صدور مشوه لمدونة الصحافة والنشر، وفضيحة على مستوى الدفوعات الشكلية لقانون المجلس الوطني للصحافة.

مدير النشر22 يونيو 2024Last Update :
صدور مشوه لمدونة الصحافة والنشر، وفضيحة على مستوى الدفوعات الشكلية لقانون المجلس الوطني للصحافة.

عبد الوافي الحراق

صدرت مدونة الصحافة والنشر سنة 2016، وتضمنت قانون الصحافة والنشر رقم 13-88، وقانون النظام الأساسي للصحافيين المهنيين رقم 13-89، وقانون المجلس الوطني للصحافة رقم 13-90. وسنبدأ مناقشتنا لهذه القوانين الثلاثة بقانون المجلس الوطني للصحافة باعتباره عصب المشاكل التي يعيشها الإعلام والصحافة الوطنية ببلادنا.

إن أول فضيحة حلت بقانون المجلس الوطني للصحافة رقم 13-90 وهو في مخاض مناقشته، هي فضيحة عملية التصويت على مقتضياته القانونية بالبرلمان، حيث على مستوى الدفوعات الشكلية، لم يتم احترام ترتيب القوائم التشريعية وفق الأبجديات المعمول بها عادة أثناء مناقشة مثل هذه القوانين، التي تكتسي شكل مدونات، وتشتمل على مجموعة من المراسيم والظهائر التشريعية؛ مثل : مدونة السير، مدونة التجارة ومدونة الصحافة والنشر التي تعنينا في هذا الموضوع. لذلك فإن المشرع لم يكن يعبث عندما وضع ترقيما تسلسليا للقوانين الثلاثة التي تضمنتها مدونة الصحافة والنشر، ورقمّها حسب التالي : قانون الصحافة والنشر رقم 13-88 خاص بممارسة مهنة الصحافة، وقانون النظام الأساسي للصحافيين المهنيين رقم 13-89 يتعلق بالمهنيين الذين سيزاولون هذه المهنة، وقانون المجلس الوطني للصحافة رقم 13-90 خاص بالهيئة المهنية التي ستنظم وتؤطر هذه المهنية.

إذ كان من المفترض أن تتم مناقشة هذه القوانين الثلاثة للمدونة، وفق الشكل التسلسلي الذي سطره المشرع، على اعتبار أن أول قانون يجب عرضه على البرلمان لمناقشته والمصادقة عليه هو القانون الذي يحمل الرقم التسلسلي الأول، أي مناقشة قانون الصحافة والنشر رقم 13-88، المتعلق بممارسة المهنة. ثم تليه باقي القوانين تباعا حسب ترقيمها. بمعنى يجب أولا مناقشة المهنة التي تشكل الأرضية القانونية الصلبة التي سيشتغل عليها الصحفي المهني، والذي من المفترض ان حقوقه لا يمكنه التمتع بها إلا انطلاقا من قانون المهنة. فلا مهني بدون مهنة، ولا قانون للصحافي المهني بدون قانون لمهنة الصحافة. وكذلك لا نقابة بدون قطاع مهني، ولا جمعية بدون تحديد مجال الاشتغال. فبالتالي فإن التنظيم الذاتي للمهنة لا يمكن إحداثه بدون قانون ينظم المهنة. وهذه هي أولى فضائح صدور مدونة الصحافة والنشر، التي عرفت أخطاء فادحة على مستوى الدفوعات الشكلية.

ومن البديهي والمنطق، والمنظور العلمي والمعرفي، وبناء على الممارسات والتجارب البرلمانية، كان على المؤسسة التشريعية والحكومة عرض وتقديم أول قانون للمناقشة على المجلس الحكومي ومجلسي النواب والمستشارين، هو قانون الصحافة والنشر 13-88. انطلاقا من ان هذا القانون هو أصل التشريع الذي يسمح بممارسة المهنة، وبالتالي مناقشته تفرضها أخلاقيات وأبجديات التشريع، حيث في المقام الأول يتم تعريف المهنة وتحديد مفاهيمها، ووضع شروط الولوج إليها، ومناقشة مقتضياتها التنظيمية والتشريعية والمهنية. ثم بعد ذلك يأتي في المقام الثاني، من سيمارس هذه المهنة، وهم الصحافيون الذين خُصِّص لهم قانون رقم 13-89، ثم بعده مناقشة قانون المجلس الوطني للصحافة الذي ستوكل إليه مهمة تنظيم وتأطير هذه المهنة. هكذا هي الأصول التشريعية.

