آيت بوكماز: عندما يكتشف رئيس الحكومة أخيرًا خريطة المغرب.

مدير النشر21 يوليو 2025Last Update :
آيت بوكماز: عندما يكتشف رئيس الحكومة أخيرًا خريطة المغرب.

احتاج الأمر إلى مسيرة. واحدة أخرى.
ليست مسيرة خضراء، ولا مسيرة بيضاء.
مسيرة عارية، صادقة، موجعة، عارية من المجاملات و مؤلمة في عمقها.
خرج فيها رجال من آيت بوكماز، من تلك الجبال الصامتة، ليكسروا صمت السلطة التنفيذية في الرباط.
من رحم هذه المسيرة، خرج التصريح المعجزة:
”المنطقة لم تنل نصيبها من الاستثمار في التنمية”.
في نفس التصريح اعترف رئيس الحكومة عزيز أخنوش أنه يعرف المنطقة حق المعرفة، بل إنه قضى فيها يومين وليلة واحدة منذ سنوات خلت.
يومان بين الجبال، بين التضاريس القاسية، والقرى المنسية، والوجوه المتجعدة بالحاجة.
يومان من المشاهدة… ولكن ليس من الفهم.
فكان لا بد أن يصرخ الناس سيرًا على الأقدام، حتى تنفلت من فم رئيس الحكومة جملة قد تبدو بسيطة، لكنها ثقيلة في معناها السياسي.
عندما يصبح التصريح الرسمي اعترافًا مؤلمًا
ما قاله أخنوش، في ظاهره و جوهره، هو أن مشكل المغرب ليس في الإمكانيات. بل في توزيعها.
فالتنمية ليست غائبة، بل هي تتجاوز مناطق بأكملها.
هناك من دخل في “المخططات الكبرى”، وهناك من تم تجاوزه كما يُتجاوز سطر في نص طويل.
لكن هذا السطر هو حياة الآلاف من المغاربة.
آيت بوكماز ليست وحدها في هذه الهامشية.
فهي أخت الحسيمة وجرادة وفيكيك وتالسينت.
دائمًا ننتظر أن يمشي الناس، أو أن يموتوا، كي تسمع الدولة.
ودائمًا تتم مواجهة هذه الصرخات أو الاحتجاجات أو التظاهرات بـ: “لم نكن نعلم”، وكأن غياب الطرق والماء والمستشفى معلومة سرية أو تسريبات استخباراتية.
التفاوت المجالي: جرح بنيوي لا يريد أن يندمل
المشكلة ليست خللًا في التسيير، ولا سهوًا عرضيًا.
إنها بنية متكرسة.
بنية تمنح بعض المناطق فتات الدولة: زيارات رسمية صيفية، مشاريع نموذجية تُصوّر أكثر مما تُنفّذ، وخطابات تُلقى أكثر مما تُفهم.
التنمية في المغرب ليست حقًا. إنها هبة أو إنعام.
لا تتبع الحاجة، بل تتبع الخرائط السياسية، وقربك من المركز، و”مردودك” الانتخابي.
وتصريح أخنوش، دون أن يقصد، يكشف عمق هذا التمييز في الولوج إلى الدولة.
ماذا يعني هذا التصريح فعلًا؟
عندما يقول رئيس الحكومة إن “آيت بوكماز لم تنل نصيبها”، فهو يُقرّ ضمنيًا بأن الدولة وزّعت التنمية بميزان غير عادل.
وأن بعض المواطنين يعيشون خارج العدل المجالي.
وأن المساواة بين الجهات مجرد شعار يُرفع في الدساتير، لا يُمارس في السياسات.
لكنه، رغم كل شيء، يبقى اعترافا. واعتراف الرجل الأول في الحكومة بهذه الحقيقة يُعيد طرح السؤال الأساسي:
ما جدوى التنمية إذا كانت تُقصي؟
هل هي تنمية ناطحات سحاب في البيضاء، وأطفال يمشون حفاة في الجبال؟
هل هي مستشفيات ذكية في العاصمة، ونساء يلدن على حافة الطرق و فوق البغال؟
هل هي مراكز بيانات في الرباط، وتلاميذ يقطعون ساعتين إلى قسم بدون سقف في آيت بوكماز؟
الاعتراف لا يكفي… لا بد من العدالة
في مداخلته أكد و اعترف السيد رئيس الحكومة أن متطلبات المنطقة ليست كبيرة كما صرح أن المغرب لا تنقصه الموارد.
كأنه يقول أن ما ينقص المغرب هو العدالة المجالية.
لا يمكن أن تبقى التنمية مكافأة توزع حسب المزاج أو الولاء.
يجب أن تتحول إلى مبدأ أخلاقي، وقاعدة دستورية، وخطة إنقاذ وطنية.
لكن هذا لا يتم بالخطابات. بل بالأفعال.
لأن آيت بوكماز لم تعد بحاجة إلى الكلمات. لقد دفنتها تحت أقدامها، وهي تمشي صوب ما تستحقه من كرامة.
لكن بدل أن يذهب رئيس الحكومة في هذا الاتجاه، اختار أن يحمل المسؤولية لرئيس الجماعة، لأنه سار مع الساكنة في المسيرة.
لم يكتفِ بالتنصل، بل اتهمه بـالاستغلال السياسي، وكأن الأمر يتعلق بحملة انتخابية، لا بنداء استغاثة.
وكأننا في لعبة تصفية حسابات، لا في مواجهة فقر بنيوي، وغياب خدمات أساسية.
هل صار دعم المواطنين وهم يطالبون بحقوقهم تهمة؟ وهل المقارنة اليوم بين الحاجة الإنسانية والذكاء التكتيكي؟
الكل في المغرب كما في البرلمان يعرفون من كان مسؤولا من الأحرار عن صندوق تنمية العالم القروي و من كان من حزب العدالة مسؤولا عن صندوق الشؤون القروية.
في النهاية، هذا البلد لا يحتاج فقط إلى تنمية.
بل إلى دولة تفهم أن من يصرخ في الجبال لا يريد صوتًا آخر فوقه، بل من يسمعه بصدق.
فآيت بوكماز، مرة أخرى، لم تنتظر أحدًا.
لقد مشت… بكرامتها ووجعها، لترسم حدودها بين النسيان والحق.

بقلم الدكتور حسن زاكي

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News
    error: عفوا لايمكنك نسخ المحتوى محمي بموجب قانون الصحافة والنشر شكرا على تفهمك