب المبرح والجرح الخطير، الذي لا يفصل بين الرجل والمرأة والصبي والعجوز. والرمي بالقنابل المسيلة للدموع، و استعمال خراطيم المياه القوية، والاعتقالات التعسفية بالجملة. وكأن الزمن عاد إلى الوراء ليعرض علينا أحداث المشهد العربي.

والمؤشر الرابع يتجسم في الانفلات الأمني والعصيان المدني، إذ التجأ المحتجون الفرنسيون إلى نفس الاساليب التي استعملها زملاءهم العرب للتنديد والاستنكار. وذلك من خلال تخريب الممتلكات العامة، والاعتداء على المارة، وإحراق السيارات، وتكسير واجهات البنايات الخاصة والعمومية والمؤسسات الحكومية، والاعتداء على الشرطة. واستهداف الأحياء الراقية وممتلكات الطبقة الغنية.

والمؤشر الخامس المشترك بين هذه الأنظمة الحاكمة، عندما تواجه غضب الشارع، هو بحثها بكل الوسائل المضللة، لتوجيه الاتهام إلى جهات سياسية معارضة أو محظورة في الداخل، أو إلى أجندات معادية من الخارج. بهدف تبرير قوة العنف المستعملة لقمع المحتجين. فحكام العرب أدانوا الثورات الربيعية على أن وراءها التيارات السياسية المعارضة، والتنظيمات الاسلامية الرادكالية، والأيادي الخارجية المعادية للوطن. وهي نفس الاتهامات التي وجهتها الحكومة الفرنسية إلى أحزاب المعارضة، والتنظيمات اليسارية، واليمين المتطرف. علما أن شعارات المحتجون ومطالبهم الاجتماعية سواء المتعلقة بالحركات العربية أو الغربية لا تخرج عن طبيعتها المدنية. والمتمحورة في مجملها حول تكافؤ الفرص وتوفير العيش الكريم والتوزيع العادل للثروة، وصيانة كرامة المواطن وضمان حقوق الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ويبقى المؤشر الأكبر لأوجه هذا التشابه، الذي يوحي ببداية ما يمكن تسميته بثورات الخريف الأوروبي على غرار الربيع العربي. هو النواة الأولى التي طفقت تنتشر في بعض العواصم الأوروبية. إذ يبدو أن شرارة الاحتقان الصفراء وجدت سترات لها ببلجيكا، حيث ارتدى مئات الأشخاص نفس الرداء، واحتجوا أمام مباني الاتحاد الأوروبي ببروكسيل. مما أثار تخوفات المسؤولين حول انتقال عدوى الاحتجاجات إلى باقي دول القارة العجوز. خاصة وأن الدعوات المرفوعة على لسان المحتشدين في شوارع فرنسا، تطالب الشعوب الأوروبية بالانتفاضة ضد حكوماتها. مما جعل ألمانيا وهولندا وبريطانيا ومعها دول الاتحاد الأوروبي إلى أخذ جميع الاحتياطات والتدابير لمواجهة أي حراك اجتماعي محتمل. وهو ما يؤشر على أننا لا محالة أمام ثورات الخريف الأروبي، على غرار الربيع العربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.