“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية”

مدير النشر9 مايو 2019Last Update :
“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية”

صوت الحقيقة:محمد كروم

“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطاوية ” مشروع كتاب عن مشاهداتي في إقليم طاطا، أقدمه لقراء جريدة صوت الحقيقة على شكل حلقات أسبوعية، أرجو أن يكون مفيدا أوممتعا، موعدنا كل خميس.

الحـــلـــقــــة 1

قبل الذهاب إلى طاطا:

قبل أن أحمل عصى الترحال، وأقطع الصحاري والتلال، لأنزل بربوع طاطا، وأخالط أهلها، كنت تعرفت عليها من مصادر عديدة:

ـ مجموعة ” ذكريات من منفى سحيق ” القصصية للصديق القاص صخر المهيف، الصادرة سنة 2007 والتي استوحت كثيرا من أجوائها القصصية من أفضية هذا الإقليم.

ـ الفيلم التربوي ” مبيريك ” من انتاج ثانوية الوحدة والذي يصور واقع وأحلام المتعلمين في هذه البقاع.

ـ نص ” النمور في طاطا ” للصديق القاص والروائي عبد العزيز الراشدي، وهو نص سردي من وحي زيارة قام بها إلى المدينة.

ـ ما كتب على صفحات النيت عن فوز أحد تلامذة الإقليم في مسابقة “جائزة محمد زفزاف لناشئة القصة المغربية” التي نظمتها جمعية نادي القصة القصيرة بالمغرب فاستدعي إلى الرباط للمشاركة في حفل تتويج الفائزين، ولما وصل إلى هناك، لم يجد أحدا. وهو حدث كان له أعمق الأثر على نفسي، انتهى بي إلى كتابة نص قصصي يحمل عنوان ” الجائزة الكبرى “. وهو منشور بمجموعتي القصصية الأولى.

ـ السخرية السوداء التي كان يغلف بها الصديق الأستاذ عمر أيت واورس حكاياته العجيبة عن حياة المدرسين في طاطا، وكان ساعتها مدرسا للغة الإنجليزية بفم زكيد.

ـ هذه المعرفة توجت بدعوة جميلة وجهها إلي الصديق الأستاذ شكيب أريج ـ عندما كان يدرس بربوعها العامرة ـ للمشاركة في حفل تقديم مجموعتي القصصية ” شجرة القهر”، ولكنها دعوة عجزت عن تلبيتها ـ متأسفا ـ في آخر لحظة لأسباب قاهرة، ونابت عني بعض نسخ المجموعة التي سافرت حينها على “مكتبة المسجد”.

هذه المصادر ساهمت في تشكيل تمثل غير متجانس عن المدينة، ساهم بدوره  في خلق توجس ظاهر عندما عينت فيها ـ وهي أبعد مديرية إقليمية في جهة سوس ماسة ـ مفتشا تربويا لمادة اللغة العربية، فلم أملك إلا أن أتمثل قول الشاعر:

مشيناها خطى كتبت علينا                   ومن كتبت عليه خطى مشاها[1]

كانت الرحلة إلى طاطا رحلات. ولأن الذاكرة تنسى أو تخون، وحتى لا تضيع مشاهداتي وأثرها، وتذروهما رياح النسيان، قررت أن أقيدهما قيد الأوابد على هذه القراطيس.

في الطريق إلى  إغرم:

كنا ثلاثة: حسن مفتش التربية الإسلامية، ونوفل مفتش التربية البدنية، وكاتب هذه السطور. قبل الالتقاء،                     زرت محطة باب الزركان، فاستعلمت عن مواعيد الحافلات، وسيارات الأجرة، وثمن التذاكر. حتى أتجنب مقالب مساعدي السائقين وكل أنواع اللصوص الذين تحبل بهم المحطات الطرقية. استبشرت خيرا، لتوفر وسائل النقل في أوقات كثيرة، ولكون الثمن معقولا. لكن سأعرف فيما بعد أن المشاكل لا تنفك تتربص بالمسافرين تربص الضواري بالفرائس. فقد تتوفر الوسائل ولا يتوفر الركاب.

