“وقائع” حوار جنيف حول الصحراء (3) جلسة ختامية متخيلة 

0 80

صوت الحقيقة: حسن السوسي

الساعة الثامنة مساء. المندوبون المشاركون في المائدة المستديرة يقلبون أوراقهم في استعدادات نهائية لتقديم أجوبتهم على أسئلة المسؤول الأممي.
حالة ترقب حقيقية إذ لا أحد يدري كيف سيتعامل الطرف الآخر مع تلك الأسئلة، وخاصة بالنسبة لما يمكن أن يدلي به مندوب الجزائر من آراء أو مواقف. إذ على. الرغم من معرفة موقفه الجوهري من النزاع وطرق معالجته أو بالأحرى الطريقة الوحيدة الممكنة لمعالجته، بحسب القيادة الجزائرية، فإن طرح المسؤول الأممي لأسئلة محددة غايته إخراج المسألة من دائرة المواقف العامة أو النظرية التي تترك المجال أمام الكثير من المواقف الضبابية أو التي تعني كل شيء دون أن تعني شيئا بعينه. وفِي هذا إحراج لكل طرف كان يستفيد من تلك الضبابية التي تسمح له بإعلان شيء والتصرف بشكل مغاير بمجرد ما ينفض هذا الاجتماع أو ذاك أو قبل أن يجف حبر هذا القرار أو ذاك.
وفِي كل الأحوال، فإن موقف الجزائر حاسم في تحديد مسار مناقشات المائدة المستديرة لأنه موقف مزدوج إذ يعبر في آن واحد عن جبهة البوليساريو الإنفصالية أو على الأقل يحدد لها سقفا واضحا لمواقفها كما يعبر عن وجهة نظر القيادة الجزائرية من زاوية استراتيجية تشمل تصوره للعلاقات مع المغرب إلى جانب ما يرى عليه مجمل العلاقات على صعيد الإقليمي وربما على الصعيد القاري أيضا.

افتتح المسؤول الأممي الجلسة بالقول: أتمنى أن تكون الأطراف المنخرطة في نقاش المائدة المستديرة قد بلورت أجوبتها عن الأسئلة التي تم الاتفاق حولها في جلسة الصباح. كما أتمنى أن تكون قد صاغتها بشكل يسمح باعتمادها وثائق لدى الأمم المتحدة لحرص الأمين العام شخصيا على تتبع كل مراحل هذه النقاشات وليتمكن من تقدير الجهود المبذولة من قبلنا جميعا أنا باعتباري مبعوثا خاصا له وأنتم كأطراف لا يمكن تصور أي حل لهذا النزاع دون تضافر جهودكم ومساعيكم.
وإذا لم أخطيء التقدير فأرجو أن يتم تسليم الأوراق المعدة لهذا الغرض للرئاسة وأن نكتفي بعروض موجزة يدلي بها كل طرف حول الأسئلة المعنية لتكون موضوعا للحوار والمناقشة والأخذ والعطاء.

لوحظ بعض التململ في القاعة وكأن الحاضرين فوجئوا بهذا الاقتراح. فهل كانوا غير متوقعين للأمر؟ أم أنهم لا يرغبون في إيداع وثائق، ربما هي أولية، لدى رئاسة المائدة المستديرة والتي ستسلمها إلى الأمين العام للأمم المتحدة يمكن اعتمادها في يوم من الأيام حجة عليهم وليس لهم؟
لا أحد يمكنه أن يتكهن في هذا المجال، إذ المهم هو أن لا أحد اعترض صراحة على اقتراح رئيس الجلسة.

