صوت الحقيقة:محمد كروم
الحـــلـــقــــة 8
أقـــا: رحلة الشتاء والصيف
في صباح باكر من شهر دجنبر، وقبل أن تغادر النجوم سماءها، جاء سائق سيارة المصلحة فحملنا إلى تمنارت بعد أن غيرنا برنامجنا بسبب إضراب الأساتذة المتعاقدين. انطلقت السيارة تعبر الفيافي وسط سهل منبسط، ممتد على طول الطريق بين طاطا وأيت وابلي مرورا بأقا. على يميننا، وعلى يسارنا سلاسل جبلية متوسطة الارتفاع، شديدة الطول. أشجار الطلح العجفاء كانت أقل خضرة من نظيرتها على طريق تيسنت أو أقا إيغان. كانت تتراجع هاربة، خائفة كأشباح ذكريات جميلة.
ومن بين الفجاج التي تقطع اتصال السلسلة الجبلية كانت الشمس تطل وتهرب، حتى إذا طال ارتفاعها غطت السهل المترامي كله. السهل الأجرد الذي لا يغير رتابته إلا واحات صغيرة متناثرة، أو بقع خضراء خلفها تساقط الأمطار الأخيرة. بقع لا تخلو من طرافة. فلأول مرة أرى حبوب الشعير والقمح قد أطلت سنابلها في شهر دجنبر مشرئبة نحو الأفق.
وفي زيارات أخرى شهر آذار كانت البقع الخضراء قد اصفرت وحان حصادها، ثم ما لبثت أن غارت، وعاد السراب يستأسد في كل مكان.
حين حل شهر يونيو بدأ موسم جني العلك الذي تتفجر به أشجار الطلح. وبدأ الأهالي يهيمون على وجوههم، محملين بأكياسهم، وعلى أكتافهم عصيهم الطويلة، وعيونهم مشدودة إلى قدود الأشجار الشوكية. كتب يوما الأستاذ الحبيب الفوغي ( من أبناء منطقة أديس ) عن ذلك فقال: ” تظل أشجار الطلح صامدة وشامخة كالجبل الذي لا تهزه الريح. والصورة الأبلغ أن هذه الأشجار تتزين، وتحتفي بنفسها فتنبثق منها مصابيح وهاجة كأنها فسيفساء من الذهب المزركش بألوان خضراء وصفراء وحمراء، وضاحة فاقعة الألوان، مقدمة أبهى صورة عن الكرم والعطاء.”
ما إن تجاوزنا طاطا ببضع كلمترات حتى بدأت علامات الغزاة الهواريين تلوح في الأفق. بدت بعض السيارات جاثمة وسط أشجار الطلح المتناثرة، والأنابيب البلاستيكية من كل الأحجام مكومة كالجمال السود أو ممدة كالثعابين. كان هناك عمال فلاحيون يمدون الأنابيب ويقلبون الأرض أو يضربونها لتفتح رحمها لبذور البطيخ الأحمر ومختلف الخضروات، كي تجود بثمارها قبل الأوان، و تذر فائضا ماليا في حسابات هؤلاء المتهورين بعد أن يكونوا قد جففوا باطن الأرض من مياهها العذبة، وتركوا أهلها فريسة للعطش، أمام صمت المسؤولين المريب، واستصراخ أصوات عديدة تحذر من الكارثة القادمة.
على بعد نحو عشرين كلمترا من المدينة يوجد مطار طاطا الذي بني في إطار اتفاقية تعاون بين ديوان ولي عهد أبو ظبي ووزارة التجهيز والنقل واللوجستيك، باستثمار مالي يقدر ب 101 مليون درهم. لا يشغل أي خطوط تجارية، بل يبدو فارغا في كل الأوقات. مرة واحدة فقط رأينا طائرة تجثم فوق صدره. لا تتجاوز وظيفته الترفيه، وربما مآرب أخرى لا يعرفها إلا الراسخون في معرفة الخبايا.
