الباحث الإعلامي عبد الوافي الحراق
بعد الفضيحة الأولى التي تحدثنا عنها في مقالنا السابق حول اختلالات الدفوعات الشكلية المتعلقة بمناقشة مدونة الصحافة والنشر، ومنها قانون المجلس الوطني للصحافة، الذي تم الدفع به للمناقشة قبل قانون المهنة، وكذلك النظام الأساسي للصحفيين المهنيين. نتابع في هذا الجزء الثاني من المقالة، فضيحة التحضيرات لإخراج المجلس الوطني للصحافة، للوجود وانتخاب أعضاءه.
إن ثاني فضيحة تم تسجيلها قبل انتخاب المجلس هو تجاوز المدة الزمنية المنصوص عليها في القانون لإجراء الانتخابات، حيث نصت الفقرة الثالثة من المادة 56 على أن قانون المجلس الوطني للصحافة يدخل حيز التطبيق في أجل أقصاه سنة ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية. وكان القانون صدر يوم 10 مارس 2016، بينما لم تجري هذه الانتخابات إلا بعد مرور سنتين، وبالضبط يوم الجمعة 22 يونيو 2018. وهذا في حد ذاته يعتبر تجاوزا للقانون، إذ كان على الوزارة الوصية على الأقل تدارك الموقف القانوني، بإصدار مرسوم قانون يبرر ويقضي بتأجيل مدة انتخاب المجلس الوطني للصحافة. وهذا ما لم يتم القيام به. مما يؤكد على أن هذا القانون صدر متعثرا ومعيبا، حيث في بداية صدوره شابته مجموعة من العراقيل والتعثرات، وانتقادات لادغة واحتجاجات واسعة ضده، حتى أن المهنيين شكلوا تنسيقية وطنية للتصدي لمقتضياته المجحفة والمتناقضة التي طالت حتى التنافي مع المواثيق الدولية المصادق والموقع عليها من طرف المغرب.
وبالرغم من الصيحات المعارضة والغير الراضية عن هذا القانون، وأمام كل هذه التجاوزات التي صاحبت صدور قانون الصحافة، وواكبت عملية انتخاب المجلس الوطني، أصرت الهيئتان المهنيتان المهيمنتان آنذاك على المشهد الإعلامي ببلادنا، بوازع ما يسمونه بالأكثر تمثيلية، على إجراء الانتخابات بعلتها وأخطاءها، غير آبهتان بالمصلحة العامة للإعلام الوطني. حيث كان همهما هو العمل على إخراج المجلس الوطني للصحافة، وهو نفس الهم الذي كان يحمله وزير الاتصال أنداك السيد محمد الأعرج. وكان هذا الأخير قد أسر لي على ضرورة إحداث المجلس في عهده، وأن أي تعثر سيعتبر فشلا بالنسبة له.
وهكذا، فالضرورات تبيح المغالطات على حد تعبيرنا، حتى في أعراف التشريعات والقرارات الحكومية والتنظيمات الإدارية. وهو ما زاد الطين بلة، حيث تشكلت لجنة تسهر على الانتخابات وفق ما نصت عليه المادة 54 من القانون المحدث للمجلس، وضمت ما يلي :
ممثل السلطة القضائية (رئيسا)
ممثل السلطة الحكومية المكلفة بالاتصال
ممثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان
ممثل جمعية هيئات المحامين بالمغرب
ممثل نقابة الصحافيين المهنيين الأكثر تمثيلية
ممثل هيئة ناشري الصحف الأكثر تمثيلية
والغريب أن بعض هؤلاء الممثلين أصبحوا أعضاء بالمجلس، حيث أن ممثل الناشرين أضحى عضوا ورئيسا للجنة المقاولات، وممثل النقابة صار رئيسا للمجلس، لذلك وجودهما ضمن اللجنة الساهرة على عملية الانتخابات كان خطئا فادحا، مادام أنهما غَدَوَا مرشحين للمجلس. لأن الديمقراطية والنزاهة تقتضيان ان أعضاء اللجنة الساهرة على نزاهة الانتخابات، لا يجب أن يترشحوا لعضوية المجلس بتاتا، ولا تربطهم بالمرشحين أية صلة سواء من قريب أو من بعيد. حتى لا نقع في المثل القائل : “حاميها حراميها”. ولكن بكل أسف، هذا ما سقطت فيه اللجنة التي من المفروض أن تكون حيادية ونزيهة. في حين أن باقي الأعضاء ممثلي القطاعات المنتدبة التزموا بالقاعدة الانتخابية، واحترموا اللجنة المشرفة عن الانتخابات، بالرغم من أن عضويتهم يتم انتدابها وتعيينها، إلا أنهم عند تعيينهم بالمجلس تم احترام الحكامة والديمقراطية التوافقية، حيث تم تغيير الأشخاص الذين كانوا في اللجنة بأشخاص آخرين بالمجلس.
