قرار الاختيار بين التعليم الحضوري او عن بعد على المحك بسبب كورونا. فهل ستعيد الحكومة المغربية سيناريو تداعيات قرار عيد الاضحى؟

مدير النشر30 أغسطس 2020Last Update :
قرار الاختيار بين التعليم الحضوري او عن بعد على المحك بسبب كورونا. فهل ستعيد الحكومة المغربية سيناريو تداعيات قرار عيد الاضحى؟

صوت الحقيقة .. عبد الوافي الحراق

في بلد يصرف على التعليم ما يقرب ثلث ميزانيته الحكومية، واستنفدت سياسته العمومية كل التجارب المتعثرة لأغلب حكوماته المتعاقبة. بدءا بميثاق التربية والتكوين وإصلاح المنظومة التربوية، مرورا بالمخطط الاستعجالي والرؤية الاستراتيجية 2015 – 2030، وصولا إلى برنامج النهوض بقطاع التعليم عن طريق تأهيل التعليم الأولى. وهي برامج استنزفت مالية الدولة دون تحقيق نتائج طموحة وواقعية، تستجيب ولو مرة واحد لبرنامج حكومي واضح وموحد.

ولأن الظرفية لا تسمح بتشريح هذا الواقع المر للتعليم ببلادنا، وراهنية طرحه غير ملاءمة بالنظر للوضعية الوبائية المقلقة التي تجتازها البلاد، فإن من نوافل الرأي إبداء المقاربات، ومساءلة المنهجيات، وخلخلة المطارحات التربوية وتجلياتها الاجتماعية. لاسيما وأن المرحلة لا تقتصر على القلق والانشغال بمصوغات بيداغوجية أوتنظيمية، والتي أضحت روتينية عند مستهل كل موسم دراسي جديد، بقدر ما تتعاظم دائرة الاضطراب والقلق بولوج مدرسي موبوء بجائحة فيروس كورونا. مما يستدعي إعادة النظر في كل الطروحات الحكومية السابقة، والارتقاء بمسؤولية الوصاية على القطاع إلى ذروة الحيطة واليقظة التامتين، وعدم التسامح مع الخطأ أو التهور أو الارتجال الذي طبع سير الحكومة في تدبيرها لجائحة كورونا. لأن الدخول المدرسي وتعليم أبناءنا هذه السنة، مرهون ومقرون بسلامة صحتهم ومصير حياتهم.

ولكن الحكومة المغربية على خلفية قرارها الأخير، المرتبط بالدخول المدرسي، لا تبعث على الطمأنينة والارتياح. ذلك أن مضمون القرار كان متناقضا ومرتجلا، بلا أسس علمية ودراسات منهجية، حيث ألقى بمسؤولية تدبير تعليم وصحة الأبناء بيد الأسرة المغربية. بل الأكثر من ذلك ألزمها بتوقيع تصريح يحملها المسؤولية، سواء تعلق الأمر بفشل العملية التعلمية لأبنائهم أو تعرض صحتهم لأخطار الإصابة بفيروس كوفيد 19.

كما أن عملية ترك الاختيار للآباء وأولياء الأمور لتحديد المسار التعليمي لأبنائهم، إما بشكل حضوري أو عن بعد، يؤكد بجلاء محاولة تهرب الدولة من مسؤوليتها تجاه الوضعية التعلمية والصحية لناشئة المجتمع المغربي. والظاهر أن هذا النوع من القرارات الاختيارية غالبا ما يتسبب في الارتباك والارتجال، ويأتي بنتائج سلبية وعكسية. إذ سيخلق لدى الآباء والأمهات نوعا من الاضطراب والتوتر في اتخاذ الاختيار الصحيح، الحاسم والمصيري.
ويبدو أن الحكومة المغربية في ظل مثل هذه الأزمات الصحية والاجتماعية المصيرية، مصممة على اللعب بالنار مرة أخرى مع أبناء الشعب، وسائرة بلامبالاة في اتخاذ قرارات عشوائية وارتجالية، غير مدروسة. فبعد القرارات العبثية المتعلقة بعيد الأضحى والتي تسببت في حوادث سير مميتة، واضطرابات في النقل والتنقل والسفر، وانتشار العنف والجريمة وسرقة أسواق الأغنام. وكذلك شجعت على ارتفاع – بدل تقليص – منسوب النشاط المجتمعي والرواج الاجتماعي الذي تفرضه المناسبة الدينية. والتي يكاد يجمع كافة المغاربة على أنها السبب المباشر، في تصاعد حالات الإصابة بفيروس كورونا، بلغ أحيانا ما يناهز 1800 إصابة و44 وفاة في اليوم.

