عبد الوافي حراق
لا حديث اليوم في رحاب الحكومة والنخب السياسية، والهيئات التقنوقراطية والأوساط الإعلامية، إلا عن التعديل الحكومي المرتقب، الذي دعا إليه صاحب الجلالة في خطاب عيد العرش المجيد. وازداد غليان هذا الحديث تأججا، مباشرة بعد خطاب ثورة الملك والشعب. وكأن جلالته لم يتحدث في مضامين خطابيه الأخيرين، إلا عن التعديل الحكومي وتجديد النخب. حيث تم ضرب بعرض الحائط كل ما جاء في كلام صاحب الجلالة خلال هاتين المناسبتين من توجيهات وقضايا وأوراش ومشاريع، و في مقدمتها مشروع النموذج التنموي الجديد، الذي يعتبر المحور الرئيسي والحجر الأساس في الخطابين الملكيين معا. ناهيك عن عدم الاكتراث بالمحاور الفرعية، المرتبطة على نحو تكميلي وتفصيلي بهذا الموضوع المحوري، الذي وصفه جلالته بالمصيري.
لقد دعا جلالة الملك إلى رؤية شمولية لتحديد مفهوم المشروع التنموي الجديد، يستمد مرادفاته من الطبيعة المغربية السياسية والاقتصادية، وروافدها الثقافية والاجتماعية، ينبني على استراتجية مندمجة ومقاربة تشاركية. تتكفل بترسيم معالمها، وبلورة مكوناتها واستخلاص مخرجاتها، لجنة استشارية. مهمتها: التقويم والاستباق والاستشراف. تنخرط فيها الدولة ومؤسساتها، والقوى الحية للأمة. من قطاع خاص، وهيآت سياسية ونقابية، ومنظمات جمعوية، وعموم المواطنين.
وفي سياق هذا المحور الرئيسي المتعلق بمشروع النموذج التنموي الجديد، أعطى جلالته الأسبقية لمعالجة ملف الجهوية واللامركزية، على اعتبار أن التنمية لا يمكن تحقيقها في ظل هيمنة سياسة الإدارة المركزية. حيث قال جلالته بهذا الصدد في خطاب ثورة الملك والشعب : ” نعتبر أن التطبيق الجيد والكامل، للجهوية المتقدمة، ولميثاق اللاتمركز الإداري، من أنجع الآليات، التي ستمكن من الرفع من الاستثمار الترابي المنتج، ومن الدفع بالعدالة المجالية“.
كما ربط جلالته تحقيق هذا المشروع النموذجي التنموي بتأهيل العالم القروي، عبر استغلال أراضيه الزراعية وإنعاش انتاجه الفلاحي، وانفتاحه على القطاع الخاص والعام، في شتى المجالات الخدماتية والتجارية والصناعية. وكذا تجويد التعليم، وتحفيز الولوج إلى أسلاك التكوين المهني، وتشجيع المبادرات الخاصة والتشغيل الذاتي.
ودعا جلالته كذلك إلى الاهتمام الفائق بالطبقة الوسطى، التي تشكل قوة إنتاجية وعامل تماسك واستقرار.
وفي خطاب عيد العرش، أكد جلالته على أن الأولوية لبرامج التنمية البشرية، والنهوض بالسياسات الاجتماعية، والتجاوب مع الانشغالات الملحة للمغاربة. ثم جاءت الدعوة الملكية للتعديل الحكومي، كمحور من بين باقي المحاور المتسقة ضمن الإطار العام لمشروع النموذج التنموي الجديد.
لكن الحكومة المغربية والنخب السياسية، ارتأت عدم الاكتراث بهذه القضايا والمشاريع، والدعوات والتوجيهات الملكية، ذات الأهمية القصوى والاستعجال. فهرولت غالبيتها إلى البحث والانشغال، في عز فترة الصيف والعطل، عن الأسماء والشخصيات التي سيتم ترشيحها للاستوزار ضمن لائحة التعديل الحكومي. في الوقت الذي كان عليها الاهتمام على الأقل، بفتح نقاشات وحوارات تمهيدية، وتشاورات تهم القطاعات الحكومية ومديرياتها الجهوية، وتعبئة النخب السياسية وقواعدها التنظيمية، للتحضير والاستعداد للدخول السياسي المرتقب. وتهيئ الأجواء المناسبة لتمكين القوى الحية، والمؤسسات العمومية والتنظيمات المدنية وعموم المواطنين، من الانخراط في تدبير آليات المشاركة في هذا الورش التنموي الجديد. بهدف استثارة الاقتراحات وفتح الخيارات أمام الجميع، لتشكيل مشتل من الكفاءات المطلوبة في اللجنة الاستشارية المحدثة لهذا الغرض.

