صوت الحقيقة: محمد كروم
الحلقة 11
تمنارت وفم الحصن: من العلم والمقاومة إلى البطيخ الأحمر
من أقا إلى فم الحصن مسافة قطعناها مرات عديدة في رحلات قصيرة. آلاف الهكتارات فارغة، تعبث فيها الرياح والشمس. تؤثثها الحجارة وأشجار الطلح، وتتزاحم فيها أمواج الصمت الرهيب.
من أشهر الواحات التي يعبرها المسافرون واحة أيت وابلي، تمتد على ضفتي الوادي، وعلى مجراه، للحوامض والبرتقال نصيب وافرمن أشجارها المتنوعة، على خلاف كل واحات طاطا. وعلى هذا الوادي ما تزال أشغال بناء قنطرة ضخمة مستمرة منذ أن زرناها أول مرة في شتنبر.
يلاحظ المسافر أن جنوب أيت وابلي (اتجاه فم الحصن) أبرد من شمالها (اتجاه أقا)، وغطاءه النباتي أقل، لهذا لا يقصده الرعاة الرحل إلا نادرا.
على مساحة تسعين كلمترا بين أقا وفم الحصن توجد مقهى وحيدة بأيت وابلي قرب إعدادية المرابطين. يقصدها المسافرون للاستراحة أو لتناول وجبة غذاء، قد يجدونها أو لا يجدونها. ولكن المداومين على السفر صاروا يهاتفون النادل ويطلبون منه توفير حاجياتهم، قبل مجيئهم.
قبيل فم الحصن يميل طريق إشت وتمنارت يمينا، وهو الطريق الذاهب إلى بويزكارن وتزنيت وكلميم. على مفترق الطرق سد أمني دائم لرجال الدرك، يراقب الغادين والرائحين دون كلل أو ملل.( أثناء هذه الزيارة انتشر خبر حجزهم لنحو طن من المخدرات )
على مدخل تمنارت توجد إعدادية العيون، وثانوية تمنارت حديثة العهد، التي انطلقت فيها الدراسة قبل اكتمال أشغال البناء. المؤسسات التعليمية الابتدائية تفتح أبوابها يوم الأحد، وتغلقها يوم الاثنين، حيث ينظم السوق الأسبوعي.
أول مرة زرنا تمنارت في شهر شتنبر كانت إحدى واحاتها ما تزال تئن تحت وطأة حريق أتى على أخضرها و يابسها، وما تزال أشجار النخيل سوداء كما لو أخرجت من مكحلة. هذه الأشجار تحدت اللهب وأخرجت براعمها من جديد، وها هي الآن تحمل عراجينها دون أن تجد من سعفها ما يسعفها على حمل أثقالها.
وفي تمنارت الكثير من أشجار اللوز والزيتون، وأهلها من أكثر الناس عرضة لأخطار الطبيعة، فقد اعتادت وسائل الإعلام أن تنقل لنا من أخبار تعرض أبنائها للسعات العقارب والثعابين والنحل ما يؤلم. وتنتشر قرى هذه الجماعة على وادي تمنارت أحد روافد وادي درعة. المجال الخصيب الذي يزرعه المنتسبون لإقليم طاطا. ولأسباب أمنية يقتضي الذهاب إلى هذا المجال ترخيصا مدنيا وعسكريا.
وكانت تمنارت في عهد السعديين من الأعمال السوسية التي يعين فيها قضاة ينوبون عن قاضي الجماعة في تارودانت. وقد كانت مركزا علميا يقصده طلاب العلم. ومن أشهر رجال تمنارت:
عبد الله بن ياسين واضع أسس الدولة المرابطية، في القرن الخامس الهجري، وهو أشهر من نار على علم.
أبو زيد عبد الرحمان بن محمد التمنارتي القاضي صاحب كتاب ” الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة” الذي صار في أواخر الدولة السعدية عالم تارودانت الكبير، ومدرسها الجليل، وقاضيها المحنك، ومفتيها المرموق، ومؤلفها اللامع، كما وصفه المهتمون. وذكر في “فوائده” أسماء شيوخه، ومنهم أبناء تمنارت مثل أبيه محمد بن أحمد بن إبراهيم المعافري التمنارتي المتوفى بتارودانت عام 1007 هـ ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى الجزولي التمنارتي المتوفى بتمنارت عام 1039 هـ ، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم التمنارتي المتوفى سنة 1048هـ ، وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الكريم الضرير التمنارتي المتوفى سنة 1048هـ ، والفقيه أبي عبد الله محمد بن أحمد الجزولي الرسموكي نزيل تمنارت المتوفى سنة 1016هـ. (حقق كتاب ” الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة ” الأستاذ الباحث اليزيد الراضي، رئيس المجلس العلمي لتارودانت. وذهب المختار السوسي إلى التأكيد على وجود أحفاد أبي زيد بفم الحصن. )
وله مؤلفات أخرى مثل “شرح منظومة الجزائري في التوحيد” ، وأصل هذا الشرح دروس كان يلقيها على طلبة العلم بالجامع الكبير. كما له ديوان شعر جمعه أحد أبنائه في آخر حياته.
