بالرغم من أننا بحكم المهنة التي نمارسها نعتبر من دعاة حرية الصحافة والرأي والتعبير وحقوق الإنسان، إلا أن في بعض الحالة نجد أنفسنا مرغمين على التناقض مع قيمنا الطبيعية وأخلاقنا البشرية، حيث نضطر إلى اتخاذ مواقف في قضايا معينة تخص الصحافيين بتغليب كفة الزمالة والانتماء إلى المهنة، بمنأى عن إعمال المنطق والعقل والحياد، والاحتكام إلى الحق والعدل والانصاف. سيما إذا تعلق الأمر باصطدام الصحافة مع الدولة، أو مع جهات سياسية أو دينية أو ثقافية، بل في حالات أخرى قد يطال الاصطدام حتى مع بعض الشخصيات العمومية والمواطنين عموما.
وإذا كان الصحفي في وضع متابعة قضائية ومتورط في قضايا مشبوهة، بوجود ضحايا وأصحاب الحق العام، فإننا كزملاء المهنة نلفي أنفسنا في موقف حرج، مطالبين بالوقوف مع زميلنا ولو كان ظالما، ومساندته مساندة عمياء ضد المظلومين وأي موقف مغاير، وإن كان كلمة حق، قد يتم توصيفنا بالمتواطئين والمخزنيين والبلطجيين. وكأننا نحن الصحفيون نتمتع وحدنا بحصانة حسن النية، والتحلل من المسؤولية المهنية، والاستفراد بمطلق الحرية، ومعصومين من ارتكاب الأخطاء والأفعال الجنحية والجنائية، ولا يسري علينا القانون كما يسري على باقي البشرية (أولاد الشعب).
وهذا يذكرنا، في فترة من الزمن ليست بالبعيدة، عندما كان الفقيه وإمام المسجد والمتقي وأصاحب اللحية، محل ثقة عمياء لدى عموم الناس، ويسيطرون على عقولهم بنفس السيطرة التي تحدثها وسائل الإعلام بمفهوم نعوم تشومسكي. حيث كلما ثبتت إدانة فقيه أو إمام مسجد بجريمة اغتصاب طفل أو اعتداء جنسي على امرأة أو المشاركة في قتل الأبرياء كما حصل مع الإرهابيين، إلا وترتفع الأصوات من الشعب ومن زملاءهم الفقهاء والأئمة على أن الأمر يتعلق بإدانة سياسية، أو اعتقال ديني نتيجة فتوى جريئة، وأن غايته تكميم الأفواه ومحاربة رجال الدين، وبالأحرى محاربة الإسلام. ويعززون شهاداتهم بتفشي الفساد والتبرج في الشارع العام، وانتشار حانات الخمور والقمار في المجتمع الإسلامي، وغيرها من الظواهر الاجتماعية المعروفة في كل المجتمعات البشرية.
وهذه الإحالات والاستنباطات شبيهة إلى حد ما بردود أفعال الرأي العام، عند إدانة واعتقال الصحافيين بتهم ارتكاب أفعال جنائية، بما فيها ذات طابع الحق العام. حيث تتعزز كذلك الحجج والشواهد بما يجري في الساحات السياسية من فساد، ونهب المال العام واحتكار السلطة. ويتم تلخيص وتبرير تلك الاعتقالات على أنها محاولة لتكميم الأفواه الشريفة والأقلام الحرة، وقمع الصحافة الجادة اثناء تغطيتها للأحداث وكشف الحقائق، وتعرية الواقع أو نشر مقالات أكثر جراءة، وما إلى ذلك.
حتى إذا كانت الجرائم المنسوبة إلى الصحفي يجرمها القانون، كالابتزاز والاعتداء الجنسي، وأن هناك ضحايا أصحاب الحق العام، فإننا بالرغم من ذلك كله، كزملاء في المهنة، المفروض علينا أصلا إحقاق الحق وإجلاء الحقيقة أكثر من أي شخص آخر، نجد انفسنا غير قادرين على قولها وإجلاءها للرأي العام، بل مطالبين بالوقوف إلى جانب الجاني باسم الزمالة والمهنة، والإخراس عن مساندة الضحايا والمظلومين. والغريب في الأمر، إذا ما اتخذنا موقفا مغايرا وفضلنا مساندة الضحايا من المواطنين على الجناة من زملاءنا المهنيين، ستتم شيطنتنا وتصنيفنا من لدن بعض المحسوبين على حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، والمولعين بثقافة المؤامرة، وعشاق الأساطير والمغامرة، بالزبانية والبلطجية والمخزنية، وأننا أبواق من أبواق السلطة والمخزن.