كما كان عليها الاهتمام بالقضايا والمشاريع والدعوات، التي صنفها صاحب الجلالة في خطابيه الساميين، ضمن الأولويات والاستعجاليات والأسبقيات. ومنها التعليم والتكوين المهني، والجهوية واللامركزية. التي دعا فيها جلالته إلى : “الانكباب على تصحيح الاختلالات الإدارية، وإيجاد الكفاءات المؤهلة، على المستوى الجهوي والمحلي، لرفع تحديات المرحلة الجديدة.“ على اعتبار أن الإطار العام الاستراتيجي للنموذج التنموي الجديد، لا يمكن أن تقوم لها قائمة دون وضع أسس للإدارة الترابية اللامركزية.
مما يطرح مدى جدية هذه الحكومة، في تعاملها مع الدعوات الملكية. لاسيما وأن أكثر هذه القضايا تم تداولها في الخطب الملكية السابقة، ولم تتحقق منها أية مبادرة جدية وواضحة المعالم. بدءا من الخطب المتعلقة ب : المجلس الأعلى للتعليم سنة 2007، والذي لحد الآن مازالت اشكالياته مطروحة بحدة أكبر مما سبق. ومخطط التنمية القروية سنة 2008، الذي لم يفلح في إخراج العالم القروي من عزلته. وميثاقي اللامركزية والجهوية الموسعة سنتي 2009 و 2010، اللذين ظلا حبيسي أقبية السياسة البرلمانية والحكومية.
وفي ما يتعلق بالمشروع النموذجي الجديد، فقد دعا إليه جلالته سنة 2017 الحكومة والبرلمان، ومختلف المؤسسات والهيئات المعنية، دعوة مباشرة. مطالبا إياهم بتحديث المنظومة التنموية ببلادنا، ومواكبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية في هذا الشأن. مؤكدا جلالته، حرصه الشخصي للإطلاع عن كثب، على المقترحات والتدبير الواجب اتخاذها من أجل بلورة مشروع نموذج تنموي جديد. حيث قال أثناء افتتاح الدورة التشريعية 2017 :
“وفي هذا الصدد، ندعو الحكومة والبرلمان، ومختلف المؤسسات والهيئات المعنية ، كل في مجال اختصاصه ، لإعادة النظر في نموذجنا التنموي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد ………….. وإذ نؤكد حرصنا على متابعة هذا الموضوع، فإننا ننتظر الاطلاع عن كثب، على المقترحات، والتدابير التي سيتم اتخاذها، من أجل بلورة مشروع نموذج تنموي جديد.
وفي سنة 2018، دعا جلالته إلى إحداث لجنة خاصة بمشروع النموذج التنموي الجديد. حيث قرر في افتتاح الدور التشريعية لتلك السنة :
“ قررنا تكليف لجنة خاصة، مهمتها تجميع المساهمات، وترتيبها وهيكلتها، وبلورة خلاصاتها، في إطار منظور استراتيجي شامل ومندمج؛ على أن ترفع إلى نظرنا السامي، مشروع النموذج التنموي الجديد، مع تحديد الأهداف المرسومة له، وروافد التغيير المقترحة، وكذا سبل تنزيله“.
وخلال هذين العامين 2017 – 2018، لم تحرك الحكومة ولا البرلمان ولا النخب السياسية ساكنا في شأن هذا مشروع التنموي الجدي،د أو قامت بأية خطوة تجاه تشكيل اللجنة الوطنية المرتبطة بهذا الغرض. بالرغم من تأكيد جلالته، حرصه الشخصي على متابعة هذا الموضوع.
وفي خطابيه لعيدي العرش والشباب لهذه السنة 2019، أعاد جلالته نفس الدعوتين المتعلقتين بالنموذج التنموي الجديد، وإحداث لجنة وطنية، مع إلحاقهما بمجموعة من التدابير والمشاريع الأخرى. حيث أكد جلالته في الخطابين الأخيرين لهذه السنة، على ما يلي :

“وإننا نتطلع أن يشكل النموذج التنموي، في صيغته الجديدة، قاعدة صلبة، لانبثاق عقد اجتماعي جديد، ينخرط فيه الجميع ….. إن الغاية من تجديد النموذج التنموي، ومن المشاريع والبرامج التي أطلقناها، هو تقدم المغرب، وتحسين ظروف عيش المواطنين، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.“
“وفي هذا الإطار، قررنا إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، التي سنقوم في الدخول المقبل، إن شاء الله، بتنصيبها.“
ويتضح أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، منذ افتتاح الدورة التشريعية سنة 2017، إلى إلى خطاب ثورة الملك زالشعب 20 غشت 2019. ما فتئ يوجه دعواته وتوجيهاته إلى السيد رئيس الحكومة، حول مشروع النموذج التنموي الجديد، والآليات والشروط المطلوبة لبلورته وتنفيذه، والمتمحورة في مجملها كأولويات، في ما يلي :
- إحداث لجنة وطنية
- إشراك جميع القوى الحية للمجتمع المغربي
- ضبط الآليات الملائمة، للتفعيل والتنفيذ والتتبع
- تفعيل اللامركزية والجهوية
- تجويد التعليم، وتحفيز الولوج إلى أسلاك التكوين المهني
- تأهيل قطاع الصحة وضمان صحة جيدة للمواطن.
