عبد الوافي الحراق
نشرت جريدة الصباح في عددها المزدوج خلال نهاية الأسبوع الفارط حديثا للسيد رئيس اللجة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، لم أستبين موضوعه، هل هو مقال صحفي أم جنس الأدبي؟ أم أنه عبارة عن تدوينة أو خاطرة من فن الخواطر؟ وهل يرقى إلى صنف المقالات الفلسفية؟ أم لا يروق حتى للسردية الذاتية.؟ ولكن، لندع جانبا مسألة تصنيف موضوع هذا الحديث، المعتل في بنائه المنهجي، والمختل في نسقه المفاهيمي، ولنركز على ما جاد به متنه.
يبدو أن السيد رئيس اللجنة المؤقتة من خلال حديثه هذا، الذي خص به جريدة الصباح، حول قضية تعيين رئيس المجلس الوطني للصحافة من طرف رئيس الحكومة، كان يتحدث لمحدثته التي وصفها بمبعوثة إحدى الهيئات الدولية، ولم يذكر اسمها ولا اسم هيئتها الدولية ولا حتى موطنها، بالرغم من أن السيدة كانت هي محدثته ومحور حديثه الذي خص به جريدة الصباح. فتحول النقاش إلى مونولوج شو، تقمص فيه رئيس اللجنة دور الرواي والمتلقي، والخطيب والمخاطب، ولم نعد ندري من السائل والمسؤول؟ وما السؤال أصلا؟
والظاهر من خلال هذه الثنائية في الخطاب، أن السيد رئيس المجلس حاول إبراز موقفه من خلال محدثته المبعوثة الدولية المجهولة الاسم والصفة، التي أبدت له، على حد قوله، موقف بعض الهيئات والمنظمات المهنية الوطنية، وتخوفها من هيمنة الدولة على المجلس الوطني للصحافة. وأن إحداث اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة قرار غير دستوري، وأن خطر هيمنة الدولة على قطاع الصحافة يتجلى في تعيين رئيس الحكومة لرئيس هذه اللجنة المؤقتة.
والحال أن رئيس اللجنة المؤقتة كان يهدف من خلال تساؤلات هذه المبعوثة الدولية المجهولة الاسم والهيئة، إلى التوجيه والتأثير في موقف الدولة بطريقة غير مباشرة، وإحاطة الحكومة برسائل مشفرة، للدفع بها لتبني أطروحته المنشودة، المتمثلة في الظفر برئاسة المجلس دون خوض مغامرات الانتخابات أو إعمال الديمقراطية، والتي لا محالة لم يعد له فيها حظا، بالنظر إلى تجربته الفاشلة خلال طيلة هذه السنوات التي قضاها لحد الآن على رئاسة المجلس واللجنة المؤقتة. وحتى يدفع الحكومة للسقوط في شراك مخططه الرامي إلى الجلوس على كرسي الرئاسة، كان لا بد له من استعمال ألية التخويف بعواقب رفع يد الدولة على التنظيم الذاتي للمهنة، ورهن مستقبل الصحافة بانتداب رئيس المجلس من قبل الحكومة. وكأنه هو الوحيد في هذا الوطن العزيز، الذي يملك الخلاص ومفاتيح الحلول للنهوض بقطاع الصحافة. معززا ذلك بعرض بعض التجارب الضعيفة والقليلة، وبعض النماذج الدولية المنعزلة والاستثنائية، التي يسري فيها نظام تعييين رؤساء مجالس الصحافة من طرف حكومات دولهم. في محاولة منه لإقناع الحكومة المغربية للاقتداء بهذه البلدان، وتعيينه على رئاسة مجلس الصحافة والنشر. بعدما تبنت اطروحته الأولى وانتدبته رئيسا للجنة المؤقتة.
ويمكن إجمال الرسائل المشفرة لرئيس اللجنة المؤقتة من خلال سرديته هاته، المنشورة بجريدة الصباح فيما يلي :
أولا : تخويف الدولة من أن هناك هيئات ومنظمات مهنية ترفض تعيين رئيس المجلس من طرف رئاسة الحكومة، وأنها تعتبر تدخل الدولة في مجلس الصحافة خطرا وهيمنة على قطاع الصحافة المغربية. وبالتالي على الدولة حسب رسالته المشفرة أن تقف إلى جانبه وتقدم له الدعم، أو بتعبير آخر “إلا بغاتو الدولة” عليها أن تنتدبه على رئاسة المجلس لمواجهة مثل هذه المنظمات المهنية الرافضة لتدخل الدولة في قطاع الصحافة. في اعتقاد منه أن الدولة قلقة مما يروج حول سحب سيادتها على قطاع الإعلام، أو انفلات تحكمها في مجلس الصحافة. ونسي أو تناسى السيد رئيس اللجنة المعين أن الدولة “ما نايضاش ليه من النعاس”، ولو كانت لها رغبة في التحكم بقطاع الصحافة لما عملت على تفويته للتنظيم الذاتي ولا حرصت على تقنين استقلاليته.