الحافلة التي ستقلنا في آخر يوم من شهر غشت 2018، ستأتي من إنزكان، وستصل تارودانت على الساعة الرابعة مساء. قبيل وصولها علمنا عن طريق المفتش نوفل القادم على متنها من أكادير أنها لن تدخل محطة تارودانت، وأن علينا تدبر أمر انتظارها على مشارف وادي سوس.

بضع كلمترات علينا أن نجد وسيلة نقل توصلنا إلى حيث ستمر، وبأقصى سرعة لأنها لن تنتظرنا، وقد نضطر للعودة إلى بيوتنا حتى الصباح.

وكالقدر الجميل لمحت سائق سيارة أجرة صغيرة سبق أن تتلمذ على يدي، ناديته فلم يتأخر، وحملنا هاشا باشا إلى حيث نريد، نبهته أن المكان خارج المجال الحضري، فضحك كعادته مستسهلا الصعاب.

كانت الحافلة ملأى عن آخرها، وجدرانها تنفث اللهب الأحمر. كدنا نختنق. ورغم أننا كنا مسافرين داخل حدود الوطن فقد شعرت في لحظات دقيقة كأننا  في بطن خزان حديدي يخترق صحراء بلا حدود. وهي تعبر لاهثة جبال الأطلس الصغير صعدا باتجاه إغرم، كان السائق يظهر من البراعة ما يشفع له بحمل صفة سائق حافلة على طريق طاطا، ويبعث الاطمئنان في نفوس الركاب الدائخين مثلي. كان الطريق يلتوي ويتمدد كالثعابين. على يسارنا حافات حادة جدا، وعلى يميننا يرتفع الجبل في شموخ، وقد تناثرت عليه أشجار عجفاء يكسوها غبار الصيف الكثيف، وبين الفينة والأخرى يبدو بعض الفلاحين بحمرهم الهزيلة يلتقطون حبات الأركان كما يلتقط الطير حبات البر من بين الأشواك والحجارة.

كلما قطعنا جزءا من الطريق، ظهرت أشكال جبلية جديدة تختلف هندستها عن سابقاتها. تبدو مرة على شكل أهرام، ومرة على شكل سلسلة طويلة، تنحني حينا وتشمخ حينا آخر. ومرة تبدو على شكل قطع حلوى خرافية تزينها خطوط من شكولاطة الصخور.

منظر الصخور الرائعة، وتناثر الأشجار عليها، لم يكن يرج صورته إلا ميلان الحافلة، أو تذكر جحيم اللهب الذي تجود به ـ غير بخيلة ـ  كل أطرافها.

حين تجاوزنا المقطع الطرقي الصعب وصرنا فوق القمة، على مشارف دوار إيمارضن، كنا نلتفت إلى الخلف فتبدو تارودانت غارقة وسط السهل في هدوء باذخ، ممدة كأنثى على شاطئ خريفي. على طول المنعرجات المقبلة صادفنا دواوير ومحطات مختلفة مثل أزور، وإدا وفينيس، و واوفنغا، وأسنفو، وأيت عيسى، وثلاث إن فريد، وأجكاسن، وتاديزا. في البداية وجدنا صعوبة كبيرة في قراءة هذه الأسماء على علامات الطريق. ثم بدأنا نستأنس بها ونتعود على سماعها ونطقها. غالبيتها أسماء أمازيغية، لدواوير مقصية، ومحرومة من حقوق كثيرة. يستطيع المسافر أن يلاحظ بساطة السكان ومستوى عيشهم كل اثنين حين يقصدون سوق إداوفينيس الذي تعبره السيارات والحافلات. وهو سوق صغير ينظم بين الدكاكين القليلة وقرب جدران المنازل وعلى قارعة الطريق لضيق المكان. وعلى السائقين أن يسيروا ببطء وحذر شديدين، حتى لا يصدموا أحدا، فالناس مشغولون بهمومهم، ولا يبالون بالعجلات المتحركة.

