صوت الحقيقة .. عبد الوافي الحراق
عندما أصدرت وزارة الداخلية قرار حظر التجوال الليلي، يشمل مختلف وسائل الإعلام، باستثناء الإعلام العمومي والإذاعات الخاصة، استثارت حفيظة الصحافيين المهنيين والمؤسسات الإعلامية الحزبية والمستقلة، واعتبروه تحكما وتمييزا عنصريا وإقصائيا. وأثارت الوزارة بذلك زوبعة من التداعيات وردود الأفعال، تم توصيف أقلها بتقويض حرية الصحافة والإخلال بمقتضيات الدستور، ووسم أقصاها بالمؤامرة ضد الإعلام، ومحاولة إبعاده من أجل التستر على ما قد تقبل عليه السلطات المحلية والأمنية من تجاوزات وشطط ليلا.
ويبدو أن وزارة الداخلية اعتمدت على اتخاذ هذا القرار في تقديرها، على طبيعة الاشتغال لدى إدارات هذه المؤسسات الإعلامية العمومية والمحطات الإذاعية الخاصة، التي تشتغل 24 على 24 ساعة دون توقف. في حين، في نظرها، أن الجرائد الورقية بصيغتها الحالية (بي دي إف)، وتوقف إدارتها ومطابعها عن الاشتغال ليلا، يجعلها معنية بالالتزام بالحجر الصحي خلال هذا التوقيت. كما أن أغلب الصحف الإلكترونية، إن لم يكن جلها، لا تشتغل إداراتها ليلا. أما فيما يتعلق بالعمل الميداني للصحافيين، فلربما خلفية وزارة الداخلية ارتكزت أساسا على توقف حركة أنشطة كافة المؤسسات الحكومية والغير الحكومية وقطاع الخواص. من ندوات صحفية ولقاءات تواصلية، وشؤون سياسية واقتصادية، وأنشطة ثقافية ورياضية، ومتابعات للحوادث والقضايا الاجتماعية وغيرها. وبذلك حسب تقييمها للوضع الذي تمر به البلاد، أن مجال العمل الصحفي الميداني، والبحث عن المادة الإعلامية قد يكون غير متوفر ليلا.
والحال أن هذا القرار يعتبر إلى حد ما واقعيا وغير مخل بحرية الصحافة أو تقويضها، بالنظر إلى مواثيق الأمم المتحدة ودساتير دول العالم، التي تقر بنظام الطوارئ، يسمح بفرض بعض القوانين الطارئة والقرارات الملزمة على مختلف مؤسسات الدولة وأنشطتها المجتمعية، حسب طبيعة الأسباب الداعية لها. كالأزمات الصحية التي تفرض الحجر الصحي، أو الأزمات السياسية التي قد تصل إلى حل البرلمان وإقالة الحكومة، وما شابه ذلك.
كما أن منح وزارة الداخلية في قرارها حق العمل ليلا للإعلام العمومي والإذاعات الخواص، واستثناء باقي المؤسسات الصحفية الحزبية والمستقلة، الورقية والإلكترونية، يدخل في إطار جملة من القرارات الإدارية التي شملت قطاعات أخرى حيوية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك قطاع الطيران، حيث أغلقت المطارات في وجه عدة شركات الطيران، وتم استثناء بعضها لضرورة الطوارئ، كطائرات الشحن ونقل المسافرين الدبلوماسيين والأجانب العالقين بالمغرب. وكذلك شاحنات نقل البضائع، حيث يسمح لبعضها بنقل السلع والمنتوجات، المرتبطة بالمواد الغذائية والفلاحية والحاجيات الصحية والطبية. في حين تم إبعاد شركات أخرى للنقل والشحن. ومع ذلك فإن هذه الشركات والمؤسسات التي طبق عليها الحجر الصحي، لم تعتبر قرار استثناءها من العمل تمييزا عنصريا أو إقصاءا ممنهجا، أو احتكارا من طرف لوبيات الاقتصاد وزبونيات الإدارة. وما إلى ذلك من القراءات الظنية والمزايدة المهنية.
وهذا ما سقطت فيه بعض الأوساط الإعلامية ، التي استشاط غضبا من هذا القرار الوزاري، ووصفته بالتمييز العنصري. فتحركت أقلام المنددين يمينا وشمالا، وتدافعت أصوات المحتجين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الشيء الذي دفع وزارة الداخلية إلى الإقدام على خطوات مرتجلة أكثر مساسا بحرية الإعلام، واتخاذ قرار مجحف منافيا لقانون الصحافة والنشر. فإذا كان القرار الأول يستثني الصحافة الوطنية من التحرك ليلا، فإن خضوعها في هذه الحالة لقانون الطوارئ المتعارف عليه عالميا، يحفظ لها على الأقل ماء الوجه وهيبتها المهنية. أما القرار الثاني المعدل، فقد أدخلها في حسابات ضيقة وممارسة القيود القبلية على حرية الصحافة. حيث أعطي الحق للسلطات المحلية في التحكم بالصحافيين ومقاولاتهم الإعلامية، وعدم مزاولة مهامهم المهنية إلا بعد الحصول على ترخيص منها أو إذن أو إشعار. وهو ما يتنافى مع الدساتير والمواثيق الدولية. وبذلك تكون هذه الاحتجاجات الإعلامية عن القرار الوزاري الأول، غير مدروسة أو محسوبة العواقب. حيث دفعت بفتح الباب أمام عودة السلطة الإدارية للتحكم في وسائل الإعلام، وضرب بعرض الحائط ما حققه الجسم الصحافي من مكتسبات، في مقدمتها قانون الصحافة والنشر 13. 88. الذي انتزع المقررات الإدارية من السلطات العمومية، وجعلها بين أيدي السلطة القضائية. كجهة وحيدة مخول لها إصدار مقررات قضائية في حق الإعلام.
وعطفا على ذلك، فإن الصحفيين والمقاولات الإعلامية مدعوون الآن للتكتل والتعبئة أكثر مما فات، لإسقاط هذا المقرر الإداري. الذي يقوض حركة الممارسة المهنية، وحرية تنقل الصحافيين، والتحكم في وسائل الإعلام. للحيلولة دون العودة إلى ماضي وزارة الداخلية والإعلام.