فإذا كانت هيئة الناشرين قد اختارت التصويت بالاقتراع الفردي، فإن النقابة الوطنية للصحافة المغربية التجأت إلى الاقتراع باللائحة، ويبدو أنها مكرهة على ذلك بالنظر إلى كثرة منخرطيها. كما أنها لم تكن تنتظر خروج لائحتين مستقلتين منافستين لها، مما جعلها تبحث عن تحالف مع جهات نقابية أخرى. وتأتى لها ذلك من خلال إبرام تحالف بينها وبين الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، وتم الاتفاق والتراضي على أن يترشح من جانب النقابة الوطنية للصحافة المغربية 6 أعضاء، ومن جانب نقابة الاتحاد المغربي للشغل عضوا واحدا متمثلا في الزميل حميد سعدني، وكذلك عضوة من خارج اللائحة تمثل العضو الشرفي. وهي الزميلة ثريا الشواف، وكلاهما صحافيان من القناة الثانية.
وما يعاب عن هذه اللائحة، وما أثارته من نقاش مستفيض هو أن السيد حميد سعدني كان وكيلا للائحة، وتبادر إلى ذهن الجميع، وهذا حسب العرف الانتخابي، على أن وكيل اللائحة سيكون هو المرشح تلقائيا لرئاسة المجلس الوطني للصحافة. إلا أنه تبين بعد ذلك أن قضية إدراج ممثل نقابة الاتحاد المغربي للشغل على رأس اللائحة لم يغدو إلا عبارة عن أرنب للسباق لجمع أكبر عدد من الأصوات، بالنظر لما يتمتع به وكيل اللائحة من احترام وتقدير في الوسط المهني. إذ بعد فوز لائحة “حرية، مهنية، نزاهة” قدم أحد أعضاءها من النقابة الحليفة نفسه للترشح إلى رئاسة المجلس. وحسابيا لو تقدم السيد وكيل اللائحة باسم نقابة الاتحاد المغربي للشغل كمرشح منافس للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، لكانت النتيجة بكل بساطة محسومة لصالح هذه الأخيرة، على اعتبار أن عدد المرشحين في اللائحة أغلبهم تابعين لها.
وتبقى الانتخابات ونظام الاقتراع من بين الأخطاء الفادحة، الناتجة عما أشارنا إليه في المقال السابق حول اختلالات الدفوعات الشكلية، والكيفية التي تمت بها المناقشة والتصويت على قانون المجلس الوطني للصحافة كهيئة مهنية قبل المناقشة والتصويت على قانون المهنة. وهو ما جعل انتخابات المجلس السابقة، ترتدي حلة قانونية غير حلتها. إذ حسب ما يجري به العرف في الأنظمة القانونية لانتخاب هيئات التنظيم الذاتي للمهنة، كهيئة نقابة المحامين وهيئة الأطباء وهيئة الموثقين وغيرها من الهيئات المهنية، فإن انتخاباتها التأسيسية، أو تجديد هياكلها التنظيمية، يتم أغلبها عن طريق انتخابات الجموع العامة. بمعنى، التصويت على الرئيس من خلال جمع عام يحضره كافة الأعضاء والمنخرطين والمنخرطات، وخلاله تتم قراءة التقريرين الأدبي والمالي ومناقشتهما والمصادقة عليهما أمام المؤتمرين. ثم يرفع التقريران وتشكيلة المكتب إلى الأمانة العامة للحكومة، هذا إذا كانت هيئة التنظيم الذاتي مؤسسة بظهير أو محدثة بمرسوم قانون على غرار الهيئات المهنية والجمعيات ذات المنفعة العامة والأحزاب الوطنية.
