“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية” – الحلقة 13 (ماقبل الأخيرة)

مدير النشر1 أغسطس 2019Last Update :
“الرحلة الكرومية إلى الديار الطاطوية” – الحلقة 13 (ماقبل الأخيرة)

صوت الحقيقة: محمد كروم

الحــلـقــة 13 ( الحلقة ما قبل الأخيرة )

بين تيسينت وألوكوم:

كان يوما خريفيا ممطرا حين زرنا تيسينت أول مرة يوم 27 شتنبر 2018. ورغم أن الطريق كان وسط مجال شبه صحراوي، إلا أننا كنا نلاحظ بقايا أمطار الليلة السابقة، في الشعاب والحفر، بل استطعنا أن نرى رؤوس بعض النباتات التي تمكنت من شق غطاء الأرض والخروج لمعانقة السماء الباكية، كما استطعنا أن نشاهد غابات أشجار الطلح بخضرتها اليانعة تجلل الأماعز والأحراش. أشجار الطلح وحدها تستطيع أن تقاوم قسوة الحر والجفاف. أشجار تشبه مظلات كبيرة دون أن تجد من يستظل تحتها. تبدو عن بعد كغابات السفانا، لكن دون حشائش تطوقها، أو وحيش يسكنها.
على يميننا كانت تمتد سلسلة جبلية سوداء أو بنية. تعلو حينا وتقصر حينا آخر، متراصة يشد بعضها بيد بعض، وحين تنفرج أحيانا تظهر بين فجاجها واحات صغيرة تشع خضرة، وتحمل رؤوس نخلاتها عراجين حمراء أو صفراء تثير شهية الرائي، خاصة إذا كان من العابرين، أو تظهر وراء الثغور صحراء أخرى مترامية باتجاه الجزائر، و سهول منبسطة في عمق الوطن.
أكبر فج صادفناه هو فج تيسينت، ذو الموقع الاستراتيجي الهام، الأمر الذي جعله قديما معبرا رئيسيا للقوافل التجارية القادمة من الصحراء، والذاهبة إليها. فوق رأسه جبل شامخ معقوف القمة مثل ناب الخنزير أو وحيد القرن. يظهر على مسافة كيلومترات عديدة.
على مدخل الفج يلتقي واديان اثنان، في مثلثهما وعلى حافة حادة تنتصب دور قديمة كالحصون الصغيرة، بنيت بالصخور والحجارة المحلية فبدت كحرباء، مشكلة جزءا من مكونات الأرض وهندستها.
وسط الفج يقف رجال الدرك بشكل دائم، يراقبون الحركات والسكنات. وخلفهم مسلك يقود إلى” شلال العتيق ” الذي يتدفق ماء على بعد أمتار. يمتزج فيه ماء الواديين، أحدهما عذب، والآخر مالح. يتدفق الماء من فوق الصخور الصلدة المحدودبة، ويسقط وسط حوض كبير، وشاسع، فيسمع له خرير عظيم يغري بالتوقف، أو السباحة. تحيط بالشلال وبحيرته أرض جرداء قاحلة، تضفي على إغرائه طابعا خاصا.
في شهر يونيو نزلنا إلى جواره واستمتعنا بموسيقاه العذبة لحظات من الزمان، كما استمتعنا بحركات الفتيان وهم يسبحون فرحين، ويقفزون من فوق الصخور العالية، خالقين سعادتهم الخاصة، ومحركين في دواخلنا لواعج الطفولة وعنفوانها.
يأتيه الماء من منابع بعيدة، يجري وسط الواديين فتنمو على أديمهما نباتات كثيرة، تضفي على منظرهما سحرا وروعة يبهجان السالكين، ثم يواصل سيره بعد الشلال مخترقا الفيافي باتجاه مصبه في وادي درعة. يظل جاريا على مدار العام دون أن يحظى باهتمام من يهمهم الأمر لتحويله إلى منتجع سياحي.