إلا أن لجنة التشريع والعدل والتواصل المكلفة بمناقشة هذه المدونة، وعرضها للمصادقة عليها في الجلسات العمومية كان لها رأي آخر، ونحن لا ندري من كان وراء هذا الرأي الطالح والخطأ الفادح، والمفارقة هو أن أحد أعضاء هذه اللجنة بصفته برلماني، كان في نفس الوقت رئيسا لنقابة الصحافة، التي كانت إلى جانب هيئة الناشرين، هما الهيئتان المهنيتان الوحيدتان اللتان تمثلان قطاع الصحافة لدى الدولة، في غياب أي تنظيم آخر منافس يشكل الديمقراطية التعددية. وهذا في حد ذاته يعتبر حالة تنافي وتجريح، إذ أن الشخص هو ممثل للقطاع المهني، وعضو برلماني بلجنة التشريع في نفس الوقت، وهو ما يصطلح عليه باستغلال المركز والنفوذ، أي أن البرلماني المهني قد يشرع قانون المهنة التي يزاولها على مقاسه.

وهكذا تمت المصادقة على قانون المجلس الوطني للصحافة رقم 13-90، يوم 9 ابريل 2016، بعد مناقشته يوم 17 نونبر 2015، وتم إصداره في الجريدة الرسمية يوم 7 أبريل 2016. أي تم التصويت على الهيئة المهنية التي ستنظم هذه المهنة، قبل مناقشة قانون المهنة أصلا، أو مناقشة قانون هؤلاء المهنيين الذين سيشتغلون بهذه المهنة.

كما تمت المصادقة بعد ذلك على النظام الأساسي للصحافيين المهنيين رقم 13-89 يوم 03 فبراير 2016، بعد مناقشته يوم 4 نونبر 2015، ثم إصداره بالجريدة الرسمية يوم 27 أبريل 2016. وأيضا هذا القانون تم مناقشته كذلك والمصادقة عليه قبل مناقشة قانون الصحافة والنشر رقم 13-88 الذي سيشتغل عليه هؤلاء المهنيين.

وبتاريخ يوم 26 يوليوز 2016 صادق البرلمان على قانون الصحافة رقم 13-88 بعد مناقشته بتاريخ 10 فبراير 2016، ثم صدوره في الجريدة الرسمية يوم 15 غشت 2016. أي تمت مناقشته والتصويت عليه كآخر قانون في المدونة. بعد أن كان من المفترض والبديهي مناقشته قبل جميع القوانين.

إضافة إلى إشكالية الدفع بمناقشة قانون التنظيم الذاتي قبل مناقشة قانون المهنة، كان هناك تباعدا صارخا بين تاريخ المصادقة على قانون المجلس الوطني للصحافة يوم 9 فبراير 2016، وتاريخ المصادقة على قانون الصحافة والنشر يوم 26 يوليوز 2016، والذي تجاوزت مدته 6 أشهر على أقل تقدير. إذ لا يعقل مناقشة قانون هيئة التنظيم الذاتي للمهنة قبل مناقشة قانون المهنة، وهي هيئة تنظيمية لا تعدو عبارة عن جمعية مهنية ذات المنفعة العامة، مهمتها تأطير وتنظيم المهنة. وكذلك لا يعقل أيضا المصادقة على قانون النظام الأساسي للصحافيين المهنيين الذي ينظم حقوق وواجبات الصحافي قبل المناقشة والمصادقة على قانون المهنة الذي ينظم مهنة الصحافة. علما أن المشرع قد رقم هذه القوانين من أجل احترام تراتبية قوائمها، واحترام تسلسل مناقشتها. فلم يرقمها عبثا، لأنه لا يمكن بناء الأسقف والطوابق قبل بناء الأساس والسواري والبنية الأرضية.

