منذ هبوب رياح جائحة كرونا فيروس التي بدأت في الصين ،ثم انتقلت إلى جل بلدان العالم ،بسبب يسر حركية انتقال الأشخاص والبضائع ، بادر المغرب بشكل استباقي وفوري إلى اغلاق حدوده وتوقيف جل الأنشطة الاقتصادية والقطاعات الحيوية في أواخر مارس الماضي، بعدما اجتاح الوباء المرعب دولا أوروبية تنتمي لحوض البحر الأبيض المتوسط كإسبانيا وايطاليا وفرنسا تحديدا .
واستطاع بفضل التعبئة المجتمعية الغير مسبوقة منذ أزيد من 4 عقود على إنجاح عملية الحجر الصحي إلى حد كبير، تعكس ذلك الأرقام والمؤشرات الدالة على تحسن الحالة الوبائية بالمغرب، لاسيما مع انخفاض نسبة الفتك بأقل من 2.9 % و تراجع كبير في عدد الوفيات مقارنة مع الأيام الأولى لانتشار الوباء ،وارتفاع مهم جدا في حالات الشفاء وعدد التحاليل المخبرية التي قاربت 70000 تحليل، تأكد أن في مجملها حالات سلبية .
ومع ذلك فإن عدم الاستقرار في حالات الإصابة الذي قد يتأرجح ما بين العشرات والمئات ، يبقى معطى واقعي للقلق لارتباطه برفع حالة الطوارئ الصحية، حيث يتوق المواطنون والمواطنات لساعة الصفر التي تسمح لحياتهم بأن تعود إلى مجراها الطبيعي ولو بصفة تدريجية على غرار بعض الممارسات الفضلى للدول المشار إليها سابقا .
ومما لاشك فيه أن مغرب ما بعد كرونا تنتظره رهانات استراتيجية كبيرة، لاسيما أنه بصدد إعداد نموذجه التنموي الذي سيكون بمثابة العقد الاجتماعي الجديد لمرحلة قادمة كلها تحديات مع ما ستخلفه أزمة كوفيد 19 .
فما هي الرهانات الكبرى التي ستحقق للمغرب اقلاعا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا مهما و ستعزز من ريادته افريقيا كبلد صاعد؟
يعتبر الرهان الاقتصادي أولى الأولويات المرحلة القادمة، إذ لابد من إعطاء الاقتصاد الوطني دفعات قوية للإقلاع الحذر من جديد ،لاسيما أن المعطيات الرقمية تشير إلى أنه أزيد من 800.000 ألف منصب شغل مهدد بالبطالة مستقبلا نظرا لتوقف العديد من المقاولات الصغيرة والمتوسطة تحديدا و المهددة بالإفلاس ،كما سجل تراجع الصادرات الوطنية بنسبة 80% خلال أبريل المنصرم ، ومع كل التدابير التي اتخذتها لجنة اليقظة الاقتصادية لصالح دعم المقاولة الوطنية ،يبقى أكبر رهان مستقبلا هو دعم المنتوج الوطني وحمايته من منافسة المنتوج الأجنبي، وتطوير خطوط الإنتاج الوطني لتلبية حاجيات السوق الوطنية، عن طريق دعم الابتكار والبحث العلمي ، وتشجيع الرأسمال الوطني على مزيد من الاستثمار داخليا، و تحقيق درجات عالية من الاكتفاء الذاتي أولا ثم توجيه الفائض من الإنتاج المحلي نحو الأسواق الدولية وتنمية موارد الدولة من العملة الصعبة .
كما أن الرهان الاجتماعي لا يقل أهمية عن الرهان الاقتصادي، فقد وصل دعم الدولة للفئات الهشة من صندوق تدبير جائحة كوفيد 19حوالي 4.5 مليون فرد بالنسبة للحاملين لبطاقة الراميد أو العاملين في القطاع غير المهيكل أو غيرهم وأزيد من 900.000 من الأجراء المصرح بهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي، وعليه فإن خارطة الفقر توضحت مجاليا وفئويا، وترابيا ومن باب أولى اخراج مشروع قانون السجل الاجتماعي الموحد ، وهو ما سينظم ويقنن ويهيكل عمليات وصول الدعم المباشر للفئات الهشة المحتاجة، إضافة إلى النهوض ببرامج التشغيل الذاتي داخل الاطار المنظم لتفادي الصعوبات البنيوية التي تسبب فيها الانتشار الواسع للقطاع الغير مهيكل، و كل هذا من شأنه تعزيز المنظومة الحمائية المجتمعية ،إضافة إلى توسعة العرض الصحي وتقويته والرفع من جودة خدماته وتأهيل الأطر العاملة بقطاع الصحة العمومية، لمواجهة أية موجات قادمة من الوباء ، وبذل كل الجهود لتقديم خدمات صحية مناسبة للمواطنين والمواطنات، تستجيب لمتطلبات الحق في الصحة كما تنص على ذلك المواثيق الدولية ودستور المملكة .
ولعل من أسس الرهان الاجتماعي النهوض أيضا بقطاع التعليم واستغلال كافة متاحات التكنولوجيا الرقمية، لتطوير كل العمليات التعلمية التعليمية، التي من شأنها تطوير الأدوات البيداغوجية، بما في ذلك العمل بمنظومة الأقسام الافتراضية و ترسيخ مقومات جديدة للتقويم البيداغوجي للمتعلمين، يقوم على تقوية المهارات المعرفية واعادة انتاج المعرفة .
ومن شأن هذه المقومات جميعها تعزيز أدوار الدولة الرعائية / التدخلية/ الحمائية، الساعية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية و تحقيق التنمية والرفع من فرص ولوج المواطن (ة) للحق في الرفاه عبر تملك الموارد والفرص .
وأخيرا فإن الرهان السياسي لا يقل أهمية عن الرهانات السابقة الذكر ، بحيث أن جميع الإصلاحات المذكورة سابقا تحتاج لإرادة سياسية قوية ،لا تقل جرأة عن سابقتها التي جنبت الوطن السكتة القلبية مرات عديدة، ولا يمكن ربح هذا الرهان الا بتعزيز الثقة بين المواطن (ة) والدولة وبين المجتمع والمؤسسات ،وعليه فإن جميع الفاعلين المجتمعين من أحزاب سياسية ومنظمات مدنية ونقابية ومؤسسات إعلامية المساهمة في صناعة وعي مجتمعي قوي ،يعتبر بوابة المشاركة المواطنة هي أساس بناء مجتمع ديمقراطي حديث ،قوامه الحكم الرشيد وينبني على قيم النزاهة والشفافية وتخليق الحياة العامة.