سيدي محمد بن إبراهيم أعمر التمنارتي، تنسبه كتب التراجم إلى أبي بكر الصديق، ينتمي إلى إحدى قرى وادي لكوسة، استقر بتمنارت وبالضبط بدوار أكرض، وعمل إماما لمسجدها، وبه كان يدرس العلوم الفقهية واللغوية. من أشهر تلامذته، أبو زيد عبد الرحمان الذي سبق الحديث عنه. عرض عليه قضاء الجماعة بسوس فرفضه ( هناك بعض الروايات تقول إنه تولى القضاء بدءا من 928 هـ ) كما رفض أن تقبل يده. توفي سنة 971 هـ.
لعب دورا كبيرا في مساعدة السعديين على بسط نفوذهم على تمنارت، والمناطق المجاورة لها أيام مولاي أحمد الأعرج عندما حاصرته جيوش القبائل في مدينة تامدولت سنة 932 هـ ، حيث أقنعهم بالدخول في طاعته. وكان حريصا على عدم إيواء مرتكبي جرائم القتل والعبيد الفارين من أسيادهم أو من قبضة السلطان في المساجد التي بناها لطلبته. أسس زاوية تحمل اسمه بدوار أكرض، وما تزال على اليوم تستقطب العديد من المريدين، خاصة أيام موسم الشيخ في شهر شتنبر، وتعتبر من أكبر الزوايا في الجنوب المغربي.
وتحدثت بعض المصادر التاريخية عن وجود بقايا مدينة أو قرية بتمنارت تسمى “الفائجة”، خربت ولم يبق منها إلا الأطلال بسبب النهب والإغارة أو القحط. وهو موقع لم نتمكن بعد من الوقوف عليه ومعاينته.
أما فم الحصن فجماعة تفننت الطبيعة في تأثيثها بصخور وحجارة كثيرة شهباء، وسمتها بميسمها الخاص، وصبت عليها من القر والحر ما كفاها. في مدخلها تنتصب بنايات بعض الإدارات العمومية والسلطة المحلية: الوقاية المدنية، الدرك الملكي، الباشوية، الثكنة العسكرية، ورغم وجود إعدادية باني، ومكتب البريد، فلم يستطيعا إخفاء الطابع العسكري للمنطقة. هذا الطابع يلاحظ على مستوى الشارع الرئيسي الذي تصطف على جوانبه هذه المؤسسات. شارع مهمل، وكئيب، حتى محطته الطرقية تبدو كما لو كانت في مدشر موغل في الخلاء. شارع يعادي الناس و الغرس، قليل الحركة، منعدم الظلال.
الطابع العسكري لفم الحصن، فرضه موقعها الاستراتيجي على طريق القوافل التجارية القديمة، وقربه من تندوف. وهو موقع جعلها قاعدة أساسية لجيش التحرير الوطني، ( فم الحصن بمعناها الواسع تضم إشت وتمتد حتى نهر درعة. انطلاقا من قاعدة أقا أسس بها جيش التحرير مجموعة من المراكز العسكرية إلى جانب مراكز أخرى مثل عوينت خروف وأيت وابلي) ومحط أطماع المستعمر. وقد تحدث المقاوم إبراهيم نوحي عن هجوم المستعمر الفرنسي على هذه القاعدة سنة 1957م على يد الجنرال كوني، والكولونيل لوباج على رأس القوات المظلية. وهو هجوم علم به العقيد بن حمو ونائبه إدريس العلوي فأغلقا كل الطرق البرية المؤدية إلى فم الحصن، مما جعل الجنرال كوني يحوله إلى هجوم جوي بمساعدة وزير الدفاع رضا كديرة الذي منحهم رخصة الإقلاع والهبوط بالمضلات على قاعدة فم الحصن. ونفذ الهجوم على جيش التحرير المغربي وعلى رأسه الكولونيل بن حمو. ونتجت عن المعركة خسائر بشرية ومادية كبيرة، وإسقاط طائرة حربية فرنسية، ما تزال مروحيتها تشكل قطعة أثرية في متحف الشيخ عمر بأقا. ( ص 67 من كتاب: محمد بن حمو والحسن الثاني وأسباب الاندماج)
هكذا رأينا فم الحصن أكثر من مرة في زيارات قصيرة. أما اليوم ( 04 ـ 07 يوليوز 2019 ) فقد أنخت بها ركائبي، وحققت بعض مطالبي، فاستغللت كل عشية، وتعرفت على أحيائها الخلفية.