أما الطريقة التي اعتمدها المجلس الوطني للصحافة لانتخاب أعضاءه في الانتخابات السابقة، فهي طريقة متداولة عادة في نظام الاقتراع الخاص بالغرف المهنية، وهذا النظام تعتمده الهيئات النقابية والجمعيات المهنية واللجان العمالية ومناديب العمال، وغيرها من الآليات التنظيمية المتعلقة بانتخابات الغرف المهنية، التي يكون فيها الحسم للأغلبية بحسب المقاعد المحصل عليها بغرفة مجلس المستشارين.
وبما أن انتخابات المجلس الوطني للصحافة لم تجرى على قاعدة نظام الهيئات المهنية المعتمدة على انتخابات الجموع العامة، وبما أن المجلس اعتمد على نظام انتخابات شبيه بنظام استحقاقات الغرف المهنية، فإن اللجنة التي كانت مشرفة على انتخابات المجلس تعتبر لاغية، لأن عضوية الهيئة الأكثر تمثيلية باللجنة في هذه الحالة تعود لنقابة الاتحاد المغربي للشغل، وليس النقابة الوطنية للصحافة المهنية. وبالتالي فإن نتائج الاقتراع، إذا كانت معتمدة وفق نظام الانتخابات المهنية المبني على قاعدة الأكثر تمثيلية بمجلس المستشارين، فإنها تحتاج إلى مراجعة وتصحيح وفق للضوابط القانونية المنظمة لاستحقاقات الغرف المهنية.
والظاهر أن أعضاء المجلس الوطني للصحافة وقع لديهم خلط بين هيئات التنظيم الذاتي ونقابات الغرف المهنية، وبين المجالس الدستورية والمؤسسات المهنية العمومية. علما أن المشرع قد حدد تعريفات واضحة ووضع مفاهيم لكل هذه التنظيمات على حدا، وسنأتي على شرحها بتفصيل في قادم المقالات.
والواضح، أن هذه الارتجالية في تدبير الانتخابات التأسيسية للمجلس الوطني الصحافة، هي التي أدت إلى التشنجات والتعثرات التي عرفها هذا التنظيم الذاتي طيلة فترة ولايته. بل وامتد هذا الارتجال حتى اثناء إحداث اللجنة المؤقتة لتصحيح هذه الاختلالات والتعثرات. إذ لا يعقل إحداث لجنة مؤقتة بنفس أهداف وسُلَط المجلس التي تشكل مصدر التعثرات والاختلالات، إذ خولت لنفسها جميع الصلاحيات المتضمنة في قانون رقم 13-90، من سن إجراءات قانونية، وإحداث قوانين تنظيمية، بل التطاول حتى على القوانين التي لها نصوص ثابتة في القانون. متجاوزة بذلك القاعدة القانونية التي تنص على أن : لا اجتهاد مع النص.
وهنا يطرح السؤال، ما هو الغرض من وراء إحداث لجنة مؤقتة؟ هل هو لتصحيح الأخطاء وتدارك الاختلالات المتضمنة في بعض مقتضيات قانون المجلس الوطني للصحافة، التي حالت دون استكمال مساره التنظيمي والديمقراطي؟ أم أن الغرض من هذه اللجنة المؤقتة هو إقصاء بعض الأعضاء الغير المرغوب فيهم بالمجلس؟ أم الأمر يتعلق بإسقاط التناوب على الرئاسة واحتكار المناصب والتعويضات المغرية، التي تفوق أجور الوزراء والكتاب العامين للدولة؟
وعلى ما يبدو حسب المتتبعين والقيمين والمهنيين، أن اختلالات المجلس لازالت تراوح مكانها، وأن اللجنة فشلت في الحصول على إجماع المهنيين لتحقيق أهداف القانون 23-15 بحيادية ونزاهة واستقلالية.