وشتان بين حالات القمع الذي تمارسه الدولة على حرية الصحافة وبين جرائم الصحفيين، بين تعسف الدولة وجرائم الحق العام، بين مسؤولية الصحافة وتهديد أمن الدولة، بين حرية التعبير وأخلاقيات المهنة. فقد يكون الصحفي مهنيا، مدافعا عن حقوق الإنسان، وكتاباته جريئة، ولكن أفعاله الشخصية تتناقض مع كل ما يكتب. وإذا كان له الحق في أن يفعل ما يشاء بحريته الشخصية، مثله مثل أي إنسان له نواقص وضعف وعيوب في حياته الخصوصية، والتي قد تؤدي به إلى ارتكاب حماقات، وهذه طبيعة بشرية نسأل الله العفو. إلا أنه من الواجب علينا أن نفرق بين علاقة الصحفي بأخلاقيات المهنة وعلاقته بأخلاق الإنسان.
للأسف هناك بعض الجمهور من القراء لا يقبل سوى بأقلام الصحافة ذات النظارات السوداء، التي ترى كل شيء اسود ومقيت بما في ذلك الزهور الزاهية وخضرة الطبيعة الباهية، أقلام لا تتقن إلا فن خطاب قذف السلطة وشتم الدولة وتخوين المسؤولين، وإدانة الضحايا ولو كانوا من أبناء الشعب. لأنه في نظر هؤلاء، الصحفي بمنزلة الرسل والملائكة، معصوم من الذنب والخطيئة. فحتى نحن زملائه في المهنة غير مسموح لنا بإدانته إذا ما تورط في فعل إجرامي. سيما إذا كان فعلا ناتجا عن إدمان شخصي وشدود جنسي، متداولا ومعروفا في أوساطنا المهنية.
بينما القاضي يمكنه أن يقاضي زميله في المهنة، والطبيب معرض للعقوبة والمتابعة، والمحامي يمكنه ارتكاب جريمة، وكذلك رجال التعليم والسلطة والامن والعسكر وغيرها من المهن الشريفة والعظيمة. باستثناء مهنة الصحفي التي يصنفها بعض الجمهور والقراء ضمن الحرمات والمقدسات الغير القابلة للطعن أو المساس بها، لأن في نظرهم الصحفي منزه عن أي جنحة أو خطيئة، وإدانته تعتبر مؤامرة ضد حرية الصحافة، وكل من قال غير ذلك يعد خائنا وبلطجيا ومأجورا.
نحن الصحافيون كباقي البشر، فينا الصالح والطالح، نمشي فوق الأرض، معرضون للأخطاء وارتكاب الجرائم كباقي المواطنين. فمنا من يستغل المهنة كسلطة ونفوذ للإيقاع بالنساء والاعتداء عليهن جنسيا، ومنا من يعاني مرض الشدود الجنسي والمثلية، ومن يبتز الدولة والسلطة، ومن يتلقى الدعم الخارجي ويتحامل على وطنه، ومن يشتغل بوقا للسلطة والمخزن، ومن يتاجر بمعاناة المواطنين واستقرار بلاده، ومن ينشر الفضائح والتفاهة والمساس بأعراض الناس للحصول على أكبر دخل من اليوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي. ومن يكرس قلمه تحت الطلب ويوظف محتوى قناته لمن يدفع أكثر لتصفية الحسابات الشخصية والأجندات السياسية، ومن يجعل من الإساءة والقذف والسب والتشهير شهرة محمودة، ومن لا يعرف حتى القراءة والكتابة سوى التصوير بالفيديو خدمة للتقرب من رجال البوليس والقايد والباشا والعامل.
وبطبيعة الحال هناك من الصحافيين وهم قلة، من يشتغل بحرفية ومهنية، وصدق وجدية ومسؤولية. ولكن للأسف هذا الأخير بدوره أحيانا، إذا ما تمت إدانة أحد زملاءه في المهنة بجناية ما، يجد نفسه في موقف حرج وصعب امام الرأي المهني والعمومي. إذا قال الحقيقة في حق زميله فهو ببلطجي ومأجور وبوق من أبواق السلطة، وإذا لم يسانده فهو شيطان أخرس، وإذا سانده وأيده على جرمه، فإنه كذاب يخفي الحقيقة.








