صوت الحقيقة:محمد كروم
الحـــلـــقــــة14 ( الحلقة الأخيرة )
تيغرمت ـ أكادير الهناء : رئة طاطا الخضراء
تيغرمت وأكادير الهناء واحتان / دواران تابعان لجماعة طاطا، يقعان غربها على طريق تكموت، يفصل ينهما وادي طاطا. هذا الوادي رغم كبره، ورغم كثرة عابريه لم يبن عليه المسؤولون أي قنطرة.
يبدو التجمعان السكنيان عن بعد، كما تبدو الواحات الجميلة، يشعان خضرة، ويشمخان برؤوس ألاف النخلات، الباسقات المثمرات. الطريق بينهما وبين طاطا يعج بالحركة، حركة الراجلين، وحركة الراكبين. كثير من موظفي المدينة أبناء الدائرتين يفضلون الاستقرار بمساكنهم الأصلية. يشدهم إلى تلك الأماكن جمالها، وقربها من المدينة، وكونها مسقط الرأس، ومهبط القلب.
كنا نخرج في أماس عديدة من المدينة ونقطع هذا الطريق مشيا على الأقدام، لممارسة الرياضة، والاستمتاع بجمال الواحات. وكم من صباح سرنا على جوانبه منتعشين بالنسيم العليل، ومتأملين جهد بعض النسوة المبكرات، يدفعن عرباتهن محملة بالفصة لبيعها في المدينة.
يفصل طريق تكموت دوار تيغرمت إلى شطرين، على جانبيه بساتين غناء تفيض ماء وخضرة، أشجاره متنوعة، تضم النخيل، والرمان، والتين، والزيتون. سواقيه جارية بالماء، وأكوام السعف مرصوصة قرب البيوت في انتظار أن تستقبلها فرحة أفواه الأجران. أيام الربيع يخرج الناس إلى قارعة الطريق للاستمتاع بمناظر الخضرة، وفي ليالي الصيف يخرجون لاستقبال هبات النسيم القادمة من الأرض الرطبة.
ذات مساء من أيام الربيع قررنا ـ المفتش بوغلي والمفتش نوفل وعبد ربه ـ أن نميل يمينا لنكتشف ما وراء الشريط الأخضر المحاذي للطريق. كان تجمعا سكنيا طينيا صغيرا. معماره غريب، وعجيب، وشبه مهجور. الأزقة طويلة وممتدة، تغطيها صابات ظليلة، فوقها مساكن، وتتخللها أقواس كأنها أبواب، وراءها أبواب، مقوسة بحجارة جيرية بيضاء. لا يكاد عرضها يتجاوز مترين، أغلب سقوفها من الخشب والقصب. تتكدس فوقها طبقات سميكة من التراب، يعجل ثقلها بانهيارها. كان الناس يعالجون ثقوبها كل عام بإضافة مزيد من الطين دون أن ينتبهوا لثقله وضرره. أبواب مساكنها قصيرة، وحجراتها ضيقة. في كثير من جدرانها بقايا قلل، وخابيات كان يعشش فيها الحمام حين كانت عامرة.
على عتبة أحد أبوابها وجدنا رجلا مسنا يطعم بعض الشويهات بقايا سعف ذابل. حييته فحياني بوجه باش وقام يسلم علي. سألته عن سبب فراغ المساكن فقال: أصحابها تركوها، وتحولوا عنها، فبنوا مساكن غيرها بالاسمنت والحديد، لم يعد أحد يرغب في البقاء هنا. ألح علي أن ندخل بيته لنشرب الشاي. كانت دعوته صادقة. شكرته والتحقت بصديقي.