“شلال العتيق” لا يخلق السعادة وحدها، فقبل ذلك بشهر فقط ابتلع فتى في مقتبل العمر، فتى جذبته زرقة الماء، فغطس ولم يطف. خلف اختفاؤه حزنا عميقا وسط الأهالي، ووسط مؤسسته التعليمية.
في تيسينت شارع وحيد، هو الطريق المؤدي إلى فم زكيد، على يمينه الجبل الأقرع الشامخ، يعانق عنان السماء، فتبدو البلدة عند قدمه ككرة من طين. وعلى نفس الجانب مقهى وحيدة، يمكن أن تلبي نسبيا طلبات الزبائن. وعلى يسار الشارع مقر الجماعة ومحطة صغيرة، فارغة في جل الأوقات، وبعض الدكاكين وما يشبه مقهى. من هذا الشارع تتفرع الأزقة والدروب شمالا، وتقود إلى عمق تيسينت. الدور القديمة بنيت بحجارة بيضاء، يوحي شكلها أنها ذات مصدر مائي. بهذه الحجارة نفسها بني مسجد البلدة فبدا جميلا، وفريدا في هندسته.
الأزقة والدروب متربة مغبرة، تصب عليها الشمس قار حرها صيفا، وتكفنها السماء بصقيعها شتاء. في رأس أحد هذه الأزقة المطلة على الشارع بناية تضم جثة مولد كهربائي قديم، كان يستعلم لتزويد المنطقة بحاجتها من الكهرباء، قبل أن تغطيها شبكة الإنارة. مازالت هذه الجثة الضخمة جاثمة، صامدة في وجه الدهر كأنما حنطت في متحف.
وصلنا الثانوية ( في زيارتنا الأولى ) ونحن في عجلة من أمرنا كي نعود سريعا إلى طاطا خوفا من هطول المطر وفيضان الأودية، خاصة أن السماء اختفت وراء حجابها منذ الأمس، والسماء ترجى أو تهاب أكثر حين تحتجب.
حارس عام وحيد يدير ثانوية الأمل بكاملها: يفتح الباب ويغلقه، يضبط الغياب، يراقب الساحة والاستراحة، يؤطر الأساتذة الجدد، يستقبل الآباء… تعرفنا على المؤسسة وأساتذتها، ثم قصدنا الإعدادية مسرعين تنفيذا لنصائح السائق الذي يلح عليه مسؤولو المديرية لاستعجال العودة هروبا من العواصف المحدقة.
إعدادية القدس من طراز آخر تضم حديقة نخل كبيرة، يفصلهما سور متين. وعلى جدارها المقابل لمكتب المدير لوحة فنية للجبل الأقرع الشامخ، حارس البلدة. كنت أتأمل اللوحة تارة، والجبل تارة أخرى، فكانت الصور تتداخل، وتختلط فلا أدري أيهما أتأمل. يا لبراعة الأنامل المبدعة.
واحة تيسنت واحة عظيمة، تبدو شديدة الخضرة، مترامية الأطراف. وقد تحدث الرحالة الفرنسي شارل دوفوكو في كتابه ” التعرف على المغرب ” عن هذه المنطقة بتفصيل حين استقر فيها بين 1883 و 1884. كما استقر فيها حاليا بعض الأجانب، وأقاموا بها مشاريع سياحية مغرية. وقد سكن شارل دوفوكو بيت قائد المنطقة، وهو بيت ذو طراز معماري جميل، مكون من طابقين، وقد تحول الآن إلى وجهة سياحية يقصدها زوار المنطقة ممن يعرفون تاريخها. وتيسينت منطقة غنية بالملح، كانت مصدرا لتصديره قديما، كما تعتبر مصدرا لكثير من الأعشاب الطبية. هذه الأعشاب تحظى باهتمام الجمعيات المحلية النشيطة.