أسنفو، مقهى يرتادها الراغبون في الاستراحة. واسعة على ظهر الجبل مفتوحة على الفضاء الرحب. لا يطيل روادها المكوث بها. يصلون أو يشربون بعض السوائل ثم يواصلون رحلتهم.

لما وصلنا إغرم كانت الشمس قد احتجبت في مقصورتها العالية، وقد سمحت للهيبها أن يخف، ويرحم العباد قليلا. في هذه البلدة العالية، والباردة توقفنا مرات عديدة في رحلاتنا الموالية. فيها شاهدنا الأهالي يخرجون زمرا وفرادى، احتفالا بمهرجان اللوز ( أنشئت بإغرم دار اللوز بمليون و 950 ألف درهم ). وأهل إغرم ذوو بشرة بيضاء، وجمال ظاهر، لا يجدون حرجا في الجلوس على كراسي المقاهي مع نسائهم وبناتهم. بسطاء، وأنيقون. غزتهم كثير من مظاهر التمدن، رغم تمسكهم بلباسهم التقليدي. تعج أسواقهم ومحطتهم بالزوار، وأهالي الجبال الذين ينحدرون  من كل فج لقضاء حاجاتهم المختلفة. وحدهم بعض أرباب الدكاكين تستطيع أن تحس في تعاملهم بعض التوجس من العابرين.

تعبر قيادة إغرم الطريق المؤدية إلى طاطا. تبدو نظيفة إلى حد ما، لكنها كالشجرة التي تخفي غابات الأزبال والإهمال.

في إغرم أيضا شاهدنا النساء يحرثن، ويحتطبن، بجد قل نظيره، وشاهدناهن مرات أخرى يحصدن وهن يسابقن الزمان. وشاهدناهن ليلا على ضوء السيارات ومصابيح الطرق يجلسن على عتبات البيوت، ويتكئن على الجداران، يقتسمن أحاديث الهم والسلوان. وشاهدنا الرجال يمشون كثيرا في الطرقات أو يجلسون بجانب المساجد يستلذون الخمول.

تربتها هزيلة، ومياهها قليلة. مناخها البارد سمح بانتشار أشجار اللوز بين مفاصل الصخور على مساحات لا بأس بها، وسمح بتأخر نضج فاكهة الصبار اللذيذة، ومكنها من أن تعيش فصل ربيع حقيقي رغم انحباس المطر منذ شهر أكتوبر. فكم مرة عبرناها فوجدناها تتبختر في حللها الموشية “متبرجة تبرج الأنثى تصدت للذكر”. هذه المزايا جعلتها محط أطماع الرعاة الرحل، واعتداءاتهم وكأني بهم هم القائلون:

إذا نزل الغيث بأرض قوم       رعيناه وإن كانوا غضابا.

وفي الصيف يقصدها أهل طاطا يستجيرون بها من رمضاء مدينتهم، فيتخذونها مصطافا. يكترون دورها، وينعمون بهوائها.

بعد استراحة قصيرة، تحركت الحافلة، وما زال في ذكرى إغرم ما يستحق الحكي. في مخرج البلدة بدت الجبال الشامخة على ضوء الغسق كما قال الشاعر:

وأرعن طماح الذؤابة باذخ              يطاول أعنان السماء بغارب

يسد مهب الريح من كل وجهة          ويزحم ليلا شهبه بالمناكب

وقور على ظهر الفلاة كأنه             طوال الليالي يفكر بالعواقب[2]

( يــتــبــع…).

 هذا بيت من قصيدة نسبت لكثير من الشعراء، لكن المرجح أنها لعبد العزيز الدريني، من شعراء القرن العاشر الميلادي بمصر، قيل عنه إنه كان سريع النظم، وله أشعار كثيرة.[1]

 الأبيات من قصيدة للشاعر الأندلسي ابن خفاجة في وصف جبل، وهو من شعراء القرنين الخامس والسادس الهجريين، عرف عنه انقطاعه لحياة اللهو والترف، والتفرغ للشعر، ولقب بالبستاني لاشتهاره بوصف الطبيعة.[2]

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
error: عفوا لايمكنك نسخ المحتوى محمي بموجب قانون الصحافة والنشر شكرا على تفهمك