نهارها حار، وليلها هادئ، إذا هبت عليها الرياح الشرقية اشتد قيظها، وإذا هبت عليها الرياح الغربية صارت لطيفة مقبولة. يصبح موظفو ثانوية السلام وعيونهم على العلم الوطني لمعرفة اتجاه الريح، والتنبؤ بمستوى درجة الحرارة. لكن من عركته حياة البادية وعركها، وخبر تجاربها، يستطيع أن يلمح تجمع بعض التراب على نبات الرمت من جهة واحدة فيدرك أن الريح الغربية هي أكثر ما يهب على المنطقة.
أمام الباشوية ساحة فسيحة يقذي فراغها العين، لكنها في الليل تجتذب جماعات من النسوة، يجلسن جلسات دائرية، يفترشن الأرض النقية، ويهمن في أحاديثهن الخاصة، هذه الجلسات النسائية يمكن مشاهدتها أيضا في أحياء أخرى أمام البيوت، ووسط الأحراش حيث يدور الحديث همسا، وتلمع أضواء الهواتف كعيون القطط.
قرب الساحة حديقة الأطفال، فيها بعض اللعب الحديدية، وكثير من الاسمنت. الخضرة الوحيدة الملاحظة بفم الحصن توجد على أبواب الثكنات، وبذل الجنود، وآلياتهم العسكرية، أو على رؤوس النخيل في الواحة المترامية وراء وادي تمنارت.
وراء الحديقة ساحة ثانية فسيحة، تحيط بها بعض المقاهي، التي يعمل أربابها إذا اقترب مغيب الشمس على استغلال الساحة ونشر كراسيهم على طولها وعرضها. وفي جانبها الشرقي ينتصب مركب ثقافي، لم تتح لنا فرصة دخوله، والتعرف على جوهره.
المقاهي القليلة الموجودة لا يطبخ أربابها غير البيض والطماطم، أو ما يشبه الطماطم لقلته. حتى الخبز نادر، إذا طلب الزبون من النادل أكلة لا يلبي طلبه حتى يتأكد من وجود الخبز في الدكاكين، وإذا وجده لا يأخذ منه إلا ما يحتاجه هذا الزبون.
بعض رواد المقاهي مازالوا متشبثين بعاداتهم الصحراوية، يشربون بعض السوائل ( الماء البارد والحليب والسكر والياغورت ) في إناء كبير يتناوبون على تداوله، والشرب منه، ويضعونه فوق الطاولة كخوذة عسكرية.
بجانب الساحة سوق الخضر، دكاكينه مغلقة بشكل دائم، سيدة واحدة على بابه تبيع بعض الخضر والفواكه باستمرار. البطالة منتشرة، والأيادي قصيرة، لذا فالأغلبية لا تتقن غير الاستهلاك كما قال موظف ممن جالستهم. أقصى طموح الشبان هو الانخراط في سلك الجندية، لينضموا إلى فيالق الجنود الذين يكسرون بسياراتهم وشاحناتهم العسكرية كل صباح هدوء البلدة الغافية ( رغم كونها جماعة حضرية تبدو كبلدة )، قبل أن يشاركهم في تكسيره بعض أصحاب الدراجات النارية وقد انطلقوا يحملون زادهم وأمتعتهم في رحلة البحث عن العلك، الذي تجود به ـ غير بخيلة ـ أشجار الطلح في كل مكان، ينطلقون ووراءهم عصيهم أو قصباتهم الطويلة فيبدون كصيادين في طريق الشاطئ .
جماعة فم الحصن تتوسع غربا وشمالا، وفيها من المشاهد ما يسلي الزائر: نبع فياض، قريب من وادي تمنارت، ماؤه عذب دافئ، يجلب منه الناس حاجتهم من ماء الشرب، يجري في ساقية طويلة، جزء كبير منها مسقوف، يجتهد الجميع في الحفاظ على نظافته. قرب النبع منتزه ترفيهي به شلال اصطناعي جميل، ومشاهد مصغرة لحصون تاريخية، وصخور كبيرة تفننت أيادي الرسامين في توشيحها بالألوان، فجعلتها ناطقة بالجمال. و بين الشلال والنبع حديقة في طور التهييء. يقصدها الأهالي فيستمتعون بالهدوء، وتبادل الأحاديث الهامسة.