بعد تسليم الأوراق إلى الرئاسة ووضعها في ملف خاص للاحتفاظ بها، حتى دون الاطلاع على مضامينها بحضور مندوبي الأطراف المعنية بالنزاع حول الصحراء، اقترح الرئيس البدء في تقديم العروض المختصرة للأجوبة التي تضمنتها الوثائق المودعة لدى الرئاسة ليكون كل طرف على بينة مما جاءت به الأطراف الأخرى من آراء ومقترحات لإغناء نقاشات المائدة المستديرة.
وتوجه مباشرة إلى مندوب الجزائر طالبا منه بدء المناقشات.
غير أن مندوب الجزائر لديه موقف آخر، في هذا المجال. إذ اعترض على أن يكون أول المتدخلين لسبب يعتبره وجيها وهو أن النزاع الحقيقي هو بين المغرب وجبهة البوليساريو وليس بين المغرب والجزائر أو موريتانيا، وعلى الطرفين المعنيين مباشرة إطلاق عملية المناقشات. وبعد ذلك فقط يمكن للجزائر وموريتانيا الإدلاء بآرائهما أو تقديم مقترحاتهما، إذ لا يمكن لهما أن ينوبا عن الطرفين المركزيين في النزاع.
أشار مندوب الأمم المتحدة إلى أن اختياره لمندوب الجزائر لإطلاق المناقشات ليس وراءه أي غاية خارج كون البلاد لها الأولوية من حيث الترتيب وفق الحروف الأبجدية. علاوة على أننا حول مائدة مستديرة للقيام بنوع من العصف الفكري لعلنا نصل إلى ما يمكن أن يتحول إلى أرضية مشتركة تكون أساسا لحواراتنا المقبلة.
لكن هذا التفسير لم يقنع مندوب الجزائر الذي أصر على رفض تناول الكلمة.
وهذا ما دعا المسؤول الأممي إلى تذكير مندوب الجزائر بأنه أول من بادر في الجلسة التمهيدية إلى طلب الكلمة مباشرة بعد كلمة الافتتاح، دون أن يجد في ذلك غضاضة، علاوة على أن أيا من الأطراف لم يبد أي اعتراض على ذلك. فماذا جد الْيَوْم حتى لا يقبل المندوب الجزائري أن يكون أول المتدخلين، مع العلم أن حساسية الموقف في الجلسة التمهيدية أكثر وضوحا من الموقف في هذه الجلسة، إذ أنه كان بإمكان تدخله، في الحالة الأولى، أن يحدد مجرى المناقشات، وقد يؤدي إلى حرفها عن مسارها الطبيعي، في حين أننا الْيَوْم أمام أسئلة محددة من المفترض أن تكون العروض عنها لا تختلف عن الأوراق المقدمة حولها إلى الرئاسة.
استمر هذا الجدل بين الرئاسة ومندوب الجزائر فترة غير يسيرة من الزمن دون التوصل إلى ثني المندوب الجزائري عن موقفه.
عندئذ حاول المبعوث الأممي تجاوز هذا النقاش العقيم، فأشار إلى مندوب المغرب بتناول الكلمة. غير أن هذا الأخير رفض ذلك رفضا قاطعا بحجة أن أهمية هذه المائدة المستديرة تكمن في حضور الجزائر طرفا فيها لدورها المركزي في النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية وأن عدم تجاوبها مع دعوة المسؤول الأممي إلى تناول الكلمة يدخل في سياق عدم اعترافها بما ليس قابلا للإنكار، وهو كونها الطرف الأساسي في النزاع وليس فقط مجرد مراقب كما يحلو لها أن تشيع في وسائل إعلامها.
وأضاف المندوب المغربي: إن المغرب استجاب لدعوة الحضور إلى جنيف أساسا لأنها تتضمن تطورا جوهريا وهو دعوة الجزائر كطرف في النزاع وليس كدولة جوار أو بصفة مراقب كما تدعي. وذلم لأن المغرب قد أخذ العبرة من اللقاءات السابقة وهو ليس مستعدا للدخول في مهاترات مع من لا يملك قراره بيده، لذلك يعتبر أن الحوار المفتوح مع الجزائر كطرف في النزاع هو الذي يمكن أن يؤدي إلى حل مادامت هي الآمر الناهي بالنسبة لجبهة البوليساريو الإنفصالية.
حاول مندوب الجزائر تناول الكلمة بحجة نقطة نظام غير أن المسؤول الأممي لم يبد ما يوحي بأنه راغب في تمكينه من التدخل في هذا السياق تجنبا للدخول في أي جدال ثنائي لا يتلاءم مع هدف انعقاد المائدة المستديرة ويمكن أن يعصف بها.
وحاول، من جهته، مندوب جبهة البوليساريو الانفصالية أخذ الكلمة مبديا تبرمه من تدخل المندوب المغربي إلا أن الرئيس الذي شعر بأن الجلسة قد أصبحت غير ممكنة الاستمرار، في هذه الأجواء، أعلن رفع الجلسة للقيام بما ينبغي القيام به من مشاورات مع الأطراف على انفراد وفِي ضوء الاطلاع على الأوراق المقدمة إلى الرئاسة.
وكذلك كان. دون أن يعلن عن تحديد موعد الجلسة المقبلة التي ربما قد تنعقد أو لا تنعقد، نظرا للجو المشحون الذي عاينه ممثل الأمم المتحدة في هذه الجلسات التي لا يمكن أن ترقى إلى مفاوضات بأي شكل من الأشكال.
غادر الجميع القاعة في وجوم شبه مطلق كأنهم يتخوفون جميعا من ردة فعل وشيكة قد تحمل مسؤولية فشل المائدة المستديرة لهذا الطرف أو ذاك.
غير أن منطق المندوب الأممي مختلف تماما إذ ربما كان يتوقع التصادم بين مندوبي الأطراف المعنية بالنزاع قاستبق الأمر بطلب تسليمه الأجوبة على أسئلته مكتوبة. وهذا في حد ذاته نجاح لمسعاه حتى ولو لم يتم مناقشتها بين الأطراف بشكل ملموس ومباشر، خلال الجلسات،
فهل ستعقد جلسة أخرى لمائدة جنيف المستديرة حول نزاع الصحراء؟ وإذا انعقدت كيف يمكن إدارتها في ضوء تباين وجهات نظر أطرافها. وفِي حال استحالة ذلك كيف ستتصرف الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بعد الاستماع إلى إحاطة الأمين العام حول الجهود المبذولة من قبل مبعوثه الخاص وخلاصاته حول المائدة المستديرة في جنيف بالاستناد إلى الوثائق التي تسلمها المسؤول الأممي؟
للإجابة على هذه الأسئلة لا مناص من انتظار إعلان خلاصات الأمم المتحدة حول مائدتها المستديرة وهي الأولى من نوعها في التعاطي مع النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.