عدنا إلى الطريق وعبرناه إلى الجهة الأخرى، اخترقنا بساتين تيغرمت من جديد حتى وصلنا وادي طاطا، حيث بدا لنا أكادير الهناء على مرمى حجر. وقفنا على ضفة الوادي كما وقف عقبة بن نافع على شاطئ البحر، ثم داهمنا المساء فعدنا نخترق خضرة البساتينن كي نصل من جديد إلى طريق العودة. صادفت رجلا يقطع نخلة ويعالجها بفأسه. كان ينتعل “بوطا” بلاستيكيا أسود، ويضع على عينيه نظارة سوداء. سألته عن سبب قطع الشجرة، فقال إنها ذكر، ولم تعد تستدعيها أية ضرورة، النخل كثير. فعلا كثير، وأهل مكة أدرى بشعابها رددت مع نفسي. بجانبها صهريج كبير، لتجميع مياه العيون. كان فارغا. اشتكى الرجل مما طال السواقي من خراب بعد الأمطار التي تساقطت في بداية الموسم، كما اشتكى من كسل أهل بلدته، وقارنهم مع أهل بلدات أخرى، مشددا على أنه وأهل بلدته يشترون الخضروات من السوق رغم توفر المياه بكثرة، في حين ينتجها أبناء القرى التي تحصل على الماء بأثمان مرتفعة. ( في زيارة أخرى، وجدنا من أفاد أن الذي يمنع السكان من زرع الخضروات هو غياب الأمن والأمان، حيث لا ينعم أحد بخيرات ما يزرعه بسبب السرقة)
عرفت من الرجل انه كان معلما وأحيل على التقاعد، فتعجبت من الصعوبة التي يعانيها في التواصل بالعربية. عرض علي صادقا أن نشرب الشاي في بيته المحاذي للبستان، اعتذرت بلباقة والتحقت بصديقي، بعد أن وعدته أن نعود في مناسبة أخرى، ونشرب الشاي.
غرب طاطا يترامى دوار أكادير الهناء، وراء وادي طاطا، الذي يقطع المسالك ويعزل العدوتين عن بعضيهما إذا فاض. يقع على أكتاف جبل، أشهر دواويره: أكجكال وتاوريرت… على رأس الجبل قبة ضريح بيضاء، مثل كرة ثلج عظيمة. لها بابان ، باب خارجي عبارة عن قضبان حديدية، وراءه باب ثان على شكل صفيحة حديدية. فوق عتبته عبارات الشهادتين، وأسماء الصحابة.
مررنا بجانبه مرات عديدة، إلى أن شاءت الرحلة أن نتوقف به، ونزوره زيارة خاصة، بمساعدة السيد الحسين منصور ( رئيس تعاونية أفرا ) وبواسطة الصديق محمد الديح. ذهبنا عصرا فتعرفنا على دواويره،.وزرنا زاويته.
فيه إعدادية الإمام البخاري، زرناها ثلاث مرات فلم نلمس في بعض مسيريها ما يشعر بالمسؤولية، خاصة من شغلوا أنفسهم بالشأن الجماعي.
أزقته ضيقة وأبوابه مقوسة، مبنية بالحجارة الجيرية. الأدراج صخرية طبيعية، كثير من دوره صارت أطلالا معلقة. في كل الأزقة والدروب تمتد أنابيب الماء صعودا و نزولا، ظاهرة على وجه الأرض، متقنة التركيب والإنجاز، هي ثمرة تعاون مع إحدى المنظمات الكورية. شاهدنا شابا يدفع دراجته للصعود بمشقة بالغة. وقد بنيت الدور بطريقة تراعي الهرم الاجتماعي، قربا أو بعدا من / عن مؤسس الزاوية، وتستجيب للمتطلبات الأمنية. وفي بيت ” أبو مريم ” عرفنا عن قرب معنى كرم الضيافة.
دوار أكادير الهناء مشهور بالزاوية الهنائية التي أسسها سيدي محمد بن أحمد نايت حساين، محمد الأعرج دفين القبة البيضاء. وهي تابعة للزاوية الناصرية في منهجها. وقد حافظ ابنه على طريقته في التدريس. و أدخل العديد من التحسينات على مناهج أسلافه بعد تشبعه بالطريقة التيجانية، حيث سيؤسس فرعا لهذه الزاوية بأكادير الهناء. والذي سيكون مقرا لاجتماع مريدي الطريقتين فيما بعد، حين تحول مقر الزاوية الناصرية إلى سكن.
أما الزاوية التيجانية، فتأسست سنة 1274 هـ على يد سيدي أحمد بن محمد، ابن صاحب القبة المنتصبة على الجبل، يؤمها المريدون، ويقام بها موسم سنوي في 17 من صفر. أبوابها مقوسة، مطلية بالجبس، أسقفها قصيرة، حصائرها مهترئة، بها باب عتيق تزينه نقوش جميلة، وعلى صدره قفل خشبي، وسط ساحة الزاوية مطفية وسطل مشدود بسلسلة ، سقفها مزين بالخشب والقصب.
القائم على أمرها لا تفتأ أصابعه تحرك سبحة بين يديه. قليل الكلام. وإذا طلبت منه التحدث دقق النظر، وسكت حتى تعيد السؤال ثانية أو ثالثة، وإذا تحدث جاء صوته ضعيفا. وقد لعبت الزاويتان دورا تاريخيا مهما في تحقيق الأمن الاجتماعي والسياسي، في مرحلة تاريخية سابقة.
