مع الحراق : المجالس المنتخبة بالدار البيضاء : من أولوية خدمات البنية التحتية إلى أولوية تنشيط السهرات الفنية

مدير النشر17 يوليو 2025Last Update :
مع الحراق : المجالس المنتخبة بالدار البيضاء : من أولوية خدمات البنية التحتية إلى أولوية تنشيط السهرات الفنية

في الوقت الذي كانت فيه انشغالات تدبير الشأن المحلي منصبة على الأوراش الكبرى ذات الطابع البنيوي والاجتماعي، والمرتبطة أساسا بقضايا وهموم المواطنين اليومية. كتهيئة وتعبيد الطرق والشوارع، وتوفير النظافة والإنارة العمومية، وتأهيل الأرصفة والتشوير الطرقي، إلى جانب توفير أدوية الأمراض المزمنة وكافة الخدمات حفظ الصحة والسلامة، وغيرها من انتظارات الساكنة التي كانت ولاتزال ضمن أولويات اهتمامات المجالس المنتخبة، إذ طلعت علينا بعض إحدى هذه المجالس بعمالة مقاطعات الدار البيضاء أنفا، ببرامج وتدابير جديدة تم اعتمادها لأول مرة في تاريخ الجماعات المحلية والمقاطعات الحضرية، تدابير تعطي الألوية للتنشيط الثقافي والترفيهي للمدينة على حساب الخدمات الاجتماعية ومشاريع البنية التحتية، التي تشكل عصب تدبير الشأن المحلي.

ذلك أن هذه الأيام لا يكاد يمر أسبوع إلا وتجد منصات العروض منتشرة في الفضاءات العمومية، تعج ببرامج “الشطيح والرديح”، وأنشطة فنية لا تمت بصلة للهوية الثقافية والفنية لمدينة الدار البيضاء. والدافع الأول لهذا التحول في استراتيجية المجالس المنتخبة، من الاهتمام بحاجيات وهموم الساكنة على التنشيط “الزهو والنشاط”، يتمثل أساسا في كون التنشيط الثقافي أصبح يدر أموال طائلة وباهظة، خاصة مع تنامي ظاهرة شركات التواصل والتنشيط، المختصة في تنظيم المهرجانات والمراطونات. على غرار شركات البناء المختصة في مشاريع البنية التحتية الكبرى “لحفير وزفت والجليج” وتعبئة الطرق التي تخصص لها ميزانيات بملايير الدراهيم. وهو ما جعل بعض ممثلي هذه المجالس يفضلون إنشاء شركات للتنشيط والتواصل لعائلتهم وأقاربهم واصدقاءهم، طمعا في احتكار هذه التجارة الثقافية والفنية التي تحولت إلى بورصة للسهرات وسوبرماركت للمهرجانات.
والحال أن هذه الأنشطة الثقافية كانت حكرا على الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، والتي كانت لا تتجاوز ميزانيتها تكاليف خشبة العروض والإضاءة والصوتيات وأجور الفنانين، والتي في الغالب لا تربو عن 000 100 درهم بالنسبة لميزانية الجمعيات. أما اليوم فأصبحت الجماعات والمقاطعات المحلية هي التي تحتكر تنظيم مثل هذه السهرات الفنية والملتقيات الثقافية في الهواء الطلق. بنفس حجم ومستوى التنظيم الذي كانت تقوم به الجمعيات. الفرق هو أن هذه الأخيرة لا تتجاوز ميزانية سهراتها 10 مليون سنتيم، أما ميزانيات الجماعات المحلية تتجاوز 100 إلى 200 مليون سنتيم. بل هناك بعض الجماعات الحضرية قد تجاوزت ميزانية سهرة واحدة المليار سنتيم.

والمفارقة الغريبة، والمؤلمة في نفس الوقت، هو أن ظاهرة انتشار هذه السهرات الفنية والأنشطة الترفيهية المنظمة من طرف الجماعات والمقاطعات الحضرية، أصبحت تتزامن مع ظاهرة قرارات هدم الدور الآيلة للسقوط وإعادة الإسكان، وترحيل الأسر والعائلات قسرا عن طريق تسخير القوة العمومية. حيث يمكنك أن تعيش في لحظة واحدة شعورا وأحاسيسا متناقضة، تتابع فيها موسيقى الجرافات وهي تهدم المنازل وعويل وصراخ العائلات التي تم تشريدها، وتستمع في ذات الآن إلى موسيقى السهرات الفنية الصاخبة المنظمة باسم الموقعين على قرارات الهدم والترحيل. حتى تبلد الحس الإنساني أمام هذه المشاهد المتناقضة، وأصبح مثل حس حفار القبور، الذي لا يفرق في المقبرة بين زبنائه الموتى وزبنائه الأحياء. وثمة نموذج حي بمقاطعة سيدي بليوط يوثق لمشهد يشبه حفار القبور، حيث الرقص والصخب في سهرة فنية على أنغام هدم منازل الأسر التي شملتها قرارات الهدم.

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News
    error: عفوا لايمكنك نسخ المحتوى محمي بموجب قانون الصحافة والنشر شكرا على تفهمك