بقلم الصحفي والباحث الإعلامي عبد الواف الحراق
يكثر الحديث في السنوات الأخيرة عن أزمة السياسة، وعن عزوف المواطنين، وخاصة الشباب، عن المشاركة في الانتخابات والانخراط في الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية. وفي المقابل، يزداد منسوب المطالبة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يمكن الحديث عن مواطنة حقيقية في غياب المشاركة السياسية؟
إن المواطنة ليست مجرد بطاقة تعريف وطنية أو انتماء جغرافي إلى بلد معين، بل هي علاقة متوازنة بين الحقوق والواجبات. فكما يطالب المواطن بحقه في التعليم والصحة والشغل والعيش الكريم، فإنه مطالب أيضاً بالمساهمة في تدبير الشأن العام، كل من موقعه، عبر التصويت أو الترافع أو الانخراط في المبادرات المدنية والسياسية التي تسعى إلى تحسين أوضاع المجتمع.
لقد ترسخت لدى فئات واسعة من المواطنين صورة سلبية عن السياسة، باعتبارها مجالاً للصراعات والمصالح الشخصية والوعود الانتخابية غير المنجزة. وهذا أمر مفهوم في ظل بعض الممارسات التي أضعفت الثقة في المؤسسات والفاعلين السياسيين. لكن رفض بعض الممارسات لا ينبغي أن يتحول إلى رفض للسياسة نفسها، لأن السياسة في جوهرها ليست سوى تدبير للشأن العام وتنظيم للعلاقات داخل المجتمع.
إن المقاطعة والعزوف قد يبدوان موقفاً احتجاجياً مشروعاً، لكنهما في النهاية يتركان المجال فارغاً أمام الآخرين لاتخاذ القرارات التي تهم الجميع. فحين يعزف المواطن عن المشاركة، فإنه يتنازل بشكل غير مباشر عن حقه في التأثير على السياسات العمومية واختيار من يمثله.
ومن اللافت أن الدستور المغربي ربط ممارسة بعض آليات الديمقراطية التشاركية، كحق تقديم العرائض والملتمسات، بالتسجيل في اللوائح الانتخابية. وهذا الربط يحمل رسالة واضحة مفادها أن الحقوق السياسية لا تنفصل عن المسؤولية المدنية، وأن المشاركة ليست خياراً ثانوياً، بل هي جزء من مفهوم المواطنة ذاته.
إن بناء مجتمع ديمقراطي قوي لا يتحقق فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل يحتاج أيضاً إلى مواطنين فاعلين يؤمنون بأن التغيير لا يأتي من خارج المجتمع، بل من داخله. فالديمقراطية ليست مجرد عملية تصويت تُمارس كل بضع سنوات، وإنما ثقافة يومية تقوم على الحوار والمساءلة والمشاركة وتحمل المسؤولية.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في رفع نسب المشاركة السياسية، بل في إعادة الاعتبار لفكرة المواطنة نفسها، باعتبارها ممارسة واعية ومسؤولة للحقوق والواجبات. فالمواطن الذي يشارك في صنع القرار، ولو بصوته أو رأيه أو مبادرته، يساهم في بناء وطنه أكثر من المواطن الذي يكتفي بانتظار ما يقرره الآخرون.
إن مستقبل الديمقراطية يبدأ من مواطن يؤمن بأن السياسة ليست شأناً يخص السياسيين وحدهم، بل مسؤولية جماعية تهم كل فرد يسعى إلى العيش في مجتمع أكثر عدلاً وكرامة ومشاركة.









Sorry Comments are closed