وغير بعيد عن ذلك يوجد دوار الكراج، به كثافة سكانية كبيرة، توهم الزائر أنه في يحي شعبي بمدينة كبيرة. وسطه ساحة شاسعة، و بئر تحفها حاشية قصيرة. في هذه الساحة كانت تعقد حلقات اليسار القاعدي، أيام كان اليسار حلم انعتاق وتحرر. ومع ذلك ما تزال آثار هذا الفكر منغرسة في نفوس الأهالي بمن فيهم تلاميذ الثانوي كما يحكي أهل الميدان.
قرب ثانوية السلام مقبرة كبيرة وقديمة، يعتقد البعض أن بها كنوزا مطمورة، وكلما ترك حفار الليل بها أثرا، سال لعاب الطامحين، دون أن يسيل على الواحة المهمل نخيلها وراء الوادي.
و أهل تمنارت وفم الحصن ذوو نزعة احتجاجية، أخرجتهم في كثير من المناسبات تعبيرا عن إحساسهم بالتهميش، و مطالبتهم بمشاريع تنموية تنهض بمستوى عيشهم. يعمق شقاء وعيهم تاريخهم الحافل بالعلم والمقاومة، ومراقبة الطرق التجارية، وتثبيت دعائم الحكام، وهو تاريخ لم يبق منه غير الذكريات والحسرة، ومنابع تغذي الواحات، وفرشة مائية تسيل لعاب المستثمرين.
فمن أقا إلى فم الحصن، انتشرت بشكل مهول زراعة البطيخ الأحمر. مساحات كثيرة زرعت في وقت مبكر ـ أشرنا إليها في حلقة سابقة ـ و حقول عديدة فسد إنتاجها، وتناثرت حبات بطيخها، فجاءتها قطعان الإبل تدوسها وترعاها، في مشهد شبيه بأسراب نعام وسط غابة بيض. فسدت بعد أن استهلكت ما لا يمكن تصوره من المياه. وها هي الآن تتبخر تحت لهيب الشمس دون حسيب أو رقيب، ودون تفكير مستقبلي.
وهاهي مساحات أخرى بمئات الهكتارات يتم تحضيرها للاستغلال: تسيج حدودها، تحفر آبارها، يقلب بطنها. الأصوات التي تدق جدران الخزان محذرة من ندرة الماء، ومن هجرات جماعية مستقبلية، تذهب صيحاتها في الوديان والشعاب، ولا تردد صداها الصحراء الواسعة الصامتة.
قضيت بفم الحصن ثلاثة أيام وليال في إطار مراقبة جودة إجراء امتحانات الباكالوريا ـ دورة يوليوز ـ وهي فرصة أتاحت لي كسابقتها ـ دورة يونيو ـ إمكانية التعرف عن قرب على أجواء إجراء الامتحانات، وإدراك أحد أسباب ارتفاع نسبة النجاح في هذا الاستحقاق، رغم الإضرابات الكثيرة التي عرفها الموسم الدراسي ( إضراب المديرين، إضراب المفتشين، إضراب الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد…) والتي جعلت البعض يتحدث عن بوادر سنة بيضاء.
هذه التجربة بقدر ما أضاءت لي مجموعة من الحقائق، بقدر ما طرحت علي أسئلة حارقة من قبيل:
كيف يمكن لمفتش تربوي أن يراقب جودة الإجراء، في منطقة نائية، وينجز تقريرا سريا يخلق توجسا عند رئيس المركز، وهو الذي يوفر له الإيواء والإطعام في بيته أو في مؤسسة أخرى ( الداخلية ـ دار الطالب… ) كأنما يتصدق عليه؟
كيف يمكن لمفتش تربوي أن يراقب جودة إجراء المترشحين للامتحان وهو الذي يشاركهم سقفا واحدا، وكسرة خبز مبللة بمرق لا يعرف مصدره، ويشاركهم الاصطفاف في الصباح أمام باب المرحاض، انتظارا لدوره في اقتناص لحظة راحة قصيرة، ويشاركهم انتظار ساعات طويلة لتحضير عشاء، بذل مسؤولو دار الطالب أو الداخلية جهدا كبيرا في توفيره، وتقديمه في منتصف الليل؟
كيف يمكن لهذا المسؤول أن يراقب جودة الإجراء عند مترشحين يشاركونه مطاردة الصراصير، وينامون على عتبة باب غرفته، بحثا عن هبة نسيم في بهو الإقامة، فيضطر إلى تخطي جثثهم إذا ألزمته الحاجة الخروج ليلا، ويضطرون، لإلجام ألسنتهم، وخفض أصواتهم احتراما لوضعه الاعتباري المزيف؟
انتهت المهمة في منتصف النهار، ودعت ـ على استحياء ـ التلاميذ شركائي في الإقامة، فخرجت قاصدا طاطا. وأمواج السراب تتراقص في كل الاتجاهات.