بين تيسينت وفم زكيد مسير ساعة كاملة، وسط مدى مفتوح على الفراغ، والسماء. وعلى مسافة قريبة من الجزائر. أشجار الطلح ـ كما في كل إقليم طاطا ـ تشمخ في إصرار عجيب وتكحل جفن الأرض. واحات قليلة وصغيرة، تطالعنا بين الفينة والأخرى. كما تطالعنا أحيانا بعض قطعان الأغنام والإبل تتهادى مع أمواج السراب، شامخة بأعناقها العالية. وبعض الكثبان الرملية في منتصف الطريق، تعرض جمال مفاتنها على العابرين. كم مرة وددنا معانقتها والاسترخاء فوق ظهرها الناعم، لكن الخوف من الأفاعي والثعابين كان يصدنا فنكتفي بنظرات حالمة نرسلها، كما يرسل العشاق مع النسيم سلاما، ثم نواصل عبورنا.
على مدخل فم زكيد، بنايات فخمة، أبرزها المسجد الذي بناه بعض الإماراتيين ، وبعض البنايات العسكرية، تشمخ وسط الصخور الكثيرة الملقاة في كل شبر من الأرض. الطريق الموصل إلى فم زكيد، والمتجه نحو تازناخت، يتحول وسط البلدة إلى شارع رئيسي. على يساره إعدادية فم زكيد، وعلى يمينه في طريق فرعي ثانوية ابن خلدون. يتنقل كثير من المتعلمين على الدراجات الهوائية، وهي دراجات من النوع الجيد. قلب فم زكيد النابض يتوسطه محور طرقي، وتصطف على جوانب الطريق المقاهي والمحلات التجارية. ينظم السوق الأسبوعي كل خميس فتزدحم الطرق، وتكثر الحركة والبيع والشراء، ويجد فيه المتسوقون كل ما يحتاجونه. ويلاحظ الزائر كثيرا من وجوه السياح الأجانب الذين يقصدون المنطقة.
تعاني منطقة فم زكيد من قلة الماء، وتراجع الفرشة المائية بسبب قلة التساقطات المطرية، والزراعة العصرية التي غزتها في السنوات الأخيرة. واحة فم زكيد نفسها يدب إليها الذبول والجفاف. بعد أن كانت في سالف الزمان منطقة خضراء جارية بالماء، تسكنها الحيوانات الكبيرة كالزرافات ووحيد القرن والظباء، وطيور النعام. هذا ما تشهد عليه النقوش الصخرية المتواجدة هناك.
بناء المنطقة من تراب، معظمه أهمله أصحابه، فأسلم مقاليده ليد الخراب، خاصة القصور التي بنيت عل شكل تجمعات تحميها أسوار، وتتخللها أبواب. وهو شكل هندسي تحكم فيه الهاجس الأمني. وهذا واقع لمسناه في كل مناطق الإقليم. وقد تتجاوز وظيفة الأسوار الحماية، ورسم الحدود إلى اعتماد ظلها معيارا لتقسيم مياه السقي.
ومنطقة فم زكيد معروفة بصناعة الزرابي، وتفنن الأيادي المحلية في نسجها. وكما في كل واحات طاطا تقوم المرأة بأعمال الفلاحة أيضا، فترعى شويهاتها، وتسقي نخلاتها، وتحتطب أعوادها، وتزرع أرضها، وتشارك في الجمعيات والتعاونيات، وتحضر فعاليات المهرجانات ( مثل مهرجان الحناء الذي ينظم بالمنطقة)
في يوم من أيام يناير تركنا فراشنا الدافئ قبل آذان الفجر، كي نصل إلى ألوكوم مع شروق الشمس، على الساعة التاسعة ( بتوقيت رونو كما نسميه تهكما ) كنا هناك، وكان مؤشر الحرارة يعانق درجتين تحت الصفر، ومساحات الخضرة التي سبق أن كست الأرض، تمادت في التقلص والانكماش، وأشجار الطلح مصرة على الشحوب وسط صخور جاثمة لا تتغير أبدا. وكان التلاميذ يحملون أجسادهم الغضة الباردة فوق دراجاتهم البطيئة، يمشون الهوينى بأقدام غير مكسوة بما يكفي لاتقاء شر هذا الصقيع.