- تأهيل العالم القروي، واستغلال الأراضي السلالية لإنعاش انتاجه الفلاحي، وانفتاحه على التجارة والسياحة والصناعة والخدمات.
- انفتاح القطاع العام على الاستثمارات الخارجية الأجنبية
- تشجيع المبادرات الخاصة والتشغيل الذاتي.
- القيام بتعديل حكومي لفتح المبادرات أمام الكفاءات المتميزة.

إلا أن حكومة السيد العثماني لم تستجب لأية دعوة من هذه الدعوات، التي أطلقها صاحب الجلالة على مدار 3 سنوات. والتي عبر فيها جلالته عن إحساسه بالألم العميق للأوضاع، التي تعيشها الطبقة الفقيرة والمغلوبة عن أمرها. وعن حرصه الشديد على تفعيل وبلورة مشروع النموذج التنموي الجديد، يرمي إلى تحسين ظروف عيش المواطنين، وتلبية حاجياتهم اليومية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية، والحد من الفوارق الاجتماعية، والتفاوتات المجالية وتعزيز الطبقة الوسطى.
الشيء الذي يحيل على إثارة مقاربة بين الحس والاهتمام والواجب والالتزام، الذي ينتاب المؤسسة الملكية، تجاه قضايا الشعب المغربي، وبين اللامبالاة والاستهتار والتقاعس وعدم اكتراث، الذي تتعامل به حكومة السيد العثماني مع قضايا الأمة وتوجهات ملكها.
ذلك أن جميع هذه التوجيهات والدعوات، التي شملتها الخطب الملكية، لم تعيرها الحكومة أي الاهتمام. اللهم تلك المتعلقة بالتعديل الحكومي. هذه الدعوة التي شغلت جميع النخب السياسية، والحكومة المغربية، والمؤسسة التشريعية. فلا حديث إلا عن هذا التعديل المرتقب، الذي سيمكن لا محالة من فتح الباب أمام لاعبين جدد، كانوا ينتظرون في كراسي احتياط فرق نخبهم السياسية. إذ يعتبر بالنسبة لهم هذا التعديل، من جهة، فرصة لرأب الصدع، وما تخلفه عادة عملية الاستوزار وتنصيب الحكومة، من جشع السياسيين داخل الأحزاب. ومن جهة أخرى، لإعادة التفاوض والبحث عن تحالفات جديدة، قد تمكن من الحفاظ على الهيمنة، على المشهدين الحكومي والسياسي. بنفس المستويات والقياسات، التي تحكمها الزبونية الحزبية، والقرابة العائلية، والوساطة السياسية. دون مراعاة شروط الكفاءة والتميز. تلك الكفاءات التي ربطها صاحب الجلالة كشرط أساسي، بالتعديل الحكومي. تكون قادرة على قيادة المرحلة المقبلة، نحو التحديات الاقتصادية، ورهانات العدالة الاجتماعية.
وهو ما يؤشر على أن حتى شروط الكفاءة والتميز، سيتم عدم احترامها. إذ يتضح أن حكومة السيد العثماني، تتعامل مع الخطب والتوجيهات الملكية بانتقائية، وحسب ما يتماشى مع مصالحها ومآربها. حيث تقطف ما هو جاهز للأكل وسهل المضغ، على المدى القريب، كالتعديلات الحكومية، وتعيين المناصب، وصرف الميزانيات. وتترك ما هو عسير الهضم، قد يتسبب في إهدار 5 سنوات من ولايتها، في إعداد المقترحات والمشاريع ذات المدى المتوسط أو البعيد. كتلك القضايا المرتبطة بشؤون الشعب وانتظارات المواطنين. وبالتالي قد تخرج خالية الوفاض، فارغة اليدين. وهذا ما تخشاه أية حكومة، تعاقبت على أمانة الدولة المغربية. بما فيها حكومة الاسلاميين الذين يدعون الاستقامة باسم الدين. فكل أصابع اليد تفي بغرض الأكل والشراب، سواء السبابة التي تستخدم في الشهادة وتحية الصلاة، أو الخنصر قزم أقصى يسار الكف، أو الوسطى القابل للتكيف مع أية وضعية، أو البنصر صاحب الخواتم والجواهر. أو الإبهام الخفي وراء الأصابع الذي لا تستقيم حركة المسك باليد إلا به. فجميع الأصابع (الأحزاب) تؤدي إلى تحالف اليد (الحكومة) للوصول إلى طبق الطعام (مال الشعب).
هذا هو واقع التعديل الحكومي، الذي تتحكم فيه تحالفات النخب السياسية، ويسفر عن حكومة مغربية، لا تهمها خطابات أو توجيهات ملكية، ولا قضايا الأمة، بقدر ما تهمها مناصب الدولة.







