الحراق : ماهية المشترك العقلاني بين الفكر العلمي وفلسفة الدين

مدير النشر20 أبريل 2021Last Update :
الحراق : ماهية المشترك العقلاني بين الفكر العلمي وفلسفة الدين

 

صوت الحقيقة : عبد الوافي الحراق 

إن نزوع الإنسان إلى التدين والاحتماء الروحي بالمعتقد، أملته توجساته من المجهول وتمثلاته للوجود والعدم. فإيمانه بإله خفي وغير مرئي هو ذاته الإيمان بمصير الاختفاء، الذي يلاحقه فوق هذه الأرض أينما موضعه. وهي نزعة فطرية تصاحبه بقدر رغبته في الأكل والشرب والجنس، ولا تحتاج لاستعمال العقل أو العلم او المعرفة. فالتدين والاعتقاد والتعبد لله باعتبارها خصائص إنسانية تتميز عن غيرها من الكائنات الحية، اكتسبت طابع العقلانية لحاجة الإنسان إلى عقلنة تلك القوى الخفية، ومنها الموت والغيبيات. والقبول بهذه القوى يتطلب الاحتماء بقوة خارقة ربانية، قادرة على التحكم في تدبير تصريف معاناة وآلام البشر، وحتمية الموت وقدر الاختفاء نحو المجهول. وهو ما يشكل حسب ماكس فيبر القوة الدافعة لتطور كل الديانات.

وبالتالي فإن هذا النظام الثيولوجي من حيث أنه ثقافة روحية راسخة في الذهنية البشرية منذ فجر ميلادها، قد حافظ على صيرورة تواجد وحضور الدين والمعتقد في جميع مراحل أزمنة الحضارة الإنسانية. بما فيها عصور التنوير والحداثة والصناعة والتكنولوجيا، إلى يومنا هذا. حتى غدت من المسلمات المضمرة في اللاوعي، يقودها التفكير الجمعي ضمن نسق ديني ينظم الحياة،  ويجيب عن أسئلة لا يدركها العقل. من قبيل وجود الإنسان دون إرادته، وسيرورته مع الزمن والطبيعة وما وراءها. وهي قوى تفوق قدرته العقلية والبدنية، ظاهرها بيولوجي بشري، وجوهرها روحي متافيزيقي. حيث تعكس بذلك جدلية ثلاثية الأبعاد متمثلة في العقل كعلم، والطبيعة كمادة، والدين كميتافيزيقيا.

وقد شكلت هذه الثلاثية  في عمقها الفلسفي والفكري جوهر الفكر الإنساني على مر التاريخ، سيما وأن الدين في هذه المعادلة ليس راكدا او منعزلا في صراعه الديالكتيكي مع العقل والطبيعة. بينما ماهية تمثلات هذا النزاع أساسا هو خدمة الصالح البشري. كما أكد ذلك جون ويليام دريبر، في كتابه الصراع بين العلم والدين على أن : “تاريخ العلم ليس مجرد سجل لاكتشافات منعزل بعضها عن البعض الآخر، بل هو أيضا سجل صراع بين قوتين متنافستين. القوة المتوسعة للفكر البشري من جهة، والضغط الناشئ عن الدين التقليدي والمصالح البشرية من جهة أخرى.

كما أن الخلاصات الفلسفية بمختلف مذاهبها العلمية وعقائدها الفكرية، جعلت من الإنسان محور اهتماماتها وجوهر ماهياتها. فسواء المؤمنون والغير المؤمنين بوجود الإله أو الملحدون به، ينشدون ذات الأهداف التي تجعل من الدين أو العلم خدمة لصالح الإنسانية. فهما معا في سباق أزلي نحو الأكثر عناية بالإنسان، والأقدر على توفير مجتمع الرفاهية والعدالة والحرية والكرامة والأخلاق.

كذلك الديانات التوحيدية، وفي مقدمتها الإسلام، دعت في كتبها السماوية إلى تكريم الإنسان وتحريره من قيود العبودية، وتوفير له العدالة الاجتماعية والرفاهية. وهو ما تدعو إليه أيضا جميع الأيديولوجيات الدينية والسياسية والثقافية، وكذلك الدعوة إلى التسامح والحب والتعايش، والتحلي بالأخلاق الحميدة، ومحاربة الفساد ونبد العنف، وما إلى ذلك. والحث على القراءة وطلب العلم، وإعمال العقل والتفكر والتدبر. ويكفي الاستدلال ببعض الآيات الكريمة من القرآن الكريم للتأكيد على مدى أهمية العقل في الفكر الديني، والتأمل في الحياة البشرية والطبيعة وخفايا الكون. بعيدا عن الخرافة والأساطير والسحر والتقاليد العمياء والتحجر، ورفض كل المزاعم الدينية والهرطقات اللاهوتية الرامية إلى تعطيل الفكر والتدبر والاجتهاد وتجميد العقل. حيث قال عز وجل في سورة إقرأ : (اقرأ وربك الأكرم  الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم). وسورة آل عمران : (..ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك …) وفي سورة العنكبوت : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون).

وهذه الدعوات الدينية لإعمال العقل والتأمل الفكري تتوافق إلى حد ما مع خلاصات فلاسفة الأنوار والحداثة حول العقل والتفكير العلمي، امثال كانط وهيجل وماكس فيبر ، وكارل ماركس وانجلز وفيورباخ، و هايدجر ويورغن وتشارلس تيلر، و عابد الجابري وعبد الرحمان طه وعبد الوهاب المسيري ، وغيرهم من أعمدة الفكر والفلسفة الحديثة والمعاصرة. مما يبرهن على أن ماهية العقل التنويري والعقل الديني واحدة، وهي صلاح الإنسان والبشرية جمعاء، لكن الاختلاف يبدو في المنهجيات والمقاربات والوظائف المعتمدة في بلورة النظريات و الأهداف والماهيات. وهو ما سنحاول طرحه في قادم فصول هذه المقالة.

جزء2 …/…بتبع

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
error: عفوا لايمكنك نسخ المحتوى محمي بموجب قانون الصحافة والنشر شكرا على تفهمك