بقلم: د.حسن الشاديلي
صدر في الجريدة الرسمية عدد 7278 بتاريخ 20 فبراير 2025 قرار لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية يقضي بتخفيض أسعار مجموعة من الأدوية في السوق المغربية. قرار رحبت به الحكومة واعتبرته خطوة نوعية في إطار “تعزيز الولوج للدواء”. لكن، حين نتمعن في مضمون هذا الإجراء ونقارن الأسعار المخفضة بما هو متاح عالميا، خصوصا في الدول ذات السياسات الدوائية المستقلة، نجد أنفسنا أمام تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي والواقع المرير الذي يعيشه المواطن المغربي يوميا في صيدليات البلاد.
ولعل أبرز مثال يجسد هذا التناقض، تخفيض سعر دواء من 17.885 درهم إلى 9.451 درهم، أي بما يعادل أكثر من 47% من ثمنه الأصلي. غير أن نفس الدواء لا يتجاوز ثمنه في دولة الهند، المعروفة بإنتاجها الدوائي الجنيس عالي الجودة، 373 درهم فقط. هذا الفارق المهول في السعر يطرح تساؤلات جوهرية: هل التخفيض الذي أعلنت عنه الحكومة فعلا يخدم القدرة الشرائية للمواطن؟ أم أنه فقط إلتفاف ناعم على عمق الأزمة؟
أما بخصوص غياب الإرادة السياسية الدوائية : الواضح أن الحكومة، بقيادة السيد عزيز أخنوش، لا تحترم ذكاء المواطن المغربي حين تقدم مثل هذه “الإنجازات” على أنها خطوات كبرى، بينما هي في حقيقتها لا تمس جوهر الأزمة، بل تكرس منطق السوق الحرة والربح الأقصى، ولو على حساب صحة الإنسان.
إن عدم القدرة على استيراد أدوية جنيسة من الهند، رغم جودتها وثمنها الزهيد، يرجع إلى اتفاقيات التبادل الحر التي وقعها المغرب، خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تقيد بلادنا من الاستفادة من أدوية رخيصة بسبب حماية براءات الاختراع الدولية. هذه الاتفاقيات تعرقل اعتماد سياسة دوائية وطنية مستقلة، وتحرم آلاف المرضى المغاربة من الأدوية الحديثة التي تستعمل منذ سنوات في باقي دول العالم.
ومثال واضح على ذلك ما يحدث مع مرضى فيروس نقص المناعة البشرية (السيدا)، حيث يجبر المرضى في المغرب على استخدام أدوية الجيل الأول التي تعرف بآثارها الجانبية القاسية، بينما الأدوية الأحدث، ذات الأعراض المحدودة، تظل بعيدة المنال بسبب تكلفتها الباهظة، وغياب الإرادة السياسية لاستيرادها أو إنتاجها محليا.
واقع أرباح الصيدليات” الأرقام تكذب الشعارات”
يشير تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2023 إلى أن هامش ربح الصيدلي في المغرب يمكن أن يصل إلى 57%، وهو رقم يتم تداوله بكثرة في النقاش العمومي، دون فهم السياق الذي جاء فيه. لأن واقع الأرباح مرتبط بشرائح سعرية دقيقة، كما يلي:
الشريحة الأولى (من 10 إلى 298 درهم): ربح الصيدلي يصل إلى 33.9%.
الشريحة الثانية (من 298 إلى 994 درهم): ربح الصيدلي يقدر بـ 29.7%.
الشريحة الثالثة (من931 إلى 2099 درهم): الربح لا يتجاوز 300 درهم.
الشريحة الرابعة (من 2544 إلى 89.716 درهم): الربح لا يتجاوز 400 درهم فقط.
أي أن الصيدلي لا يربح سوى 400 درهم من دواء يبلغ سعره ما يقارب 90 ألف درهم، ما يعادل أقل من 0.5% من السعر! هذا يبين أن المشكل الحقيقي ليس في الصيدليات، بل في سلاسل الإنتاج والتوزيع والتسعير، التي تهيمن عليها لوبيات دوائية قوية لا تخضع للمساءلة.
التبعية لسويسرا: أرقام مقلقة
بحسب معطيات مكتب الصرف لسنة 2024، فإن 29% من واردات المغرب من الأدوية والمواد الكيميائية تأتي من سويسرا، في حين تغيب بشكل لافت الأدوية الجنيسة من بلدان كالهند أو البرازيل. هذه الأرقام تعكس درجة التبعية للمختبرات الغربية وتظهر فشل المغرب في بناء سياسة دوائية وطنية متحررة من الإملاءات الخارجية.
لقد آن الأوان لتجاوز “الإصلاحات التجميلية” واتخاذ قرارات سيادية جريئة، تعيد الاعتبار لصحة المواطن المغربي، عبر:
1. إعادة النظر في اتفاقيات التبادل الحر، بما يسمح باستيراد الأدوية الجنيسة من الهند ودول الجنوب.
2. تطوير الصناعة الدوائية الوطنية من خلال دعم البحث والتطوير وإعفاء الشركات الوطنية من بعض الرسوم الجبائية.
3. إحداث وكالة وطنية للدواء مستقلة عن التأثيرات السياسية والتجارية.
4. إرساء نظام شفاف لتسعير الأدوية، يراعي القدرة الشرائية للمواطن ويخضع لمراقبة حقيقية.
خاتمة
إن الحق في الدواء هو حق دستوري لا يجب أن يختزل في حملات إعلامية أو تخفيضات شكلية. ما نحتاجه اليوم هو قرار سياسي شجاع يحرر السيادة الدوائية من قبضة لوبيات الربح، ويضع صحة المواطن فوق كل اعتبار تجاري أو دبلوماسي. لأن المغرب، في نهاية المطاف، لا يمكن أن يبني نموذجه التنموي إلا على أسس العدالة الصحية والاجتماعية.
مراجع ومصادر:
الجريدة الرسمية عدد 7278، الصادرة بتاريخ 20 فبراير 2025، وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.
تقرير المجلس الأعلى للحسابات 2023، محور “الولوج للأدوية والرقابة على الأسعار”.
مكتب الصرف – التقرير السنوي 2024، قسم الواردات الصيدلانية والكيميائية.
اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وزارة الاقتصاد والمالية.
دراسة ميدانية حول ولوج الأدوية الجنيسة في المغرب، منشورة من طرف المركز المغربي للسياسات الدوائية (2022).
أرقام مقارنة من منظمة الصحة العالمية WHO حول أسعار الأدوية في البلدان النامية.








Sorry Comments are closed