فكذلك الترقب والخوف والقلق الذي يطبع الدخول المدرسي لهذا الموسم، نتيجة المذكرات الوزارية المبعثرة في هذا الشأن، والموزعة بين اختيارين كلاهما صعب على الأسرة المغربية قبوله. لاسيما منه اختيار التعليم الحضوري، الذي إذا لم يتم ضبطه بالشروط الاحترازية اللازمة والوقاية الصحية الصارمة، قد تكون عواقبه لا قدر الله وخيمة على الشعب المغربي، على غرار تداعيات عيد الأضحى وربما اكثر. بينما الاختيار الثاني مهما ما يعتريه من إخفاق وصعوبات في بلورته، وتدني معدل نسبة نجاحه، فعلى الأقل سيصيب العملية التعلمية بالنقصان، ويبقي على حظوظ حماية صحة وسلامة حياة فلذات أكبادنا.

ثمة أصوات اخرى مرفوعة رافضة للاختيارين معا، اي التعليم الحضوري وعن بعد، مطالبة بتوقيف الدراسة او تأجيلها حماية لصحة التلامذة. والواقع ان هذا الاختيار صعب التحقيق، ولا يمكن للمغرب ان ينفرد وحده بهذا الاختيار، الذي لم تعتمده اية دولة في العالم، بما في ذلك موريتانيا وتشاد والسودان. هذه الدول الاخيرة المصنفة ضمن حزام دول العالم الثالث، لم توقف الدراسة، واختارت التعليم الحضوري وعن بعد معا. موزعة اختياراتها حسب التفييء الاجتماعي لخصوصيتها الترابية وإمكانياتها الطبيعية ومواردها البشرية.
بينما الدول المتقدمة وفي طليعتها الاوروبية، التي زاوجت هي كذلك بين التعليم الحضوري وعن بعد، قد فشلت في إنجاح الدراسة الحضورية بعد ان تعرض تلامذتها للإصابة بفيروس كورونا. وهو ما حتم على بعضها العودة الى تعميم التمدرس عن بعد.
كما ان توقيف الدراسة او تأجيلها سيحبط لا محالة المسار البيداغوجي والسيكولوجي لأطفالنا، واطفاء شعلة طلب العلم والمعرفة لديهم، وانتكاسة رغبتهم في التمدرس. سيما ونحن لا نعلم لحد الآن وجهة ركب جائحة كورونا، ولم تظهر في الافق أية بوادر لإيجاد العلاج وصناعة لقاحات مضادة لفيروس كوفيد19. وبالتالي يبقى خيار التعليم عن بعد، بالرغم من صعوبة تعميمه وتنفيذه، الخيار الوحيد، الأصعب والمناسب في ذات الآن، للتوفيق بين متابعة تعليم ابناءنا وحماتهم من جائحة كورونا.

إن تمثل هاجس هذا القلق بداخلنا مبعثه الحيطة والحذر، للحيلولة دون تمكين هذا الفيروس من التفشي في الوسط المدرسي، وعدم الإفراط في الثقة بإمكانياتنا المتواضعة، لا سيما وأن ذات الثقة تم وضعها في المواطن البالغ والراشد، في سياق رفع الحجر الصحي بالتدرج، من اجل عودة نشاط الحياة العامة إلى المجتمع. الا ان النتائج، وللأسف، كانت ومازالت مخيبة للآمال، بسبب تهور بعض المواطنين في التقيد بشروط الوقاية الصحية ضد فيروس كورونا. فما بالك المواطن الصغير؟ نسال الله اللطف في قدره.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
error: عفوا لايمكنك نسخ المحتوى محمي بموجب قانون الصحافة والنشر شكرا على تفهمك