لم تصل رحلتنا إلى تمنارت كما اتفقنا مع السائق، بل توقفت في أيت وابلي. وحتى هذه الأخيرة كان أساتذة إعداديتها ( إعدادية المرابطين ) مضربين عن العمل. عدنا إلى أقا وقد عجزنا عن وضع برنامج آخر آني بسبب ساعة رونو. كانت نتائج تغيير الساعة الرسمية للمملكة السعيدة قد بدأت تؤتي أكلها. فاختلاف التوقيت المعتمد في المؤسسات التعليمية، وعدم تزويدنا بخارطة طريق خاصة بذلك، جعلنا نخبط خبط عشواء، من نصب نزره، ومن لم نصب نرجئه. لم نتمكن من تنفيذ أغلب فقرات برنامجنا بسبب هذه العشوائية. سائق السيارة لاحظ تدمرنا فأخبرنا أن الآباء والأمهات يدعون في كل صلاتهم على المتحكمين في ساعتنا. علقنا على كلامه وقلنا:
ـ اللهم استجب لدعائهم.
في أقا محطة كبيرة، حافلاتها قليلة، وسيارات أجرتها أقل. كل شيء فيها بمقدار. المقاهي ، الناس ، الدكاكين، العسكر، الشمس وحدها كانت تتدفق أكثر مما يجب.
لفت انتباهي أغصان دالية تتدلى من فوق جدار، بأوراقها الغضة الخضراء، وقد تقلدت عنقود حصرم في عز الشتاء. قلت لرفاق الرحلة:
ـ لو غرس أحدهم حقل كروم في هذه البلاد لباع غلته مبكرا، وفاز بمال وفير.
نفس الشجرة سأراها في يونيو شاحبة صفراء، تحت ضربات الشمس الملتهبة، في خريف عمرها المستعجل.
تناولنا بنهم طواجين لذيذة، كان صاحب المقهى قد أضاف إليها مزيدا من الخضروات نزولا عند رغبتنا، وضدا على مبدأ كل شيء بمقدار. طلبنا بعد ذلك شايا وجلسنا أمام المقهى محتمين بظل صومعة المسجد الرابض قبالتنا على الطرف الآخر من الشارع، كنا نضطر بعد كل لحظة لتغيير جلستنا تعقبا للظل الهارب، وكأننا نلعب مع الشمس لعبة الغميضة.
قبيل الساعة 15 توجه كل منا إلى غايته. المسافة الفاصلة بين الإعدادية والثانوية مليئة بالحفر والغبار، وحين يسقط المطر تتحول إلى بركة ماء. هي أسوأ طريق عبرناها في كل إقليم طاطا. كانت أبواب الثانوية التأهيلية ( المنصور الذهبي ) مقفلة، طرقت الباب حتى كل متني، وقبل أن يكلمني أحد، جاء رجل عجيب، قصير قليلا، بشارب كبير، وبذلة فضفاضة، بدا من خلالها مثل شارلي شابلن. نظر إلى ساعته بعين واحدة، ثم زفر قويا، وقفز فوق الباب في خفة قط، وتدلى خلفه، ففتحه من الداخل.
أوصلني إلى مكتبه وقدم لي كرسيا، ثم اعتذر كي يخرج ليوقظ المدير. بعد دقائق عاد يزفر، ويحتج على حارس الباب الذي جاء متأخرا كعادته غير مبال. شكرته ، وباشرت مهمتي. في ساحة المؤسسة سمعت من تعليقات التلاميذ وأحاديثهم ما أبان لي أن هذه المؤسسة مختلفة، وأن تلامذتها قطعوا مسافات طويلة في الابتعاد عن القيم التي نتغنى بها.