وهذا يبرر الدواعي التي جعلت مدونة الصحافة والنشر تصدر عوجاء وخرقاء، مليئة بالأخطاء والتناقضات، تسببت في خلق تداعيات واحتقان مهني منذ صدورها إلى اليوم. سواء على مستوى النيابات العامة التي وجدت صعوبة في تطبيق هذا القانون، أو على مستوى التنظيمات المهنية والمهنيين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لتأويلات مقتضيات هذا القانون. لاسيما المجلس الوطني للصحافة الذي وجد صعوبة في تفسير وتطبيق بعض المقتضيات القانونية. وسنأتي على نماذج من هذه التأويلات الخاطئة، إما نتيجة عسر الفهم، وضعف المستوى العلمي لدى بعض أعضاء المجلس الوطني، أو بسبب التأويلات والاجتهادات التي جعلت فقهاء القانون في السلطة القضائية يستنجدون بما هو أصلح للمنفعة المهنية وأصلح لخدمة المهنيين. وسنتطرق لذلك بتفصيل أثناء مناقشة بعض مقتضيات قانون الصحافة والنشر رقم 13-88.

بينما تدفعنا الريبة والحيرة إلى طرح وإثارة عدة تساؤلات منها :

من كان وراء بعثرة أجندة مناقشة القوانين الثلاث لمدونة الصحافة والنشر؟

هل الإخلال بالترقيم التسلسلي لهذه القوانين تم عن طريق الخطأ، ودون قصد. أم أن أيادي مهنية أو سياسية أو حكومية لها أهداف من وراء بعثرة جدولة مناقشة هذه القوانين؟

ثم لماذا تم تأخير المناقشة والمصادقة على قانون الصحافة رقم 13-88 الذي يشكل شرايين المهنة التي يدور حولها المهنيون والهيئات التنظيمية لقطاع الصحافة، وتأجيلها إلى فترة الصيف التي تزامنت مع العطل الصيفة ومع الأعياد الدينية أنداك؟

والغريب في الأمر أن نفس المنهجية يتم اعتمادها الٱن من خلال اختيار نفس التوقيت للمناقشة والمصادقة على التعديلات، التي طرحتها اللجنة المؤقتة المنبثقة عن المجلس الوطني للصحافة. حيث اختارت هذه الأخيرة نفس الفترة الصيفية، كـأفضل توقيت في نظرها، لمناقشة التعديلات التي ستطرأ على بعض المقتضيات القانونية لمدونة الصحافة والنشر، لاسما منها قانون المجلس الوطني للصحافة. وبديهيا خلال هذا التوقيت الصيفي ستكون المقاولات الإعلامية والصحافيين العاملين بها منغمسين مع عائلاتهم في عطلهم السنوية، وكذلك أنشطة وبرامج الهيئات المهنية ستكون لا محالة متوقفة، إلى حين مرور الفترة الصيفية ودخول الموسم المهني في أول شهر شتنبر. وبذلك ستكون فرصة توسيع دائرة النقاش والحوار محدودة إن لم نقل مقفلة، وفرصة تمكين باقي الهيئات المهنية والأغيار والمهتمين لمناقشة المقترحات المطلوبة للتعديل، ستكون لا محالة فرصة منعدمة، بل حتى البرلمانيين سيكون حضورهم ضئيلا جدا، لمناقشة مشاريع هذه القوانين التعديلية المقترحة، بسبب إكراهات الفترة الصيفية. وهو ما حدث بالضبط مع قانون الصحافة والنشر الذي نوقش وصودق عليه، وصدر في غشت 2016، وصوت عليه في جلسة عمومية 70 برلمانيا وبرلمانية فقط من أصل 395 نائبا.

ونعتقد أن هذه الأسباب وغيرها هي التي كانت سببا في إخراج مدونة الصحافة والنشر مشوهة وغير محبوكة، ومعيبة وغير قابلة للتطبيق، نتيجة ما تحبل به من تناقضات واختلالات وأخطاء، والتي سنسرد بعضها في قادم المقالات.

كما نؤكد على أن نفس الخطأ سيتم ارتكابه إذا لم تأخذ الجهات المعنية بعين الاعتبار إكراهات الفترة الصفية والعطلة السنوية، لا بالنسبة للهيئات المهنية ولا البرلمانيين. والعمل على تأجيل موعد مناقشة التعديلات القانونية إلى بداية الموسم التشريعي المقبل. وذلك اعتبارا من أن قانون الصحافة والنشر ليس من القوانين العامة التي تفترص نقاشا عموميا، بل هو قانون خاص يفترض في المقام الأول إشراك جميع الهيئات المهنية التي يعنيها الأمر في هذا النقاش المهني الخاص.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
error: عفوا لايمكنك نسخ المحتوى محمي بموجب قانون الصحافة والنشر شكرا على تفهمك