ثانيا : محاولة السيد رئيس اللجنة المؤقتة نقل موقف التخوف الذي انتاب الهيئات التنظيمية والنقابات المهنية، حول عملية تعيين رئيس المجلس، إلى موقف تخوف المنتظم الدولي، حيث حاول إقناع محدثته المبعوثة الدولية المجهولة الاسم والهوية، على أن هناك نماذج لدول غربية تعتمد نظام تعيين رئيس مجلس الصحافة من قبل الحكومة أو البرلمان أو الهيئات القضائية، وأشار إلى أن موظفا ساميا مكلفا من قبل ملك بريطانيا قام بتعيين لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الصحافة الجديد. وتتجلى الرسالة المشفرة هنا للسيد رئيس اللجنة المؤقتة في محاولته لإقناع الدولة بتعيين رئيس المجلس سواء من طرف رئيس الحكومة أو البرلمان أو مجلس القضاء أو مستشار الملك. ونسي أو تناسى السيد رئيس اللجنة المؤقتة أن عدد الدول التي تنتدب رئيس المجلس للصحافة قليلة جدا أمام عدد الدول الديمقراطية الكبرى. فهل الدولة المغربية أمام مكتسباتها في مجال حرية الصحافة وحقوق الإنسان، مطالبة باعتماد القاعدة الديمقراطية أم الاستثناء البيروقراطي؟ ثم أن، بأية شروط يتم تعيين رؤساء مجالس الصحافة بهذه الدول الغربية؟ هل بحجم تكاليف ميزانية تبلغ 3 ملايير و200 مليون سنتيم، تخصم سنويا من مال الشعب وعلى حساب الأزمة التي تعاني منها المهنة؟ هل بأجرة شهرية لرئيس المجلس المعين تفوق أجرة وزير، فضلا عن مصاريف النفقات المصاحبة، التي قد تصل في مجموعها إلى 8 ملايين شهريا، هذا ناهيك عن تعويضات باقي أعضاء المجلس؟ أما الصفقات وطلبات العروض، فعلمها يبقى بين يدي مسؤولية المجلس الأعلى للحسابات.
ومما يبعث عن الاستغراب، هو أن السيد رئيس اللجنة المؤقتة بصفته ينتمي إلى حزب ذي مرجعية اشتراكية، المفترض فيه دعم التنظيم الذاتي للمهنة واستقلالية الصحافة عن الدولة، يدفع، بكل ما يملك من قوة ونفوذ سياسي، إلى بسط سيادة الدولة على قطاع الإعلام والصحافة. في الوقت الذي تدفع فيه الدولة إلى استقلالية الإعلام وتشجيع التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة.
ثالثا : بانعطاف حاد عن الموضوع، قفز السيد رئيس اللجنة إلى موضوع غير ذي صلة، مليء بالحشو والتنميط بالمفهوم السيكولوجي للمصطلح. حيث من الحديث مع المبعوثة الدولية في خرجته الإعلامية بجريدة الصباح، حول تبرير موقفه الداعم لتدخل الدولة في قطاع الصحافة، قفز مباشرة إلى الخوض في مواضيع سياسية فجة وإسقاطات فلسفية سطحية، يطرح من خلالها النزعة الامبريالية لدى الغرب تجاه الآخر، مع توظيف مصطلحات من قبيل الإثنولوجيا والأنتربولوجيا، في إشارة منه للنظرة الاستعلائية بين المتحضر والآخر المتخلف، وإلى غيرها من الإسقاطات التي لا علاقة لها بموضوع مهنة الصحافة والتنظيم الذاتي. بينما كان أولى لرئيس اللجنة المؤقتة أن يربط حديثه هذا مع السيدة المبعوثة الدولية، بمواضيع ذات الصلة بفلسفة التشريع الإعلامي، وطرح إشكالية التنظيم الذاتي من المنظور الإبسيمولوجي وليس الأنتروبولوجي، يهتم بحدود المعرفة وعلاقتها بالإعلام، وبطبيعة الصحافة وارتباطها بالمعلومات والتكنولوجيا الرقمية. لاسيما وأن عصر الخورزميات، قد أنتج ثقافة رقمية، وعلوم إلكترونية، وذكاء اصطناعي هيمن على كل مناحي حياة المجتمعات الإنسانية، وأحدث ثورة مفصلية في تاريخ علم الاجتماع والعلوم الإنسانية. حيث كان على رئيس اللجنة المؤقتة – إن كان ولابد مضطرا لربط موضوع انتداب رئيس المجلس بالأنتروبولوجيا – أن يركن بطرحه إلى منهج بحثي في علم الإثنوغرافيا المرتكز على دراسة الثقافات والتفاعلات البشرية في البيئات الرقمية، المنتشرة في زمن الانترنيت ووسائل الإعلام التواصل الاجتماعي. وهو علم متخصص يسمى “النتنوغرافيا”، يهدف إلى دراسة وفهم السلوكيات والتفاعلات الاجتماعية التي تتشكل عبر الفضاءات الإلكترونية وتنعكس ضلالها على المجتمع ونواميسه.
وخلاصة القول، كان على السيد رئيس اللجنة أن لا يقحم مواضيع أكبر منه، في موضوع مهني محض يتعلق بالتنظيم الذاتي للمهنة، وبقضية تعيين وانتداب رئيس المجلس الوطني للصحافة من قبل الحكومة أو البرلمان او القضاء. كما كان عليه أن ينأى بنفسه عن هذا الارتجال الفلسفي والخلط في الأفكار، وأن “يخرج ليها كود” ويناشد الدولة بتعيينه رئيسا للمجلس الوطني، بعد أن عينته رئيسا للجنة المؤقتة، دون لف أو دوران. ولكن هيهات هيهات، لن تتنازل الهيئات المهنية والمهنيين عن الديمقراطية والانتخابات، والتمثيلية بالتناوب كما هو منصوص عليه في الدستور وقانون الصحافة والنشر.