بعد انجاز المهمة خرجت انتظر رفاق الرحلة. استغللت الفرصة فتوجهت إلى حديقة على مدخل البلدة. بعد لحظات من جلوسي، قمت واقتربت من فتيين كانا يداعبان أزرار هاتفيهما. سلمت عليهما وسألتهما أسئلة الغرباء، عن المكان وطبيعته، فأشارا إلى مسكن مقابل تحيط به الخضرة، وأفادا أن الفرشة المائية غنية وقريبة من سطح الأرض. وأشارا إلى البناية الكبيرة شرق الحديقة وأخبراني أنها متحف. متحف؟ ووراءه مقهى من الطراز الجيد. أشياء تغري بالاكتشاف حقا. لكن رفاق الرحلة وصلوا.
في طريق العودة إلى طاطا والشمس في الأفق كعين الأحول، شاهدنا الأضواء مشتعلة ، في قصر يمتد على الشعاب والهضاب، تحيط به الأسلاك الشائكة فيبدو مثل معسكر احتجاز.
ـ هذا قصر أحد الإماراتيين. قال المفتش بوغلي قبل أن يضيف:
ـ وهنا ينظم سباق السيارات…
دارت بخلدي أسئلة كثيرة: ما الذي جاء بهؤلاء الخليجيين إلى هذه الأصقاع؟ هل تنقصهم الشمس والصحراء؟ هل يجدون في بلدنا ما لا يجدونه في بلدانهم؟ هل يضيفون شيئا لهذه المناطق التي تستقبلهم بالأحضان؟
روايات كثيرة تحكى عن سر تواجد الخليجيين بالمنطقة. فالآخذون بالمظاهر يؤكدون أن القوم مولعون بصيد طائر الحبارى، يسهرون على تربيته وصيده بشراهة لا حدود لها، كما يصيدون غيره من الطرائد المهددة بالانقراض. والذين يبحثون عما وراء الصور والسطور يصرون على أن صيد هذا الطائر مجرد وسيلة لجمع الأحجار الكريمة والنيازك التي يلتقطها هذا الطائر ويتغذى عليها. وفريق ثالث يهمس بأشياء أخرى ولا يصدع بها.
أثناء العودة جرت الطريق بما لا نشتهيه، حيث ندت فجأة أصوات غريبة من أسفل السيارة. اتصل السائق بسائق آخر زميل، أكثر تجربة منه، كان يسأله، وينفذ أوامره. انحنى أرضا وطلب من المفتش نوفل أن يسوق ببطء شديد حتى يتمكن من تحديد مصدر الصوت. كانت العجلة الأمامية قد فقدت توازنها وبدأت تتخلخل.
وكمن يسير على البيض قاد السيارة من جديد وسرنا نحو طاطا، ومنها كان السائق الآخر يسير نحونا. سار السائقان نحو بعضهما. وبعد بضع كلمترات اضطررنا للتوقف. كان الليل قد فرد جناحيه الأسحمين، وأطلق عنان الانحدار لدرجة الحرارة. احتطبنا على ضوء هواتفنا بعض الحطب مما خلفه رعي الجمال، وأشعلنا نارا. كنا نتدفأ ونطرد عن وجوهنا بعض الحشرات التي بدأت تتساقط من جهات مختلفة.
كان المفتش بوغلي قد فقد هدوءه، وبدا على غير عادته غاضبا على المديرية ومصالحها وأسطولها المهترئ، ثم فجأة صام عن الكلام. أما المفتش نوفل فقد شغل مذياع هاتفه وأطلق العنان لأغنياته المفضلة. كنت مستلقيا على حصير قصير مستمتعا باكتشافي لهذه الأغاني الجزائرية. غير مستعجل ولا مستبطئ، فالزمن فقد معناه وتشابهت أيامه ولياليه. السماء وحدها كانت متفردة بنجومها الكثيرة الوضاءة مثل تلك التي تركتها في بلدتي، ولم تعد تظهر بالوضوح نفسه عندما غزت أعمدة الكهرباء أزقة البلدة.
