إعفاء بنكيران وسيناريوهات الفرصة الثانية

0 27

Othmani_ROI_GOUV_3_170317_s

 صوت الحقيقة . "eljadidanews"

بقلم عمر تيم الله … بتاريخ 17 مارس 2017 … 23س01 

جاء بلاغ الديوان الملكي ليقطع الشك باليقين، بلاغ مقتضب صارم و صادم بإعفاء بنكيران، كانت تلك قراءة عابرة سريعة للبلاغ، لكن قراءة متأنية متأملة تظهر أن الجالس على العرش التزم مرتين بالمنهجية الديمقراطية التزاما كاملا ، المرة الأولى عندما احترم منطوق الفصل 47 من الدستور الذي ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب و على أساس نتائجها، بل إن العاهل أراد أن يرسل رسائل لمن شككوا في المسار الديمقراطي الفتي للبلاد بأن جدد الثقة في الأمين العام للحزب "الأغلبي" أي حزب العدالة و التنمية، أما المرة الثانية فبعد الإعفاء المرفق بالإشادة لعبد الاله بنكيران رمى عاهل البلاد الكرة في ملعب قيادة العدالة و التنمية لالتقاط الإشارة حول من سيخلف بنكيران، من دون اللجوء إلى لي عنق النص الدستوري أو عن طريق التحكيم الملكي أو بالتدخل في مسار المشاورات لتجاوز مرحلة البلوكاج التي أضاعت خمسة أشهر من الزمن السياسي المغربي، ليأتي الرد سريعا بتكليف رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة و التنمية سعد الدين العثماني.

إذن المستجد الآن أن روح الفصل 47 من الدستور احترمت من طرف المؤسسة الملكية و التي تملك بنص الفصل 42 من الدستور خيارات عدة كتعيين رئيس الحكومة من الحزب الثاني متذرعة بفشل الحزب الأول في مهمة تشكيل الحكومة أو حتى تعيين رئيس حكومة تكنوقراطي من خارج الأحزاب و الهيئات السياسية لتجاوز توقف المؤسسات الدستورية وضمانا للسير العادي لدواليب الدولة، إلا أن الملك ارتأى أن الخيار الأقرب للصواب في الظرفية الحالية هو الاقتصار على تعيين شخصية أخرى من الحزب الحائز على المرتبة الأولى في انتخابات السابع من أكتوبر، حيث كان بالإمكان تكريس عرف دستوري بتكليف الحزب الثاني بتشكيل الحكومة أو الدعوة لإعادة الانتخابات أمام عجز رئيس الحكومة المكلف عن إيجاد مخرج من البلوكاج الحكومي، لكن بتكليف الرجل الثاني في حزب العدالة و التنمية سوف نكون أمام مجموعة من الاتجاهات نجملها في ثلاثة: نجاح سعد الدين العثماني فيما فشل فيه عبد الإله بنكيران، الخروج للمعارضة، أو إعادة الانتخابات.

الإتجاه الأول و هو الغالب نجاح رئيس الحكومة المكلف الجديد في تجاوز البلوكاج و تشكيل حكومة ائتلافية تضم مختلف التنظيمات السياسية باستثناء حزب الأصالة و المعاصرة الذي اختار التموقع في صف المعارضة و رفض كل طرح للتحالف مع حزب العدالة و التنمية منذ البداية، حيث إن سعد الدين العثماني سينجح لا محالة في مهمته نظرا لطبيعة الرجل الهادئة، ثم إنه يعتبر محل إجماع من قياديي الحزب و رجل التوافقات ثم لحجم التجارب التي راكمها و استفاد من أخطائها خاصة لما كان على هرم الدبلوماسية المغربية.

الإتجاه الثاني الخروج للمعارضة وهو الطرح الذي ستكون له كلفة سياسية كبرى على الدولة ككل، خاصة على مسار الإنتقال الديمقراطي و مرحلة ما بعد الربيع العربي، مما سيربك و سيؤثر على صورة المغرب دوليا و الذي شكل الإستثناء في المنطقة بتبني خيار التغيير في ظل الإستقرار، و سيظهر حزب العدالة و التنمية ضحية لحسابات سياسية ضيقة مما سيعطيه، لا محالة، زخما أكبر و يؤهله لاكتساح الساحة السياسية في مستقبل الأيام و هو ما لا تريده النواة الصلبة للدولة و لا الهيئات السياسية الأخرى.

الإتجاه الثالث تنظيم انتخابات تشريعية جديدة، و يبدو أن تيارا داخل حزب العدالة و التنمية كان دعا إلى ذلك، غير أن اللجوء إلى هذا الخيار سيكون في حال تمسك كل طرف برأيه،  و بنفس شروط  التفاوض التي مرت بها مشاورات بنكيران مع كل من حزبي التجمع الوطني للأحرار و الحركة الشعبية، إلا أنه من المنتظر أن يقدم كل طرف تنازلات لتجاوز الوقوع في أزمة سياسية و دستورية، المغرب في غنى عنها، و تجنبا لمزيد من التعطيل للمؤسسات الدستورية و مزيد من هدر الزمن السياسي بالإضافة إلى الكلفة الإقتصادية و المالية الباهظة لإعادة الانتخابات.

ثم ما الفائدة من العودة لصناديق الاقتراع؟ و هنا نثير إشكالية إعادة الانتخابات التشريعية و الجدوى منها حيث أن غايتها الأساسية هي فرز أغلبية جديدة، و هو الأمر الذي لن يتحقق في ظل النظام الانتخابي الحالي، فنمط الاقتراع لن يتمخض عن شيء معتبر فمهما كانت النتائج و لو تصدر حزب العدالة والتنمية المشهد السياسي، فلا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يشكل أغلبية مطلقة دون اللجوء للتحالف مع بعض الأحزاب السياسية التي ترفض حاليا التحالف معه.

هذه، إذن، هي الخيارات الثلاثة التي نرى أنها الأقرب للتحقيق و الأجدى سياسيا و دستوريا إلا أننا لا نستبعد لجوء رئيس الحكومة المكلف، في ظل تمسك كل طرف بموقفه الذي أظهره خلال مرحلة تكليف بنكيران، إلى تشكيل حكومة أقلية بتحالف ثلاثي مع كل من حزبي الاستقلال و التقدم و الاشتراكية، حكومة ستكون مهددة بحجب الثقة في أية لحظة لتوفر المعارضة على أغلبية نيابية تتيح لها ذلك. كما أن خيار تكليف شخصية من خارج الحزب المتصدر تبقى واردة سواء أكانت هذه الشخصية من الحزب الثاني أو خارجه، سياسية أو ذات توجه تكنوقراطي فالفصل 42 من الدستور حمال أوجه.

إلا أننا نظن أن حكمة الطبيب و حصافة الفقيه و حنكة السياسي بالإضافة للدَّيْن المزدوج الذي للعثماني في عنق بنكيران يوم أزاحه هذا الأخير عن منصب الأمين العام للحزب سنة 2008، ثم لما أخرجه من التدبير الحكومي لما كان وزيرا للخارجية، كلها عوامل ستسهل مأمورية رئيس السلطة التنفيذية المعين.

صوت الحقيقة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.