أشجار الطلح كبيرة جدا، لم نر مثلها إلا في تكزميرت. في إحدى زيارتنا ـ رفقة المفتش بوغلي ـ زرنا الصديق الأستاذ مصطفى بولهريس في مسكنه، فتعرفنا على بعض دروب ألوكوم وأزقتها. كانت ضيقة، وملتوية، ومسقوفة أحيانا، فشابهت بذلك المدن العتيقة. وفي مقامه أكرمنا رفقة أصدقائه الأساتذة بوجوه بشوشة، وقرى لذيذ، واسطة عقده تمر ألوكوم. ومن جانب الطريق رأينا أدواح النخل الباسقة والكثيفة، تنشر ظلالها على الواحة، وقد توجت رؤوسها بألوان مختلفة من تيجان التمر. وهي تطل من أعاليها على صهريج ماء تتلاعب صفحة وجهه كلما هبت عليها نسمة هواء. هذه الواحة كانت النيران قد التهمت جزءا منها في مارس 2018.
في الوكوم ينتجون نوعا عجيبا من الشكولاتة. أكلنا منه بعض القطع في المقهى المحاذية لمحطة الوقود الوحيدة بالمنطقة. ليست هشة كطبيعة الشوكولاتة، على شكل قالب سكر صغير، مغطاة بالجلجلان، يحتاج مضغها إلى جهد، جهد يتحول إلى لذة حين تذوب، ويسيل رضابها.
حقول الحناء في ألوكوم صارت مهددة بالتواري والزوال أمام زراعة البطيخ الأحمر والأصفر التي انتشرت بشكل مهول. الآن وفي عز موسم البرد، في شهر يناير تبدو الأراضي التي كانت قاحلة، بيضاء غطتها بيوت بلاستيكية قصيرة، لحماية شتلات هذه الزراعة الغازية حتى تضمن لها الدفء الضروري، وتمكنها من النضج في وقت قياسي، وتمكن زارعيها من ملء خزائنهم.
بدت تلك البيوت في ذلك الصباح البارد كقطعة من القطب الشمالي يغطيها الصقيع. لكن ما إن بدأ آذار يجمع حقائبه للرحيل حتى نضجت الحقول، وصارت قبلة للشاحنات العملاقة تأتيها من كل فج عميق وبعيد، لتحمل أطنان البطيخ وتذهب بها إلى المدن الأخرى. حتى تلاميذ المدارس صاروا يتركون مقاعدهم، ويذهبون للاشتغال في الحقول، يقطفون الحبات الناضجة، ويملأون بطون الشاحنات التي لا تشبع أبدا. وبعد ساعات قليلة من العمل يعودون قابضين على مائة أو مائة وخمسين درهما، تغمرهم فرحة كبيرة. الكل فرح بما تنتجه أرضهم: المنتجون فرحون بجني المال، والأهالي فرحون بفرص الشغل، وبالتهام حبات كثيرة من البطيخ بلا ثمن، والمسؤولون يتفرجون، ويأكلون أيضا. الأرض بقرة حلوب تذر الماء والمال. حتى الذين يفترض فيهم رفع عقيرتهم بالصراخ، يتباهون في مجالسهم بما تنتجه أرضهم. بعض الأصوات القليلة التي تحذر من الكارثة القادمة لا تعدو أن تكون زوبعة في قارورة. إن المال رب غفور.
في إعدادية الإمام الغزالي، خزانة مدرسية تحتاج إلى جهود كبيرة، ودعم حقيقي لتصير فعلا خزانة مدرسية تجد فيها براعم المؤسسة ضالتها…
ملاحظة: المناطق التي غطتها هذه الحلقة، تحتاج إلى أكثر من مشاهدة، وأكثر من حلقة. لذلك ستتم العودة إليها لاحقا لتطعيمها بمضمون مشاهدات جديدة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
error: عفوا لايمكنك نسخ المحتوى محمي بموجب قانون الصحافة والنشر شكرا على تفهمك