وصل السائق الثاني يصحبه ميكانيكي يحمل عجلة سيارة زبون تركها في عهدته. توجه الميكانيكي رأسا إلى السيارة المعطلة، وقصد السائق مجلسنا حول النار المتراقصة. تربع بخفة عجيبة وأخرج عدته ثم انشغل بإعداد الشاي. وأمر سائقنا بتهييء الطعام الذي جلبه معه. خبز وعلب سردين فتحها على ضوء ألسنة النار وإيقاع الموسيقى. كان يفرغ العلب في قطع الخبز ويدعكها بأصابعه المفلطحة كرؤوس السلاحف.
شربت الشاي بلذة، وتجاهلت الخبز والسردين. حين عدنا إلى مقر إقامتنا كانت قوتنا قد هدت تماما.
بعد شهور عدنا إلى أقا فاكتشفنا بعض أسرارها:واحتها عظيمة، تسقيها عيون عديدة عذبة رقراقة، دخلناها من طريقها الجنوبية المحاذية للجبل. في مداشرها صادفنا الفلاحين يدرسون حصادهم، ويدرونه على الريح الخفيفة. استبد بنا الحنين فأوقفنا السيارة وترجلنا إلى البيدر. طفنا به طواف ناسك متعبد، وملأنا رئاتنا برائحة التبن والشعير التي أطلقتها سنابك الحمير والبغال. وغلبني الحنين فاستلقيت بملء جوارحي فوق التبن، فتحسسته بلذة عجيبة. لذة ذكرتني بأيام الطفولة. كان الجو صيفا، والعام خصبا، امتلأت البيادر المحيطة بالدوار عن آخرها. وفي ليلة مقمرة تجمعنا نحن الأطفال فقصدنا بيدر رجل مسن، فقير، جمع فيه مقدارا من الأغمار التي تصدق بها عليه المزارعون. وبتنا نجري فوقه ونطوف كما تفعل الدواب. ولم يرحل الظلام عن ملكه حتى كانت عملية “الدراس” قد انتهت وتفرقنا فرحين نتصبب عرقا. في الصباح وجد الرجل نفسه في غير حاجة إلى دواب وعمال.
على حافات الطريق يظهر معدن الصلصال رماديا قانيا، ومن أعلى نقطة في الطريق استمتعنا بمشاهدة منظر شامل لواحة أقا ممتدة على مدى البصر. قبل أن نغوص في أعماقها كان لابد أن نعبر بعض التجمعات السكنية مثل دوار الرحالة الملقب بكولومبيا. به بنايات فخمة وسوق ممتاز يثير الدهشة، وفوقه نزل سياحي يؤمه الأجانب.
في عمق الواحة تنتشر آلاف أشجار النخيل المعمرة، ورغم كثافتها تسمح بمرور الدراجات النارية وحتى السيارات التي يستعملها الباحثون عن الظل والراحة والمتعة. تحت تلك الأشجار تظهر الأثافي السوداء، وبقايا خضر، وقطع كارطون، ومخلفات الشيشة، تركها وراءهم زوار الواحة.
يخترق الواحة وادي أقا الذي تعترضه مجموعة من السدود التلية، تفيض ماء رقراقا، وتحيط بها الأشجار الوارفة والقصب. تمتد منه السواقي مخترقة الواحة في كل الاتجاهات. في الوادي طيور كثيرة تسكنه بشكل دائم، أو تقصده لتشرب وتمرح. وفي السدود والسواقي تسبح الأسماك بحرية زائدة. تقصد النساء ظهور السدود التلية فيتخذنها جفانا لتصبين الملابس والأفرشة.
أشجار النخيل تحمل على أكتافها عراجين تمر قديمة تعود إلى سنتين وأكثر أهملها أصحابها وتقاعسوا عن جنيها، كما تقاعسوا عن تشذيبها وإزالة سعفها الزائد الذي بدأ ييبس، فتقاعست الأشجار نفسها عن الإثمار، وقل ما تتقلده من عراجين جديدة.
وفي أقا مآثر تاريخية… ( يتبع )