المدرسة العتيقة: تدير شؤونها جمعية محلية، مقرها مرتفع قليلا عن سطح الأرض، كي تلج طابقها الأرضي يجب صعود تسع درجات. ساحتها فارغة، جدرانها قديمة، مسجدها فخم، مكون من عدة طوابق. قاعة الصلاة مجهزة بكثير من المروحيات، في كل سارية و كل جزء من الجدار. به خزانة، وحراسة عامة، وإدارة، وقاعة مجلس، وألواح خشبية تقليدية لحفظ القرآن.
تدرس بها مواد متنوعة تشمل القرآن، الاجتماعيات، التفسير، علوم القرآن، علوم الحياة والأرض، الحديث، الرياضيات، اللغات الأجنبية، التعبير والإنشاء ، النحو والصرف، النصوص الدينية، السيرة النبوية، الفقه، العلوم الفيزيائية والكيميائية، التوحيد، التفسير والقراءات، المنطق، الفكر الإسلامي، الفلسفة، البلاغة، التوقيت. تضم السلكين الإعدادي والثانوي.
المدرسة العتيقة الأصلية، عبارة عن بناء صخري سميك، فوق الجبل، تهدمت أسقفه وبعض حواشيه، أخشاب سقفه معلقة، مبني وفق تصميم دقيق. به محراب، وثقوب لوضع المصابيح. تحف به قبور المقبرة، وتزدحم حتى تتمدد على عتبته. من فوق الجبل تبدو واحتا تيغرمت وتاوريرت تحت أشعة الشمس الجارية نحو المغيب فتانتين جميلتين.
وفي تاوريرت زرنا تعاونية أفرا الفلاحية، وهي عبارة عن وحدة لتخزين التمور وتحويلها. طاقتها الاستيعابية 50 ط ، يخزن بها أثناء زيارتنا لها 25 ط. تقدم عدة خدمات مثل: الفرز، التخزين، التعليب البلاستيكي، التعليب الورقي… وقد أنجزت بكلفة إجمالية بلغت 2194000 درهما. ومن المواد التي يتم تحويلها: السيرو والقهوة، والكحل، والعجين. وتسعى لتحقيق أهداف مختلفة، كالرفع من جودة التمور وتسويقها بثمن مناسب، تثمين التمور بتحويلها إلى مربى، تمكين الفلاحين من تخزين التمور للحفاظ على جودتها. من شركائها: وكالة الجنوب، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، المديرية العامة للجماعات المحلية، عمالة طاطا، برنامج المنح الصغيرة التابع لمرفق البيئة العالمي، بلدية طاطا ، المعهد الوطني للبجث الزراعي، جمعية تاوريرت أفرا.
وأهم المشاكل التي تواجهها، قلة الإنتاج بسبب قلة التساقطات المطرية، وعدم عناية الساكنة بأشجار النخيل.
ثم عدنا يوم 29 يوليوز ـ يوم توقيع محضر الخروج ـ لزيارة تيغرمت، فقصدنا معملا صغيرا لإنتاج الفخار. وقفنا على هندسته، ومرافقه ومصدر المواد الأولية، وأنواع الأواني. اشترينا بعض ما راقنا، وعدنا مسرعين، هاربين من سياط خيوط الشمس التي تجلدنا بلا رحمة، كما تجلد عراجين التمر التي صارت ذهبية تزين رؤوس النخيل.
في تلك اللحظة كان الزملاء المفتشون قد انطلقوا في رحلة العودة إلى مدنهم المختلفة، قبل أن نلتحق بهم.
عدنا والكثير منا غير راض بالقسمة الضيزى التي اعتمدتها المديرية الإقليمية في تحديد مبلغ تعويضات التنقل لكل مفتش.
عدنا وفي طريق العودة كان مثيرا حقا أن نشاهد أهل إغرم خارجين في نشاط جماعي لجني اللوز الذي تفتحت أفواهه وهو يتدلى من رؤوس الأشجار.
وفي الطريق لم ننس أن نقطف بعض حبات الصبار التي نضجت تحت حرارة مفرطة طال أمدها، قطفناها قبل أن تصل إليها الحشرة القرمزية التي فتكت بهذه الفاكهة الشعبية في كثير من الأقاليم، وتركت كثيرا من الناس يغصون بالحسرة على ما حل بها، خاصة وهم يشاهدونها تباع في الأسواق الممتازة بأثمان عالية جدا، دون أن تستطيع تلك الحشرة اللعينة أن تغزو حقول ” الهؤلاء “.
انتهت






